شرح دعاء الافتتاح (٩)
النعم الالهية ... صراط للهداية
تحرير الفاضل أحمد الحسين
"الحَمْدُ للهِ بِجَمِيِعِ مَحامِدِهِ كُلِّها عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّها. الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا مُضادَّ لَهُ فِي مُلْكِهِ وَلامُنازِعَ لَهُ فِي أَمْرِهِ، الحَمْدُ للهِ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ وَلاشَبِيهَ لَهُ فِي عَظَمَتِهِ، الحَمْدُ للهِ الفاشِي فِي الخَلْقِ أَمْرُهُ وَحَمْدُهُ، الظاهِرِ بالكَرَمِ مَجْدُهُ، الباسِطِ بالجُودِ يَدَهُ، الَّذِي لاتَنْقُصُ خَزائِنُهُ، وَلايَزِيدُهُ كَثرَةُ العَطاءِ إِلاّ جُوداً وَكَرَما، إِنَّهُ هُوَ العَزِيزُ الوَهَّابُ".
يعود الدعاء مرة اخرى لكي يوجز ما ذكره بشيء من التفصيل من نعم الله، قبل قليل كان الدعاء قد ذكر بعض النعم على هذا الانسان، " فَكَمْ ياإِلهِي مِنْ كُرْبَةٍ قَدْ فَرَّجْتَها، وَهُمُومٍ قَدْ كَشَفْتَها، وَعَثْرَةٍ قَدْ أَقَلْتَها، وَرَحْمَةٍ قَدْ نَشَرْتَها، وَحَلْقَةِ بَلاٍ قَدْ فَكَكْتَها" تعداد نعم الله سبحانه وتعالى على الانسان مصداق من مصاديق الحمد والشكر، فأنت عندما تواجه ربك تقول: يا رب لك الحمد على ماعطيتني من النعم، انظر اخي المؤمن/ اختي المؤمنة إلى ما حولكما من النعم وقل يا رب وهبت لي الحياة وكان من الممكن ان لا أوجد في هذه الحياة، نعمة الحياة اعطيتني اياها فصرت موجودا بعد ان كنت في وقت من الاوقات شيء لست بمذكور، كنت عَدَمًا فأنعمت عليّ بأن اخرجتني الى هذه الحياة ضمن أسرة مؤمنة، موحدة، متدينة، رعتني تلك الاسرة وحافظت عليّ إلى ان بلغت مبالغ الرجال، هديتني ووفقتني وسهلت الي المطالب.
أنعمت علي بما حولي من نعم الطبيعة فهذا الهواء الذي اتنفسه و لم يكن لي اي جهد فيه، وانما هي نعمتك يارب علي ولم ادفع فيه شيئا ولا ثمنا، ولم اسعى اليه وانما هو نعمة مفاضة منك علي، يا رب هذه الشمس التي تشرق علي في كل يوم لكي تغمرني بالضياء و لكي تساعد بدني على النمو ولكي تنمي النباتات التي آكلها واستطعمها ولكي تستمر الحياه في هذا الكون ويعود مردود ذلك اليّ. يا رب .. اعطيتني الصحة والعافية، انعمت علي بالمال، سهلت لي سبل الرزق، ثم ما دفعت عني من الضر والضراء اكبر مما ظهر لي من العافيه والرخاء.
تأملوا أيها الاخوة في دعاء الإمام الحسين عليه السلام في عرفة الذي بدأ يعدد فيه النعم نعمة نعمة، حتى اذا ببلاغة كلامه احاط بالكثير، لكنه بعد ذلك وهو البليغ و المحيط بتلك النعم، وهو الواعي العارف بها، اعترف بعدم قدرته على تعداد هذه النعم، تماما كما قال الله تعالى (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا) ذلك ان النعم قسم منها ظاهرة وقسم منها باطنة، وقسم منها مباشرة وقسم منها غير مباشرة، قسم منها اتعرف عليها وقسم منها اتأثر بها من دون ان اتعرف عليها؛ لذلك يوجز الدعاء بعد هذا الكلام ... هذه النعم التي قلتها و تلك النعم التي لم اقلها، تلك النعم المباشرة والاخرى غير المباشرة، تلك النعم الظاهرة والاخرى الباطنة، انا لا استطيع ان اعددها حتى احمدك يا ربي و اشكرك يا ربي على كل نعمه من هذه النعم .. لذلك اقول: "الحَمْدُ للهِ بِجَمِيِعِ مَحامِدِهِ كُلِّها عَلى جَمِيعِ نِعَمِهِ كُلِّها" كل ما يتصور من اصناف المدح والحمد والثناء، سواء منه اللفظي او العملي او حتى القلبي، فإن حركة القلب ايضا من دون ان يتحرك اللسان عندما يستحضر الانسان مدى نعمة الله فيبخع في نفسه ويقر في داخل قلبه بأن الله واسع النعمة و عظيم النعمة ومتطول على العباد، عندما يتحرك قلبه بذلك هذا حمد قلبي و شكر قلبي وثناء قلبي، اضافة الى الحمد والثناء اللفظي كما هو الحال في هذا الدعاء، هناك ايضا شكر عملي وحمد عملي عندما يلتزم الانسان بما اوجبه الله عليه، وبما الزمه من الفرائض.