الحقوق المتبادلة بين الآباء والأبناء فقها وأخلاقا
كتابة الاخت الفاضلة امجاد عبد العال
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين
قال الله العظيم في كتابه الكريم، بسم الله الرحمن الرحيم: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ). آمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
وصل بنا الكلام في ضمن الحديث عن العلاقات الزوجية إلى ما بعد الانفصال، والمسؤوليات التي تترتب على الزوجين في حفظ وصيانة الأبناء. وبدل أن نبحث في موضوع الحضانة، ارتأينا أن تحدث فيما هو أوسع، وهو موضوع العلاقة المتبادلة بين الوالدين والأولاد، والتي تضمن أيضا وتتضمن موضوع الحضانة في حال حصول الفراق – لا سمح الله – فأثرنا أن نتحدث عن موضوع العلاقات الأسرية المتبادلة بين الوالد والأولاد، بين الوالدة والأولاد، الحقوق التي تجب لك طرف تجاه الطرف الآخر.
سنعيد – ولو على سبيل الاختصار – شيئا من الحديث عما ذكرنا سابقا من أن الخطابات الدينية متعددة فمنها ما هو خطاب وعظي أخلاقي، ومنها ما هو خطاب قانوني فقهي، ومن المهم جدا أن يتم التمييز بين هذه الخطابات أثناء الحديث عن الحقوق الأسرية. كما من المهم أيضا التفريق بينها عند الحديث عن العلاقات الزوجية.
على سبيل المثال، عندما نطالع في الحقوق التي تجب للوالدين على الولد، ذكرا كان أو أنثى، نلاحظ – مثلا – الآية المباركة: (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ)، ونلاحظ أيضا: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)، ونلاحظ أيضا: ما ورد من الروايات، والتي تتحدث – مثلا – عن هذا اللحن: "وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَالِكَ وَأَهْلِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ". هذا النوع من الخطابات لا ريب أنه يدخل في ضمن إطار الخطاب الوعظي والأخلاقي والاستحبابي. وإلا فمن المعلوم أنه لا تجب طاعة الوالدين في كل الأمور على الولد، هذا ما يقرره الفقهاء. ولذلك قال القرآن الكريم: (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا)، معنى ذلك: أن الطاعة للوالدين من الناحية القانونية والفقهية
ليست مطلقة. بل حتى على مستوى الخروج من المال أو الأهل. لو أن الوالد – مثلا – أن يغير تجارته، قال له: لا أريد أن تتاجر – مثلا – في السيارات، أنهاك عن ذلك. وإنما تاجر – على سبيل المثال في الفاكهة. لا يلتزم الفقهاء هنا بوجوب طاعة الولد للوالد في مثل هذا الأمر. ولو أنه خالف أمر الوالد هنا، فلا يعد عاصيا وفاسقا، بالتالي مع التعمد. نعم، ينبغي له ذلك، الأفضل له أن يستجيب لرغبة الوالدين. لكن لو لم يفعل، هنا لا يعد عاصيا لله وفاسقا بالتالي إذا تعمد ذلك. لو قال الوالد لولده، مثلا: طلق زوجتك، أنا لا أريد هذه المرأة، أو لا أريدك أن تتزوج بفلانة. وفعل الولد خلاف رغبة أبيه. لا يعد هذا عاصيا لله عز
وجل ولا يعد مرتكبا ذنبا. لعلك تقول: كيف والحال أن الرواية تقول: "وَإِنْ أَمَرَاكَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْ مَالِكَ وَأَهْلِكَ فَافْعَلْ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْإِيمَانِ"؟ الجواب على ذلك: أن من المفضل والمستحب والمستحسن للإنسان المسلم أن يتحرى مواقع راحة أبويه، حتى لو كان ذلك يضغط على نفسه شيئا ما. ولكن لا يجب عليه ذلك وجوبا شرعيا. ولا يعد هذا من العقوق. قسم من الناس، يقول الوالد - مثلا – أو الوالدة تقول لابنتها: إذا قبلت بالزواج من فلان فإني أعتبرك عاقة لي. أو يقول الأب: إذا تقدمت لخطبة فلانة، فإني أعتبرك عاقا لي. والعاق يدخل نار جهنم. هذا الكلام ليس صحيحا. العقوق له محددات في الشرع، لا يستطيع هو أن يقرر أن هذا عقوق، أو ليس بعقوق. العقوق واضحة، مثل: أن