أبي بن كعب سيد القرّاء

أبي بن كعب سيد القرّاء
00:00 --:--

الخطاب طويل لا نستطيع أن نقرؤه بالكامل، لكنه يشير إلى أنّ هذا  الرجل لم يقف هذا الموقف في أول يوم  فقط من الخلافة والخليفة الأول، وإنما استمرّ عليه بلحاظ أنّ النبي "ص" استشهد في أواخر شهر صفر، والخلافة تمت في أوائل ربيع الأول بالتالي خلال الأيام الأولى و الأسبوع الأول من شهر ربيع، من شهر ربيع الشهر الثالث إلى شهر رمضان الشهر التاسع تكون المدة ستة أشهر، وهو مع ذلك لا تزال القضية حاضرة لديه ولا يزال الأمر محل كلام ومحل نصيحة ومحل إشارة من قبله ، وقد تحدّث في المسجد حيث كان الناس حاضرين ، إذ خطب في الأنصار والمهاجرين، وهذا يبيّن مقدار ولائه لأمير المؤمنين "ع".
وهو معروف بأنّه من القائلين بتفضيل علي "ع" كما يقول أكثر من كتب في سيرته، ومنهم ابن أبي الحديد المعتزلي شارح نهج البلاغة، وكذلك  الشافعي أيضًا يذكر أنّ أبي بن كعب كان يرى أنّ عليًا أفضل صحابة رسول الله "صلى الله عليه وآله"، بل أكثر من هذا بناء على هذه الخطبة التي نُقلت عنه يراه هو المتعيّن من قِبل رسول الله "ص"، بل يراه هو الوحيد الصالح وغيره جاء بلا صلاحيةٍ له لهذا المنصب، هكذا إذن نرى هذا الرجل "أُبي" كان بهذا المستوى من الولاء ومن التوجّه لأهل البيت "ع".
لذلك يمكن للإنسان أن يقف موقف التأمل ممّا روته بعض مصادر مدرسة الخلفاء، كما جاء في سنن أبي داوود من أنّ أبي بن كعب عُيّن من قِبل الخليفة الثاني ليؤمّ الناس في صلاة النافلة في الليل، فبالرغم من أنّ الخليفة الثاني كان يقدّر موقع وعِلم أُبي بن كعب وربما تبيّن ذلك في كثير من  الروايات ، ومنها عندما جاء إليه وقال له الآية المباركة: "الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ" وسأله: أيّنا لم يظلم؟
أي لا يوجد أحد عندنا إلا وقد قارف ظلمًا، قارف معصية، ظلم زوجته، ظلم إخوانه، بالتالي لا أحد يدخل الجنة، فقال له أُبي: كلا إنّ الظلم هنا ما أشار إليه الله تعالى في سورة لقمان " لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" ١٠
يعني الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بشركٍ وإلاّ عامة الناس يظلمون، يظلمون أنفسهم بالمعصية ، ويظلمون غيرهم بأخذ حقوقهم، ولم يستثنى من هذا سوى المعصومين "ع" .

وفي موردٍ آخر يُنقل أنّ عمر أراد أن يوزّع ما في خزينة الكعبة، وقال: إنّي أريد أن أعمد إلى ما في الكعبة من بيضاء وصفراء فأوزّعه على المسلمين، فيها ذهب فيها فضة لا تستفيد منه الكعبة فسأوزعه على المسلمين، فقال له أُبي: ما ذلك لك، قال: كيف؟ قال: لأنّ الله عز وجل لم يُهمل مالاً إلا وعرّف الحق فيه وجاء رسول الله "ص" وكانت هذه الأموال موجودة أيضًا في الكعبة، فلم يقل القرآن الكريم بتوزيعها ، ولم يقل يتوزيعها  على الناس ، وكذلك رسول الله لم يحرّكها من مكانها، فلماذا تفعل ذلك ؟ ما ذلك لك)  فامتنع  عمر عن القيام بالأمر نظرًا لأنه واجه منطقًا من أُبي بن كعب.

أبي بن كعب وصلاة النافلة

من الواضح أنّ موقع أُبي من الناحية العلمية كونه قارئًا للقرآن جامعًا له ، حافظًا إياه وعارفًا بمعانيه حتى عُرف بسيد القرّاء ، لكن الأخبار تنقل أنّ عمر أوكل إليه صلاة الجماعة نافلةً،فكيف يكون تفسير هذا الأمر؟؟
 هذا الأمر إما أن نفسّره بأنّ هذا لم يثبت وبالتالي يكون من طريق المدرسة الأخرى إذ أنّ الرجل منهجه مختلف عن منهج المدرسة الأخرى حيث أنّه  يسلك سبيل   مدرسة أهل البيت "ع"، ومدرسة أهل البيت "ع" ترى لا سيما مع قول إمامها أمير المؤمنين "ع" أنّه لا جماعة في النافلة وأنّه من البدع ولا صحة له ، ويلتزم أتباع أهل البيت "ع" هذا الأمر إلى يومنا هذا في عدم جواز صلاة النافلة جماعة ، أما الصلوات التي عرض عليها النفل فيما بعد مثل صلاة العيدين، فإنّها في الأصل لدينا واجبة على الجميع في زمن الحضور ، لكنها في هذه الأزمنة مستحبة استحبابًا مؤكدًا ، فهي في الأصل واجبة لكنها  على أثر ظرفٍ معين أصبحت مستحبة، وأصبحت  تُصلى جماعة، وأما صلوات النوافل اليومية مثل نوافل الظهر و نوافل العصر ونوافل المغرب و العشاء، فإنّ الجماعة فيها غير مشروعة.
أما بعض الصلوات النافلة أقيمت جماعة  لأنّ كيفيتها غير معروفة لمجموعة كبيرة  من الناس لذا يصلّونها متابعةً، إذ أنّ البعض لا يحفظ الآيات التي تُذكر، ولا يعرف الأذكار التي تُقال فيعتمد في ذلك على من هو أحفظ وأعرف بها منه ، ويتابعه في القراءة، وهذه الصلاة  ليست صلاة جماعة ولا تنطبق عليها أيّ حكمّ من أحكام الجماعة، لذا نحن في مقام التأمّل والتحقق  قبل قبول مثل هذه الرواية التي تقول أن أبي بن كعب كان يصلي جماعةً ما يُسمى بصلاة التراويح التي جاء بها الخليفة الثاني وجعلها في صورة الجماعة، مع أنّها في مدرسة الإمامية الجماعة في النافلة غير مشروعة.
وإن قال أحدهم أنّ أبي في ذلك الوقت لم يكن يعرف مثل هذا الحكم حيث أنّ إشاعة هذا الأمر كانت من قبل  أمير المؤمنين "ع" في وقتٍ متأخر  أنّها من البدعة  وغير صحيح، إذا أمكن توجيهه بهذا التوجيه وإلا فللتأمل مجالٌ في أصل الخبر، ولا يوجد مصدر عن طريق أهل البيت يروي هذا الخبر ، إنّما هو واردٌ عن طريق المدرسة الأخرى.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة