فإما أن يكون الوعد الإلهي كذبًا ومزحًا أو أن هذا أمرٌ غير جاد ، فأنا الله وعدتك بأن إسحاق سيتزوج وسينجب يعقوب والآن أقول لك اذبحه . فمن الطبيعي أن أي إنسان فضلًا عن إبراهيم سيتساءل :هل تخليت عن وعدك يا رب؟ أو أن الأمر غير جاد ؟
فإذا كان الأمر غير جاد فهو ليس امتحان ! وإذا كان كذبً فنعود بالله أن يكون منه هذا . فإذن هذه البشارة من الله لإبراهيم وسارة من أن الله سيرزقهما إسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب يخالف أن يأمره بذبح ابنه إسحاق .
الدليل الثالث : أنه لا خلاف بين اليهود والنصارى والمسلمين أن إسماعيل هو الابن البكر للنبي إبراهيم سواء كان أكبر من إسحاق بخمس سنوات كما يقول البعض أو بعشر سنوات كما يقول آخرون ، فالابتلاء الحقيقي للإنسان الذي يقول سبحانه ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن ) يتناسب مع ألا يكون عند إبراهيم إلا ولدٌ واحدٌ . فالامتحان صار في وقتٍ كان عنده إسماعيل ولم يأتِ إسحاق بعد . أما لو كان إسحاق موجود وهو المفترض أن يكون التضحية فيه فهذا الوقت لا معنى لهذا الامتحان ، كأن يكون لدى أحدكم مليوني ريال ، فأحدهم قال لك : نريد أن نختبرك ادفع نصف المليون والنصف الآخر يبقى لك وتبلغ مراتب عظيمة ، تقول له : هذا امتحان سهل . متى يكون الامتحان صعب ؟ عندما تكون لا تملك سوى مليون واحد ويقول لك : ادفع هذا المليون في سبيل الله . هنا يكون الامتحان الحقيقي .
أوإذا كان لدى واحد عدة أولاد ، وقال له الله تعالى : اذبح أحدهم وعندك غيره فلديك إسماعيل كبير وناشئ ، فاذبح إسحاق . لا يكون هذا امتحان حقيقي ، فالامتحان الحقيقي يكون عندما لا يكون عند إبراهيم إلا ولد واحد ويقول له اذبحه مع كبر سنك ولا يوجد رجاء لولد آخر ، وما جاءت البشارة إلا بعد خمس أو عشر سنوات وهذا هو الرأي الأرجح . هنا تكون كلمات صعبة ( وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلماتٍ فأتمهن ) تحتاج إلى إتمام .
وهناك أدلة غيرها من الروايات كثيرة جدًا .
وقد تحدثنا في العام السابق عن عبدالله والد النبي ( صلى الله عليه وآله ) ونقلنا الرواية المتداولة ( أنا ابن الذبيحين ) ولا نريد أن نستدل بها لأننا تأملنا فيها وذكرنا أنه يوجد عليها ملاحظات ، لكن هناك روايات كثيرة جدًا عن النبي وعن المعصومين عليهم السلام تصرح بأن من أخذه إبراهيم للذبح هو إسماعيل ليس إلا . فهذا مما قام عليه الاتفاق والتسالم بين الإمامية وبين أكثر علماء مدرسة الخلفاء ، وذهب قسمٌ آخر من الباحثين القرآنيين المعاصرين إلى خلاف هذا وأخذوا ما ذكرته المصادر اليهودية من أن الذبيح هو إسحاق وهذا لا ريب أنه رأيٌ غير سليم .
تعظيم القرآن لصحف وملة إبراهيم :
حديثنا الآخر مرتبط بصحف وملة وشريعة وديانة إبراهيم . ذكرت ملة إبراهيم بهذا اللفظ في القرآن الكريم ثماني مرات ، وذكرت بأنحاء متعددة فيها غاية التكريم نقرأ بعضها :
١.أول آية هي ما توجنا به المجلس قال تعالى : ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه )
٢.كلمة يرغب إذا اتبعت بفي يعني : أقبل عليه . رغبتُ في المجئ إلى المسجد ، رغبت في صداقتك ، يعني أنا مشتاق إلى هذا وأريد هذا وأحب هذا .
أما إذا جاءت بعدها عن يصبح المعنى معاكس ، رغب عنه يعني تركه ، ورغب عن الهدى يعني ترك الهدى وتولى عن الهدى .
من يرغب عن ملة إبراهيم يعني من يتولى عنها ويتركها هذا سفيهُ النفس ، لأن هذه الملة تطابق الفطرة السليمة والعقول الحصيفة والقيم الأخلاقية فلا ينبغي أن يرغب عنها الإنسان .
١.آية أخرى تنسب الهداية لملة إبراهيم لا من كان عنوانه يهوديًا أو نصرانيًا ، يقول القرآن الكريم : ( وقالوا كونوا هودًا أو نصارى تهتدوا بل ملة إبراهيم )