كمثل الحمار يحمل أسفاراً
تحرير الأخت الفاضلة أم سيد رضا
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ((مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً * بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين)).
في البداية لا بد أن نشير إلى أن مما يحتويه القرآن الكريم هو ضرب الأمثال كما جاء في قوله تعالى: ((إن الله لا يستحي ان يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها))، فالله سبحانه وتعالى يضرب الامثال للناس ولو تتبعنا أيضاً لوجدنا أمثلة كثيرة منها مثل المنفقين في قوله تعالى: ((مثل الذين ينفقون اموالهم في سبيل الله كمثل حبة انبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة))، ومثال آخر أيضاً في سورة البقرة يمثل به حال المنافقين في الإيمان قوله تعالى: ((كمثل الذي استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم))، وهناك أيضاً امثلة في الإنفاق الذي لا ينفع ولا يبقى لعدم الإخلاص فيه وهو قوله تعالى: ((كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف))، وهكذا تتعدد الأمثلة، وفي غير سورة البقرة أيضاً في قوله عز وجل: ((كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً وإن اوهن البيوت لبيت العنكبوت))، وأمثلة على من يرجو القوة والعزة من عند غير الله وأنهم ضعفاء ولو سلبهم الذباب شيئاً لما استطاعوا استرجاعه منه، ومثال للإيمان المستقر وفي مقابله الإيمان المستودع، ومثل الكلب في صورة العالم غير العامل بعلمه وغير المهتدي وغيرها من الامثلة الكثيرة.
وفي الآية المباركة: ((مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً))، يصور الله مجتمعاً وهناك بحث عن سبب استخدام القرآن الكريم للأمثال وهو بحث فني و أدبي مفصل ولكن هنا نشير غلى بعض الجهات منه:
١ – المثل يقرب الفكرة المجردة إلى واقع حي يراه الإنسان، فعندما يضرب هذا المثل فإن صورته تبقى في الذهن، بينما لو كان الامر نظرياً وفكرياً مجرداً لربما هذه الفكرة تذهب من الذهن، وهذا شيء معاصر الآن فالإعلام المعصار استخدم الصورة لأنها تنطق عن كثير من الأفكار بينما لو استخدم الفكرة المجردة لن يبقى الذهن إلا القليل، ولذلك فإن القرآن الكريم جاء بالكثير من الصور ومنها صور اجتماعية وبيئية طبيعية يتعايش معها الإنسان ويألفها وينفذ إلى ما بعدها وهذه هي الغاية الأساسية من ضرب الامثال في القرآن الكريم، وضمن هذا السياق فإن القرآن الكريم يضرب مثلاً لليهود بقرينة التوراة، فالبعض قالوا بأن اليهود كانوا يفتخرون على العرب قبل مجيء اللإسلام بأنهم أمة ذات كتاب وان العرب ليسوا أمة ذات كتاب فرد عليهم القرآن الكريم بأنه ما نفع هذا الكتاب إن لم يطبق، يصبح وكأنه حمار يحملون عليه مكتبة، فوجود الكتاب السماوي مع عدم العمل بما فيه لا ينفع المجتمع كما أن تحميل الحمار للكتاب لا يؤثر فيه شيئاً ولا يزيده نفعاً.
قوله تعالى: ((مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً))، الأسفار هي جمع سِفر بكسر السين أو سَفر بفتحها، وهنا في هذه الآية تأتي بمعنى سِفر.
السِفر هو الكتاب الكبير المفصل، فالقرآن الكريم يريد أن يستنكر على الأمة التي يوجد لديها مخزون علمي وتتفاخر به من دون أن تستطيع الإستفادة منه، وهذا أيضاً ينطبق على بعض المسلمين الذين يشابهونهم في هذه الحالة عندما يقولون نحن أمة القرآن ولدينا تراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولدينا من العلم كذا وكذا، ولكن للأسف لا يظهر ذلك في سلوكهم وفي عملهم وحياتهم فيصبحوا كالذي يحمل الأسفار والكتب ولا ينتفع منه أي نفع، وكذلك بالنسبة لبعض الموالين لأهل البيت عليهم السلام عندما يقولون أن الإمام الصادق عليه السلام كان لديه جامعة وكان لديه من التراث والأحاديث والروايات وبالفعل هذا الكلام صحيح ولكن ينبغي أن يكون لهذا المخزون أثر فعلي في حياتهم بأن يهذب اخلاقهم ويقوم سلوكهم ويفتح لهم أبواب العلم والمعرفة.