شرح دعاء الافتتاح (٣)
غايات الدعاء وفوائده
تحرير الفاضل أحمد الحسين
لاشك أن ذلك التأكيد الذي نقلنا جانبا منه من القرآن الكريم ومن أحاديث المعصومين على الدعاء أنه يستبطن وجود غايات مهمة وفوائد كثيرة في هذا الدعاء، والا لما كان ذلك التركيز والتأكيد عليه.
وقد لانستطيع في هذا الوقت المختصر ان نتعرض الى كل الفوائد وجميع الغايات التي يتعقبها الدعاء، ولكننا نشير الى عدد منها على سبيل الايجاز والاختصار، فمن الغايات ماهي غاية معرفية. الدعاء يعد أحد مصادر المعرفة الدينية المهمة بالنسبة الى الانسان المؤمن فإن المعرفة الدينية تارة تؤخذ من القرآن الكريم وهو أعلى المصادر، واخرى تأخذ من السنة النبوية وسنة المعصومين عليهم السلام وهي التي تشتمل على اقوالهم. ومن اقوالهم الدعاء، بل لقد وجدنا الدعاء في بعض الفترات قد تحول الى وسيلة اساسية لنشر المعارف الدينية، انظروا الى دعاء الامام الحسين ع في يوم عرفة وتأملو كيف يعرّف الامام الحسين الانسان المؤمن ربه بصفاته وباسمائه وطرق الوصول اليه من خلال هذا الدعاء الشريف، وهكذا كيف يعرف الانسان بسائر قضاياه الدينية .
الدعاء يعد احد الوسائل المهمة التي قام بها اهل البيت ع في نشر العلم النبوي وفي نشر المعرفة الدينية ولهذا كما سيأتي الحديث بعدئذ ينبغي ان ينظر الى الدعاء وان يقرأ بنظرة تأملية تدبرية، وان لا يكتفى بالقراءة اللفظية التعبدية.
وهناك غاية اخرى وهي غاية تربوية عبادية الدعاء يجعل الانسان في موقف يحقق فيه تمام عبوديته لله تعالى. الدعاء يُجلس الانسان على منصة الاعتراف ويجعله يحاكم نفسه، يجعله يخاطب ربه مستعطفا متذللا متخضعا، ويقارن بين موقفه وموقف ربه كما في دعاء الافتتاح "إِنَّكَ تَدْعُونِي فَأُوَلِّي عَنْكَ، وَتَتَحَبَّبُ إِلَيَّ فَأَتَبَغَّضُ إِلَيْكَ، وَتَتَوَدَّدُ إِلَيَّ فَلا أَقْبَلُ مِنْكَ، كَأَنَ لِيَ التَّطَوُّلَ عَلَيْكَ، فَلَمْ يَمْنَعْكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحْمَةِ لِي وَالاِحْسانِ إِلَيَّ، وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ" هذا الموقف الذي يوقفه الدعاء ويوقف الانسان فيه، يجعل هذا الانسان في الموقف الطبيعي والحقيقي، موقف العبد الداخر الذي لايملك شيئا " اللَّهُمَّ إِنِّي أَمْسَيتُ لَكَ عَبْداً داخِراً، لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرّاً"
" اللّهُمَّ إن تَشَأْ تعفُ عَنّا فَبِفضْلِكَ، وَانْ تَشَأْ تُعَذِّبْنا فَبَعدْلِك فَسَهِّلْ لَنَا عَفْوَكَ بِمنِّكَ، وَأَجِرْنَا مِنْ عَذَابِكَ بِتَجاوُزكَ"
هذه الجمل من الادعية وكثير غيرها تُوقف الانسان مكان الاعتراف وتحقق له العبودية كاملة وذلهذا كان الدعاء كما في الرواية مخ العبادة أصل العبادة جوهر العبادة.
هناك جانب نفسي يحققه الدعاء وهو أنه يكون بمثابة تفريغ للشحنات السلبية التي تكون في داخل النفس. إن الانسان لتحدق به في حياته الكثير من المشاكل والازمات والمصائب فيكاد يخرج من طوره وربما يفقد عقله، يتحول الى بالون منتفخ بالمشاكل والهموم والشحنات السلبية والازمات النفسية، فهنا يحتاج الى شيء ينفس ويفرج عنه، ويخرج هذا الاحتقان.
الدعاء يمثل ذلك المنفس، و يمثل ذلك الفضاء الواسع الذي يشرح صدر الانسان والذي يخفف عنه كل ذلك الضغط والمشاكل. ألا نجد نبيا من أنبياء العظام عندما غُيّب عنه ابنه واشتعل رأسه شيبا وابيضت عيناه من الحزن، وجد الدعاء طريقا اليه ووجد بثه الى الله سبيلا لتخفيف ألمه وحزنه " قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّه "
اذا احدقت بك الهموم والمشاكل فإن باب الله مفتوح توجه اليه، القي ذات صدرك بين يديه، أخرج مافي قلبك الى ربك وتخفف من هذا الحمل واطلب من الله العون واسأله المساعدة فستجد الله عندك قريبا.
من غايات الدعاء تعريف الانسان بحاجاته. كثير من الناس في هذه الدنيا يخطئون حاجاتهم الحقيقية فيسعون عمرهم ويكدحون حياتهم لتحقيق اشياء ليست هي الحاجة الحقيقة ، حتى اذا فني عمرهم وانتهت حياتهم ووصلو الى ذلك المطلب والى تلك الحاجة التي ظنوها هي الهدف وجدو السراب " حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا"