* التركة الثقيلة للخلفاء السابقين
لقد ورث الإمام أمير المؤمنين عليه السلام من الخلفاء السابقين له تركة ثقيلة تنهج تقسيم العطاء بناء على الحسب والنسب، وهذا خلاف ما نزل به القرآن (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ)، وخلاف ما جاء به الرسول (ص) (النَّاسُ سَوَاسِيَةٌ كَأَسْنَانِ الْمِشْطِ).
لقد أدخلت معايير أجنبية عن روح الإسلام؛ فهذا قرشي، وهذه زوج النبي، وهذا شهد بدرا وأحد، ... وجاء الخليفة الثالث بما فاق به سابقيه فأجزل العطاء لأقربائه بذريعة البر بأرحامه، ولكنه لم يبرهم من ماله الخاص بل من بيت مال المسلمين الذي هو أمانة في يده.
نقل التاريخ أن الوليد بن عقبة بن أبي معيط وهو من أقارب الخليفة الثالث من جهة أمه اقترض من بيت المال مبلغا ضخما، زاعما أنه سيرده بعد شهر، وكان الخازن على بيت المال في ذلك الوقت عبد الله بن مسعود، ولما حان موعد رد الدين رفض إرجاعه، رغم مراجعة ابن مسعود له مرارا وإلحاحه عليه. فكتب ابن مسعود كتابا إلى الخليفة الثالث بما حصل، فجاءه الرد من الخليفة: (إنما أنت خازن لنا فلا تعرض للوليد فيما أخذ من المال) فغضب ابن مسعود وقال: (كنت أظن أني خازن للمسلمين، فأما إذا كنت خازنا لكم فلا حاجة لي في ذلك) وألقى بالمفاتيح. ومروان بن الحكم الذي طرده رسول الله (ص) من المدينة أعطي في زمن الخليفة الثالث خمس أموال أفريقيا.
في الدول الغربية قبل أن يتولى الرئيس المنتخب مهام الرئاسة لا بد أن يقدم كشفا بحساباته البنكية، حتى يحاسب بعد انتهاء ولايته لو أساء استخدام السلطة واستولى على أموال الدولة. نحن نستشهد بالدول الغربية لنحتج على من يقول بأن إصلاح الوضع في هذا الزمن غير ممكن.
* سياسة الإمام (ع) في الإنفاق
بعدما انتصر الإمام عليه السلام في معركة الجمل نادى في أهل البصرة: (دخلت بلادكم بأسمالي هذه، ورحلي وراحلتي ها هي، فإن أنا خرجت من بلادكم بغير ما دخلت فإنني من الخائنين).
ولم يكن علي عليه السلام يحبس المال عن المسلمين، بل كان يقسم الأموال على مستحقيها وفق شريعة الله ثم يكنس بيت المال ويصلي فيه ركعتين.
وعندما استشهد في مثل هذا اليوم خطب الإمام الحسن المجتبى عليه السلام في الناس خطبة فقال: (لَقَدْ فَارَقَكُمْ رَجُلٌ بِالْأَمْسِ لَمْ يَسْبِقْهُ الْأَوَّلُونَ بِعِلْمٍ، وَلا يُدْرِكُهُ الْآخِرُونَ... قَدْ مَضَى وَمَا خَلَّفَ صَفْرَاءَ وَلا بَيْضَاءَ إِلا سَبْعَ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَضَلَتْ مِنْ عَطَائِهِ، أَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَ بِهَا خَادِمًا لأَهْلِهِ). رجل ملفه نظيف وصفحته بيضاء تماما، فشتان بين المثال الذي ضربه الإمام للأمة بمنهجه وبشخصه وبين سيرة المسؤولين في البلاد الإسلامية اليوم، الذين يجمعون الأموال ولا يفصحون عن مصدرها.
* سيرته مع عمّاله وولاته
وقد كان الإمام سلام الله عليه شديد المراقبة والمحاسبة لولاته على البلدان، ومن أمثلة ذلك كتابه إلى زياد بن أبيه (وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللهِ قَسَماً صَادِقاً، لَئِنْ بَلَغَني أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً، لَأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ، ثَقِيلَ الظَّهْرِ، ضَئِيلَ الْأَمْر). وهنا يرد تساؤل عن سبب تولية الإمام لشخص مجرم كزياد ابن أبيه. الحقيقة أن زيادا كان واليا من قبل ابن عباس، فعبدالله بن عباس كان واليا على البصرة، والبصرة مصر كبير تتبعه بحسب التنظيم الإداري القديم مناطق مثل الأهواز وجنوب إيران. فكان زياد ابن أبيه واليا على طرف الأهواز وكرمان من قبل عبد الله بن عباس. كما أن زيادا لم يكن حتى ذلك الوقت إنسانا سيئا، بل كان يتميز بالحزم والقدرة الإدارية. لكن كانت عنده نقطة ضعف وهي كونه مجهول النسب. ويذكر أن عائشة حين أرادت أن تكتب له تحيرت إلى من تنسبه، وتخلصا من حيرتها كتبت: من أم المؤمنين عائشة إلى ابنها زياد. نقطة الضعف هذه استغلها معاوية لتجنيده، فأغراه بالاعتراف ببنوته لأبي سفيان ويصبح أخا له، كما وعده بأن يكرمه ويقربه ويعطيه منصبا رفيعا، وبهذا نجح معاوية في قلب موقف زياد ضد أمير المؤمنين.