شرح دعاء الافتتاح ١٣
تحرير الفاضلة سلمى آل حمود
جاء في دُعاء الافتتاح (الحَمْدُ للهِ مالِكِ المُلْكِ، مُجْرِي الفُلْكِ، مُسَخِّرِ الرِّياحِ، فالِقِ الاِصْباحِ، دَيّانِ الدَّينِ، رَبِّ العالَمِينَ. الحَمْدُ للهِ عَلى حِلْمِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى عَفْوِهِ بَعْدَ قُدْرَتِهِ، وَالحَمْدُ للهِ عَلى طُولِ أَناتِهِ فِي غَضَبِهِ، وَهُوَ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ) (١).
هذه الفقرة تستعرض بعض مظاهر عَظمة الله سبحانه وتعالى في الكون، وتُوجه بتبع ذلك الإنسانْ الدّاعي إلى التأمل في هذه المظاهرْ (الحَمْدُ للهِ مالِكِ المُلْكِ)، فالناس في مستويات محدودة يمتلكون، فيمتلك الإنسان بيتاً، يمتلك مالاً، ويحوز أشياءٌ يشتريها، هذا نوع من أنواع المُلك والمُلكيّة، ولكن هذا التملُّك تعتريه الشوائِب والنواقص فهو غيرُ باقٍ وغيرُ دائمٍ وغير حقيقي. بينما مُلك الله عزّ وجل لمنْ عداه هو مُلكٌ حقيقيٌ دائم لا ينفك أبداً، ولا يُتصور في لحظة أنّه قد حصَل الانفصال بين مُلك الله لخلقه، هذه العلاقة لا يمكن أن يُتصور انقطاعها و انفصالها في أيّ لحظة من اللحظات، بينما يُمكن التصور في ذلك بنحوٍ اعتيادي في تملك الإنسان للأشياء، فالمالك الحقيقي هو الله سُبحانه وتعالى المالك للمالكين.
هُناك عالمَان يتحدّث عنهما عُلماءُنا وهما: عالم المُلك وعالمْ الملكوت، عالم الملكوتْ هو أعظم و أكبرْ من عالم المُلك ولذا تحدّث عنه القرآن الكريم فقال عزّ وجلْ " قلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ" (٢) لا شك أنّه الله سُبحانه وتعالى، فالله هو مالك المُلك وهذا من مظاهر عظمته ومظاهر قُدرته التي ينبغي أنْ يُفكر فيها الإنسان التي يستجليْ مظاهر تلك العظمة ولكي يُفكر في تلك القُدرة فيخضع لها ويعبد الله تعالى حقّ عبادته على أثر هذه المعرفة.
(مُجْرِي الفُلْكِ، مُسَخِّرِ الرِّياحِ) وفي الفقرة التي تليها (خالِقِ الخَلْقِ باسِطِ الرِّزْقِ)، فهذه من مظاهر القُدرة الإلهية فتصور أنّ الله سبحانه وتعالى كيف خلَق هذه الخلائق، فصحيحٌ أننا نؤمنْ بأنّه قال لكل شيء ويُنفق من تلك الخزائنْ التي لا تنفد في الخلق والإنشاء والإبداع لأنها ليستْ خزينة مُحدّدة وإنما هي كما يُعبرون ( يا منْ أمره و خلقه بين الكاف والنون) بمجرد أن يلحظ الله سُبحانه وتعالى شيئاً، ولا يغيب عنه شيء فإنّه تخلّق فوراً من دون أن تخللْ فاصلة. تصور أنّ جميع المخلوقات على مُستوى الإنسان منذ أنْ خلَقَ الله الخلق و إلى أن تقوم الساعة، كم من الملياراتْ مرّتْ بهذه الأرض وهذا الكون من البشَر، بلْ كم منْ التريليونات ستمرْ إلى أنْ تقومْ الساعة، فإذا تركت هذا الجانبْ فخُذ عالم الحيوانْ بشتى أنافها ودراجتها، وكم منْ أعداد للحيواناتْ خُلقتْ وهي مخلوقة الآن وستخلق في المُستقبل؟ ستعجز عن الإحصاء بلْ ستعجز عن التصور.
فلنذهب إلى ناحية الحشراتْ لكي ترى شيئاً هائلاً لا تستطيع إحصاءه، فالحشرات في منطقة واحدة، في مُنطقة حشرية واحدة، في زَمنْ واحدْ، فكيف تستطيع وكيف أستطيع أنا وكيف يستطيع الخلائق أنْ يُحصوا عالم الحشرات. فلنذهبْ إلى غير ذلك، وهي مملكة الأحياء الدقيقة التي قد يجتمع في كُل ملمتر واحد ملياراتٍ منها و لا تُرى بالعين المُجردة، سبحان الله، الحمد لله الله، الله أكبر الله. ما هذا الكون؟ ما هذا الخلق؟ ما هذه القُدرة؟ ثمّ أنّ كل شيء في هذه الخلائق وكل مخلوق في هذه الخلائق من إنسان وحيوان ونبات و حشرات وأحياءٍ دقيقة نجدها في قوله تعالى "مَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا"(٣) فالحمد لله خالق الخلق في جهة وهي جهةٌ بالغة العظمة، ولكن في الجهة الأخرى أنْ يتكفل الله سُبحانه وتعالى برزق كل ما خلق ومن خلق على كثرة عددهم، على انتشار مناطقهم فهذا مظهرٌ عظيم من مظاهر القُدرة.