دعاء عرفة اعتراف وعرفان
تحرير الفاضلة أم سيد رضا
من المستحبات في يوم عرفة هو قراءة دعاء الإمام الحسين عليه السلام يوم عرفة، سواء كان الإنسان في عرفات أو في كربلاء أو في بيته ومنزله، حيث يستحب قراءة هذا الدعاء لما يشتمل عليه من معاني عالية تتلخص في عناوين الإعتراف والمعرفة لله عز وجل والحمد والشكر له سبحانه وتعالى، وحيث أن هذا الدعاء هو من الأدعية العالية المضامين والمعاني ولا ينبغي للإنسان الداعي أن يتعامل معه كنص كلمات وإنما عليه أن ينظر إليه بإعتباره مدرسة أخلاقية وعقائدية كاملة وهو يستمع فيها إلى مدرس بعظمة الإمام الحسين عليه السلام.
بطبيعة الحال لا يمكن لنا أن نشرح هذا الدعاء بكامله لأن كل فقرة من فقراته تحتاج إلى حديث مفصل ولكننا نحاول أن نلقي نظرة إجمالية على فهرسة المطالب الموجودة فيه ونلفت النظر إليها حتى يتوجه الإنسان الداعي إلى التأمل في تلك الكلمات والفقرات من هذا الدعاء الشريف الذي يبدأ بحمد الله عز وجل.
( الحمد لله الذي ليس لقضائه دافع ولا كصنعه صنع صانع وهو الجواد الواسع، فطر بحكمته الصنائع..... إلى آخر هذا الدعاء الشريف )، يبدأ إمامنا الحسين عليه السلام في هذا الدعاء على حالة خاصة حيث أنه قد نقل في الرواية أن الإمام الحسين عليه السلام عندما صار العصر خرج من خبائه واستقبل بوجهه السماء وشرع في ذلك الدعاء الشريف، وكلما تتالت فقرات الدعاء عمقاً تفاعل الإمام الحسين عليه السلام بكاءً ودموعاً وإلحاحاً، كما يلاحظ الإنسان الداعي في الرواية التي تنقل هذا الدعاء.
يبدأ الإمام الحسين عليه السلام بالحمد لله عز وجل على مجموعة من الصفات التي ينفرد بها ربنا سبحانه وتعالى، ونلاحظ أن عدداً من سور القرآن الكريم قد ابتدأت بالحمد وأهمها هي سورة الفاتحة أم الكتاب التي تبدأ بآية (( الحمد لله رب العالمين )) بعد البسملة الشريفة، لذلك يبدأ الإمام الحسين عليه السلام بالحمد مستهدياً بالقرآن الكريم، ثم يثني بعدد من الصفات في عدة أسطر تحمل خمساً وعشرين صفة من صفات الله عز وجل، ونحن نعلم أن من مقومات استجابة الدعاء هو البدء بمدح الله عز وجل، وقد عبر دعاء الإفتتاح عن هذه الحقيقة في قوله:(اللهم إني أفتتح الثناء بحمدك)، أي أنه يحمد الله وبعد ذلك يثني عليه ويذكر صفاته ويمدحه ويظهر ما هو خاف على الناس من صفات الله العليا وأسمائه الحسنى.
هكذا يصنع إمامنا الحسين عليه السلام، ففي مقطع قصير يعدد ٢٥ صفة من صفات الله عز وجل ثم ينتقل من الحمد إلى الرغبة فيما عند الله وإلى الشهادة بالعبودية تجاه ربه عندما قال: ( اللهم إني أرغب إليك مقراً بأنك ربي وأن إليك مردي )، وهذه انتقالة وانعطافة وتعبير عن حالة أخرى، بالإضافة إلى حالة الحمد والمدح وهي حالة الإعراب عن الرغبة فيما عند الله عز وجل، التشوق إلى أنعم الله والإنتظار لإستجابة الله عز وجل، يشهد الله على نفسه بانه عبد لله عندما قال: ( مقراً بأنك ربي وأن إليك مردي ).
ينتقل بعد ذلك إلى البدايات الأولى لوجوده قائلاً انه كان شيئاً غير مذكور ولم يكن لهذا الإنسان قيمة وأن نعمة الله عليه لم تبدأ بعد خروجه لهذه الدنيا وإنما حتى في تخير الله عز وجل لهذا الإنسان ان اخرجه في عهود الإيمان وفي أزمنة الدين والرسالات ولم يخرجه رأفة به في عصور أولئك الظلمة والطغاة والنماردة والفراعنة الذين سيطروا على الاوضاع ومنعوا الناس من الإيمان وحجبوهم عن الفضيلة، فإن الإنسان عندما يأتي في دولة يكون الظلم غالباً عليها والكفر فاش فيها والإيمان متراجع أو أنه يأتي في زمان لم يكن هناك رسل ولا أنبياء ولا خلفاء، فكيف له أن يكون وكيف يكون مصيره؟.