شرح دعاء الافتتاح ( حلقة ٢٣ )
تحرير الفاضلة أفراح البراهيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين
جاء في دعاء الافتتاح في آخر فقرة ( اللّهُمَّ إِنا نَرْغَبُ إِلَيْكَ فِي دَوْلَةٍ كَرِيمَةٍ، تُعِزُّ بِها الاِسْلامَ وَأَهْلَهُ، وَتُذِلُّ بِها النِّفاقَ وَأَهْلَهُ، وَتَجْعَلُنا فِيها مِنَ الدُّعاةِ إِلى طاعَتِكَ، وَالقادَةِ إِلى سَبِيلِكَ، وَتَرْزُقُنا بِها كَرامَةَ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
اللّهُمَّ ما عَرَّفْتَنا مِنَ الحَقِّ فَحَمِّلْناهُ، وَما قَصُرْنا عَنْهُ فَبَلِّغْناهُ، اللّهُمَّ الْمُمْ بِهِ شَعْثَنا، وَأَشْعَبْ بِهِ صَدْعَنا، وَأَرْتِقْ بِهِ فَتْقَنا، وَكَثِّرْ بِهِ قِلَّتَنا، وَأَعْزِزْ بِهِ ذِلَّتَنا، وَأَغْنِ بِهِ عائِلَنا، وَأَقْضِ بِهِ عَنْ مُغْرَمِنا، وَاجْبُرْ بِهِ فَقْرَنا، وَسُدَّ بِهِ خَلَّتَنا، وَيَسِّرْ بِهِ عُسْرَنا، وَبَيِّضْ بِهِ وُجُوهَنا، وَفُكَّ بِهِ أَسْرَنا، وَانْجِحْ بِهِ طَلَبَتِنَا، وَأَنْجِزْ بِهِ مَواعِيدَنا، وَاسْتَجِبْ بِهِ دَعْوَتَنا، وَاعْطِنا بِهِ سُؤْلَنا، وَبَلِّغْنا بِهِ مِنَ الدُّنْيا وَالآخرةِ آمالَنا، وَاعْطِنا بِهِ فَوْقَ رَغْبَتِنا، يا خَيْرَ المَسْؤُولِينَ وَأَوْسَعَ المُعْطِينَ، اشْفِ بِهِ صُدُورَنا، وَأَذْهِبْ بِهِ غَيْظَ قُلُوبِنا، وَاهْدِنا بِهِ لِما اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَانْصُرْنا بِهِ عَلى عَدُوِّكَ وَعَدُوِّنا، إِلهَ الحَقِّ آمِينَ.
اللّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنا صَلَواتُكَ عَلَيْهِ وَآلِهِ، وَغَيْبَةَ وَلِيِّنا، وَكَثْرَةَ عَدُوِّنا، وَقِلَّةَ عَدَدِنا، وَشِدَّةَ الفِتَنِ بِنا، وَتَظاهُرَ الزَّمانِ عَلَيْنا، فَصَلِّ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَأَعِنّا عَلى ذلِكَ بِفَتْحٍ مِنْكَ تُعَجِّلُهُ، وَبِضُرٍ تَكْشِفُهُ، وَنَصْرٍ تُعِزُّهُ، وَسُلْطانِ حَقٍّ تُظْهِرُهُ، وَرَحْمَةٍ مِنْكَ تُجَلِّلُناها، وَعافِيَةٍ مِنْكَ تُلْبِسُناها، بِرَحْمَتِكَ ياأَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ".
بالرغم من أنّ هذه الفقرة تحتوي على عددٍ كبير من المعاني التي ترتبط بالدولة الكريمة التي هي أمل المؤمنين وأمل المستضعفين ، و ما تحتويه من معاني في دور الحق الذي يطلبه الإنسان ، وكيف أنّ الحق إذا صار في الأمة تم الرجوع إليه ، وكيف يؤثّر في جميع مناحي الأمة سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي ، إلا أنّنا لن نسترسل لهذه المفردات لضيق الوقت بل سنشير لها إشارة عابرة.
الدعاء في هذه الفقرة يرفع من طموح الإنسان فهو يطلب دولة بمقاييس معينة ، فلا تكون حاجاته في حدود نفسه أو أسرته أو قضاياه الخاصة ، إنّما يطلب من الله تلك الدولة التي يعمّ خيرها على جميع الناس ، فهي دولة كريمة ليست ذليلة أو مرهونة للأجنبي ، هذه الدولة تعزّ الإسلام وتعزّ أهله وتذلّ النفاق وتذلّ أهله ، ولعل المتأمل يلاحظ التركيز هنا على النفاق باعتباره أهم الأخطار الداخلية التي تواجه الأمة ، إذ أنّ خطوط النفاق خطوط مائلة ترفع الإسلام كرايةٍ وتطعنه كحقيقة ، والدولة الكريم سوف تذلّ هذه الخطوط.
الدولة الكريمة أهلها هم من يصنعونها والمساهمة فيها فلا يكفي أن يدعو فقط أن يصنع الله الدولة ، وإنما يهئ نفسه لأن يكون واحدًا من العاملين فيها ، وليس عاملًا عاديًا بل من الدعاة والمؤسّسين في وقت تراخى فيه الآخرون وتقاعسوا عن ذلك ، بل من القادة إلى سبيل الله.
( اللّهُمَّ ما عَرَّفْتَنا مِنَ الحَقِّ فَحَمِّلْناهُ، وَما قَصُرْنا عَنْهُ فَبَلِّغْناهُ )
كيف ينبغي أن يكون موقفنا تجاه الحق؟
ينبغي أن يكون من خلال خطوتين :
١/ أن نطلب من الله معرفة الحق لأنّ معرفته شيء مهم جدًا فهي تشكّل خريطة المسير ، البعض يتوهّم أنّه على الحق وإذا بهم في نهاية المطاف يجدون أنهم لم يعرفوا إلا السراب الباطل ، والبعض يعتقد أنّه يعمل لله فإذا بهم يعلمون للشيطان ، ومعرفة الحق تحتاج إلى جهد كبير لأنها الخريطة للمسير ، وهي تحتاج لتوفيقٍ من الله ودعاء من قبل العبد ، فالإنسان المؤمن دائمًا يطلب الوصول للحق ومعرفته ، وبعد الوصول إليه يتحمّل مسؤوليته.
٢/ العمل بالحق وتحمل المسؤولية بعد معرفته ، لأنّ المعرفة النظرية غير كافية بل ينبغي التطبيق عمليًا على أرض الواقع.