رجب والتصعيد الروحي
تحرير الأخت الفاضلة أم سيد رضا
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن رجب شهر الله العظيم لا يقاربه شهر من الشهور حرمة وفضلاً والقتال مع الكفار فيه حرام، ألا إن رجب شهر الله وشعبان شهري ورمضان شهر أمتي، ألا ومن صام من رجب يوماً استوجب رضوان الله الأكبر وابتعد عنه غضب الله وأغلق عنه باب من أبواب النار).
دخل علينا هذا الشهر الكريم بخيره وبركته، نسأل الله تعالى أن يوفقنا فيه لصيامه وقيامه حتى ننال بذلك منازل عليا من قبل الله عز وجل، كأن هناك ما يشبه الدورة الإعدادية للوصول لشهر رمضان بأن يجعل المؤمن في جو يتصاعد فيه من الناحية الروحية والمعنوية بالتدريج إلى أن يصل لشهر رمضان وذلك عبر إعداد معنوي على مدى شهرين هما شهر رجب وشهر رمضان، فالغاية القصوى هي ليلة القدر في شهر رمضان والإعداد يبدأ منذ ستين يوماً تقريباً قبلها في هذين الشهرين الكريمين.
في هذا الشهر المبارك وهو شهر رجب هناك مستحبات كثيرة ينبغي أن ينتفع الإنسان من ثوابها أولاً وأن يهيئ نفسه للإستفادة من شهر رمضان ثانياً، فالشخص الذي يبدأ الصوم في أول يوم من شهر رمضان يحتاج إلى عدة أيام حتى يتأقلم مع جو الصيام وينفض عنه غبار تعب الصوم وفي هذه الفترة قد يفقد من فرص هذا الشهر المبارك شيئاً كثيراً، بينما إذا كان قد عوّد نفسه على الصيام في بعض أيام شهر رجب وشعبان قلت أو كثرت وهناك من يصوم الشهرين كاملين، فإنه يهيئ نفسه للصوم الميسر في شهر رمضان وللإنتفاع من عوائده وفوائده، ولهذا فإن هناك استحباب مؤكد للصيام في شهر رجب كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (من صام يوماً من شهر رجب أغلق عنه باب من أبواب النار) وغيرها من الأحاديث المذكورة في فضله، فحري بالمؤمن أن يستفيد من هذه الفرصة التي لها ثواب كبير جداً.
يضاف إلى ذلك من المستحبات في شهر رجب هي العمرة الرجبية، فزيارة بيت الله الحرام والقيام بالأعمال هناك هي أفضل من العمرة في شهر رمضان، بالرغم من المنزلة العالية لشهر رمضان واختلاف أيامه والعمل فيها إلا أن روايات أهل البيت عليهم السلام تشير إلى أن العمرة الرجبية أفضل من العمرة في غيره من الشهور بما في ذلك عمرة شهر رمضان ولو كانت في العشر الأواخر أيضاً، فينبغي للإنسان أن يستفيد من هذا الشهر المبارك في زيارة بيت الله وتجديد العهد في تلك الرحاب المقدسة.
وهناك أعمال أخرى تختص ببعض الأيام كيوم النصف من رجب حيث فيه زيارة الإمام الحسين عليه السلام وكذلك في اليوم الأول منه، وعموماً ينبغي للإنسان في مثل هذه الأيام أن يحرص على ما يسمى بالتصعيد الروحي لنفسه حتى لا يتفاجئ بشهر رمضان وما فيه من الأعمال الكثيرة والفرص المفتوحة وإنما يبدأ بالتدريج حتى يصل إلى ذلك اليوم.
من مناسبات هذا الشهر المبارك هي شهادة الإمام الهادي عليه السلام وهو عاشر أئمة أهل البيت عليهم السلام وهو المعصوم الثاني عشر، الإمام الهادي هو علي بن محمد أبو الحسن وقد يعبر عنه بأبي الحسن الثالث كان من أصغر الأئمة عمراً وأطولهم إمامة في نفس الوقت، كان عمره الشريف لم يستمر اكثر من ٤٢ عاماً وإمامته كانت ٣٤ عاماً، ولد في عام ٢١٢ واستشهد في عام ٢٥٤ للهجرة، وتولى الإمامة بعد شهادة أبيه الإمام الجواد عليه السلام في عام ٢٢٠ تقريباً ولذلك يكون قد تولى الإمامة في وقت مبكر، لعل هذا الأمر يثير الإستغراب والسؤال لكنه بالنسبة للإمام الهادي عليه السلام لم يصنع مشكلة لأنه قد سبق أن الإمام الجواد عليه السلام تولى الإمامة في وقت مبكر من العمر ولكن كفاءته العلمية وفرض شخصيته في هذا الجانب على الناس وأنه ما طُرح عليه مسألة ولا ووجه بإشكال أو سؤال إلا وتصدى له بالإجابة عنه، ولهذا كان السؤال عن صغر السن غير مطروح في زمن الإمام الهادي عليه السلام، وباعتبار أن شخصاً في هذا العمر يستطيع الإجابة على ما استصعب من مسائل التفسير والفقه والعقيدة وغير ذلك مما كان لا يستطيعه كبار العلماء هذا لم يكن ضمن إطار طبيعي وعادي وإنما كان يشير إلى مدى ارتباط هذا الشخص بالله عز وجل وأنه مزود من خلاله بالعلم الذي لا تناسبه هذه الفترة القصيرة من العمر.