المسيح عيسى بن مريم : حياته وعصره

المسيح عيسى بن مريم : حياته وعصره
00:00 --:--

قال تعالى : ) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران: ٥٩

يُلحظ أنّ الأناجيلَ تركتْ ذِكْرَ عيسى ابن مريم بعد ولادته إلى بدء نبوته وهو في حدود الثلاثين سنة ، وهذا مثير للغرابة .

يذهب بعض الباحثين إلى أنّ ذلك التركَ والإغفالَ متعمدٌ ؛ ذلك لأنّ الأناجيل تمهّد إلى دعوى بنوة عيسى لله – تعالى الله – فلا يناسب هذه الدعوى عرض سيرة عيسى الذي كان يعمل ويكدح في النجارة وغيرها . فهذه الأناجيل أرادت نفي الحالة البشرية لعيسى كي لا تقع في تعارض كونه إلهًا أو قطعةً من الإله – بزعمهم – وبين بشريته وحاجاته المعاشية والبيلوجية .

لما بلغ عيسى من العمر ثلاث عشرةَ سنةً – وهو سنّ التكليف عند اليهود - ختم أحكام التوراة وتعرّف عليها ، وبدأ يعلّمها بأسلوبٍ متميزٍ يجمع بين رشاقة اللفظ ووضوح البيان .

بُعث -عليه السلام - بالنبوة أو أُمِر بإظهار رسالته وهو في حدود الثلاثين عامًا من عمره ؛ وقد أجرى الله تعالى على يديه المعاجز المعروفة من إحياء الموتى ، وإبراءِ العُمي والبُرصِ ، فطلب من الناس أن يتبعوه باعتباره صاحبَ شريعةٍ سماوية ، إلى أنْ رفعه الله إليه وعمره ثلاثُ وثلاثون سنة .

بلّغ عيسى بن مريم ( ع ) حقائق الشريعةِ التي أرسل بها ؛ رافعًا عنهم بعض التحريمات سواء التي كانت من عنديات الكهنة وادعاءاتهم ، أو تلك التحريمات التي كانت في شريعة موسى ( ع) بشكل مؤقت. ولقومٍ معينين .

يقول تعالى : ﴿ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ ﴾.آل عمران ٥٠

كثُر المتأثرون بعيسى (ع) في زهده -الذي لم يألفه الناس في الكهنة والقساوسة - وفي أخلاقه وبيانه ، وبالتالي كثُر أتباعه .

ثارتْ ثائرةُ اليهود ضده سيّما الفئة المترفة المتمصلحة من دولة الرومان المتمثلة في (( الصدوقيين ) ؛ حيث رأتْ في عيسى بن مريم خطرًا سيكشف انحرافهم ، ويسلبهم الميزات التي اختصوا بها من الدولة الرومانية .

بدأ الصدوقيون ببث التشكيك في نبوة عيسى بين الناس . لكنّ الكلمة الفصل كانت لتلك المعجزات التي أيده الله بها ، والتي تُجرى مراراً أمام مرأى الناس ؛ فلم تنجح لغةُ التشكيك .

فانتهج الصدوقيون أسلوب التحريض . حرّضوا السلطة الرومانية عليه ؛ زاعمين أنه يغري بني إسرائيل بالانقلاب على حكومة الرومان عند الفرصة المواتية .

من تحريضهم أنهم رتبوا اجتماعًا مع عيسى بن مريم في حضور الحاكم الروماني بقصد التضييق على النبي عيسى في أمر الضرائب والإتاوات التي يأخذها الحاكم الروماني من عامة الناس ظلمًا وعدوانًا .

وبحسب اتفاقهم- كما تروي المصادر المسيحية - نهض رجلٌ وبيده عملةٌ من ذهب قد طُبعَ عليها اسم الحاكم الروماني بحسب المتبّع في العملات ، وسأل الرجلُ النبيَّ عيسى ما إذا كان يسوغُ له الامتناع عن دفع تلك العملة كضريبةٍ للسلطة الرومانية أم لا .

ومن الواضح أنّ إجابة عيسى ابن مريم بالامتناع عن الدفع ؛ تُظهر للحاكم الروماني صوابية مناوئي عيسى (ع ) من أنّه يحرّض على عصيان الرومان .

وإجابته بجواز دفع الضرائب للرومان ؛ ينزع عنه المصداقية عند المعتقدين به والمتابعين له ؛ إذ كيف يأمرهم بشىءٍ خارجٍ عن الدين .

هنا كانت إجابته – عليه السلام - : (( أعطِ ما لقيصرَ لقيصر َ، وأعطِ ما لله لله )) أي أعطِ قيصرَ المالَ الذي يستحقه ويملكه بالفعل ، وعدا ذلك لا تعطه من مالك ، ومؤدّى الكلام وباطنه : لا تدفع من مالك لقيصر . أما ظاهره : ادفع مالَ قيصرَ له بلحاظ أنّ العملة مكتوبٌ عليها (مالُ قيصر ) كما هي العادة .

هنا تخلّص النبي عيسى من هذا الامتحان بتوريةٍ جنّبته الصِدام مع الرومان ، وضمنتْ له السير وفق التعاليم الدينية .

استمرّ تحريض الصدوقيين على عيسى ابن مريم (ع) ؛ فارتأتْ الدولة الرومانية التخلّص منه .

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة