التقاعد نهاية؟ أو بداية العمل الحقيقي؟
تفريغ نصي الفاضلة أم سيد رضا
قال تعالى (( فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب))، وقال (( وإن ليس للإنسان إلا ما سعى))، وقال أيضاً ((إن سعيكم لشتى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى)).
هذه بعض الآيات المباركات التي تتناول أحكاماً جزئية ومحدودة إما لجهة موضوعها أو لجهة فترتها الزمنية، وهناك بعض الآيات تشكل هداية لخط عام في حياة الإنسان وتعطيه بصيرة ينبغي له أن يتبعها بعد التأمل فيها والتدقيق في مضمونها والتفكر فيها، والبعض يعبر عنها بأنها تصنع رؤية كونية للإنسان.
الآية المباركة ((فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب)) جاء تفسيرها عند البعض بانهم قلوا:
إذا فرغت من الصلاة فانتصب للدعاء، والبعض الآخر قال: إذا فرغت من عمل الدنيا فانصب واتعب وارغب إلى ربك وابدأ في العمل الأخروي الذي يؤدي بك إلى جنة الله ، والبعض أيضاً قال: إذا فرغت من العبادة فابدأ بالجهاد.
فالقاسم المشترك بين هذه المعاني هو أن الإنسان في هذه الحياة ينبغي ان يكون في سعي دائم وحركة مستمرة باتجاه اكتساب الخير سواء كان ضمن إطاراً عبادياً وروحياً أو ضمن إطاراً جهادياً أو اتفاقياً وما شابه ذلك.
أهمية فترة التقاعد
فهذه الآية المباركة قد تكون مدخلاً للإنسان وبصيرة له فيما يرتبط بالثلث الأخير من عمره، ومع شدة أهمية هذه المرحلة إلا أنه قد لا يحصل سعي لها وتفكير في استثمارها كالسنوات السابقة من عمر الإنسان، فالكثير من الناس يخططون لمرحلة شبابهم كالتخطيط للدراسة والتخرج والعمل والربح وغير ذلك، فهذه الفترة أي فترة التقاعد من المفترض ان تكون مهمة بالنسبة للإنسان وذلك لأسباب :
١ – أن رصيد عمر الإنسان فيها يكون رصيداً محدوداً فلو افترضنا ان عمره حينئذ ٦٥ عاماً فيكون رصيد عمره ليس واسعاً ولا يتيح له خيارات كثيرة وهذا يتطلب منه أن يفكر بأفضل الانحاء للإستفادة من هذه المرحلة الزمنية واستثمارها.
٢ – أن الإنسان في هذه الفترة يكون قد حصل على أولويات كثيرة كأن يكون لديه مقداراً من المال، تجارب متراكمة ورأي حكيم، فإن استطاع أن يحرك تلك الأمور في الإتجاه الصحيح فإنه سيحصل على نتائج كثيرة وبادرة على خلاف السنوات الأولى من حياته.
فإن لم يفعل ذلك فهذا يعتبر تضييع لما تبقى من عمره كما جاء في الآية المباركة (( إن سعيكم لشتى )) فتدل على أن الناس أقسام وأصناف، منهم من يقوم في هذه المرحلة بتحقيق اللذات والشهوات المحرمة كالإنغراس في المسكرات وتكوين العلاقات المحرمة وما شابه ذلك، فبئسما يصنع أن يختم عمره بمثل هذه الأمور.
لذلك لا بد لنا أن نهتم بهذه المرحلة فطبقة المتقاعدين هي طبقة عريضة وواسعة جداً من حيث العدد ومؤثرة جداً فيما لو سخرت طاقاتها وكفاءاتها بما هو لصالح الفرد والمجتمع.
فكرة التقاعد وإعطاء المال للإنسان فهي ليست جديدة فقد كانت ألمانيا هي أول من أقرت ذلك الشيء في عام ١٨٨٠ م فهذه الفكرة تقوم على جهتين:
الجهة الاولى : هي نوع من الإدخار الجذري لتضمين عدم انهيار الإنسان في شيخوخته. فالكثير من الناس قبل سن التقاعد وأثناء العمل لا يدخرون فلساً واحداً للمستقبل ويفكرون في حاضرهم فقط، فعندما يتقاعد ستنهار حياته بدون المال فلذلك نشأت تلك الفكرة.
الجهة الثانية: هي نوع من أنواع التعاضد الإجتماعي فكل جيل ينفق من مال الجيل السابق.
قضية التقاعد قد تبحث في أشكال مختلفة ، إما كونها قضية فقهية أو اجتماعية أو شخصية لكل إنسان.
في الفقه: لها بحوث مختلفة، فأن أخذ من المال من العامل من قبل الشركة وإعطاؤه مبلغ أكثر من ذلك فهل يجوز ذلك أم لا ؟
•إن كان الامر مرجعه إلى قرض كأن تقترض الشركة من الموظف ثم تعطيه ذلك المال بزيادة فهذا يصبح قرض ربوي وغير جائز في البلاد المسلمة.
•أما إن كانت تأخذ ذلك المال وتستثمره بمختلف الأشكال فهذا يكون نوع من المضاربة، والمضاربة عقد شرعي يجوز للإنسان أن يشارك فيه وأرباحه مع أصل المال تكون حلال.