بالرغم من أن ذاك الطرف طرف كافر , و بالرغم من أنهما تعهدا بتلك المواثيق و العهود وهما مكرهين , ويوجد عندنا روايات تقول أن الوفاء لأهل الغدر غدرٌ عند الله سبحانه و تعالى , و لكن ؛ كأن النبي صلى الله عليه وآله أراد أن يقدم نموذجًا أعلى في احترام الإنسان المسلم لكلمته و في بقاءه على عهده , و لذلك أمرهما بأن يفيا للكفار بهذا الأمر و ألا يخرجا إلى القتال .
لذلك لم يشهد حذيفة ولا أبوه غزوة بدر بناءً على هذه الجهة .
موقف حذيفة في معركة أحد:
في غزوة أحد كلاهما قاتلا و كان لهما دور كبير , والد حذيفة لم يكن معروفًا كثيرًا بين المسلمين واختلط بالمقاتلين في أثناء المعركة فحسبه بعض المسلمين أنه من الكفار , فشد عليه , وحذيفة ينادي من بعيد : أيها المسلمون إنه أبي , إنه أبي . ضاعت صرخات حذيفة بين صليل السيوف و بين أصوات المتقاتلين , فضُرب أبوه عدة ضربات من قبل المسلمين و استشهد في معركة أحد و لكن بالخطأ على يد المسلمين و من غير تعمد . النبي صلى الله عليه وآله جاء و نظر في القضية , أن القضية كانت ضمن معركةٍ إسلامية و أن أحد المسلمين قتله اشتباهًا , هنا من الذي يدفع الدية ؟ أراد - النبي صلى الله عليه واله وسلم - أن يعطي ديته من بيت مال المسلمين , لأن بيت المال - الميزانية العامة - هي التي تحمل مثل هذه الديات , و مثل هذه التكاليف , فالنبي صلى الله عليه وآله عرض على حذيفة هذا الأمر و قال له : والدك قتل خطأ , وهو إن شاء الله في الجنة , و لكن دمه أيضًا لن يذهب هدرًا , وسوف نعطي ديته.
وقف حذيفة موقفًا ساميًا وقال : الدية لي أنا و لكني أهبها , وأتصدقُ بها على جميع المسلمين . فأكبر فيه النبي صلى الله عليه وآله هذا الأمر وأعظم فيه هذا الخُلق . هذا الإنسان لم يأخذه الغضب , بخلاف حذيفة , أحد المسلمين قتل واحد من الكفار , فقام ابن ذلك الكافر وهو مسلم واعتدا على هذا لكي يضربه , يعني أن هذه النفوس أحيانًا تنفعل وتشتعل عصبيتها . أما هذا الرجل – حذيفة - فكان لسان حاله : " لا تثريب عليكم , يغفرُ الله لكم "[٤]
هذا من المواقف التي أظهرت من البداية : أن حذيفة يمتلك شخصيةً متعاليةً على الأحقاد و على الضغينة و على الإحن .
سورة التوبة ( الفاضحة ):
لعل مثل هذه الشخصية , و ما برز منها ؛ هو الذي دعا النبي – صلى الله عليه واله وسلم - أن يعطيهُ هذا الملف , ملف أسرار المنافقين الذين يقول عنهم القرآن الكريم :
" يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورةٌ تنبئهم بما في قلوبهم "
مع أن سورة التوبة أيضًا التي لها عدة أسماء منها : ( الفاضحة ) التي تفضح الخطوط المائلة من ضمن أصحاب رسول الله , تفضح المنافقين , تفضح الماديين, تفضح أولئك الذين اتخذوا من الدين مطيةً للأهواء . السورة لم تذكر أسماء المنافقين و إنما الله سبحانه و تعالى يقول :
" إن الله مخرجٌ ما تحذرون"[٥] فهو تعالى سوف يبين صفاتهم العامة : " و منهم من يقولُ ائذن لي و لا تفتني , ألا في الفتنة سقطوا " و: " فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله" .
هذه الملفات والأسماء والتفاصيل كان النبي صلى الله عليه وآله يعلمها بإخبار الله عز وجل له , أصبحت مشخصاتهم و علاماتهم و أسماؤهم واضحة و حول كل هذا الملف إلى حذيفة .
مهمة حذيفة في غزوة الخندق:
في غزوة الخندق , بعدما قَتل أمير المؤمنين (ع) عمرَ بن عبدِ ود الذي كان علامة المعسكر و بطل الجيش في الطرف المقابل , وصار الليل - على أساس تبدأ جولة ثانية في اليوم الثاني - الله سبحانه و تعالى أرسل على معسكر المشركين ريحًا قوية ,وباتت الأجواء غير طبيعية , وكانت ليلة بردٍ شاتية إلى درجةٍ كبيرة و مظلمة , لدرجة أنه قيل : أن الشخص لا يرى من كان قريبًا منه .