عدالة الصحابة تطورها التاريخي ومبرراتها

عدالة الصحابة تطورها التاريخي ومبرراتها
00:00 --:--

استمرت هذه النظرية في الصعود والنزول والأمويون لم يكونوا متضررين بهذه الفكرة وليسوا مستفيدين منها، لأن لم يبق من الصحابة إلى ما بعد عام [٦٥هـ] فجميعهم إما توفوا أو قتلوا، وإن آخر من تبقى من أصحاب الرسول أبو الطفيل الكناني [ت: ١٠٠هـ] وهو أحد أصحاب الإمام علي عليه السلام الخلص.

الدور العباسي وتطوير النظرية

لم يكن لبني أمية الجدية في ديمومة هذه النظرية؛ لأنهم لم يستفيدوا منها كثيرا، إلى أن جاء العباسيون فأعادوا إحياء هذه النظرية مناكفة مع الهاشميين، وبالأخص بنو الحسن الذين أعلنوا الثورة عليهم في زمان المنصور العباسي وهارون الرشيد.

فحين أعلن بنو الحسن الثورة على العباسيين، أعاد بنو العباس أحاديث الذم على أمير المؤمنين عليه السلام مناكفة لآل علي.

فأخذوا بالترويج لفضائل سائر الصحابة، مستفيدين سياسيا من ذلك الأمر، حتى وصل المتوكل العباسي إلى الحكم، فازدادت بمجيئه حالة العداء الشديدة لآل علي بشكل عام، ولأمير المؤمنين بشكل خاص.

ويذكر أن من أسباب قتل المتوكل سنة [٢٤٧هـ] على يد ابنه المنتصر هو شدة عداءه لعلي بن أبي طالب.

مراحل التطور لمسألة عدالة الصحابة

المرحلة الأولى: التأسيس السياسي والعقدي

نشأ المذهب الحنبلي الذي أسسه المحدث أحمد بن محمد بن حنبل [١٦٤هـ - ٢٤١هـ] في العهد العباسي وتحديدًا في زمن المتوكل([٨])، وأخذت الدولة العباسية آنذاك تتبناه كمذهب وعقيدة للدولة بصفة رسمية.

 

وإن أهم ما يميز الفكر العقدي لمدرسة الإمام أحمد بن حنبل آنذاك هو قضية خلق القرآن([٩])، وأفضلية الصحابة على سائر البشر، وهذا ما دفع المتوكل بتقريبه والتحالف معه.

لقد أكد الإمام أحمد بن حنبل في كتبه([١٠]) على أفضلية الصحابة، بالأخص الخلفاء الأربعة الأوائل، ثم تتمة العشرة المبشرين وما شابه ذلك.

لقد تشددت الدولة العباسية المتمثلة في المتوكل في موضوع أفضيلة الصحابة، وعدم جواز انتقادهم، أو التسوية بينهم، أو ذكر ما شجر بينهم، وهذا التشدد خرج من كونه قرارًا سياسيًا ليصبح جزءًا من الحالة العقائدية وضحها إمام المذهب الرائج في تلك الفترة المدعوم من الخلافة العباسية.

استمر هذا النهج يومًا بعد يوم وألفت المؤلفات والكتب، وبدأ التصنيف الكلامي، وبيان أحوال الصحابة وفضيلتهم وعدالتهم، وأنهم أفضل الناس، لا يتقدم في فضلهم أحد، ولا يجوز انتقادهم أو انتقاصهم؛ لأن الصحبة كافية في تعديل هذا الإنسان، كل ذلك كان في زمان أحمد بن حنبل وما بعده .

وبعد أكثر من مائتي عام جاء ابن حزم الأندلسي الظاهري [ت: ٤٥٦هـ] ليثبت أن أفضلية الصحابة على البشر هي من الحتميات والقطعيات([١١])، فهم من أهل الجنة لا محال، حتى وصل بنا إلى القرن التاسع فأصبحت جزء من أصل العقيدة عند مدرسة الخلفاء فألفت فيها كتب وشرحت وأصبحت تلك الكتب مورد الإجماع العام مع أن الواقع لا اجماع عليه.

يقول ابن حجر العسقلاني: >وقد اتفق أهل السنة على أن الجميع أي جميع الصحابة- عدول، ولم يخالف في ذلك إلا شذوذ من المبتدعة ... هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتمد قوله ولا ينتقص منهم إلا زنديق، لأن الرسول حق، والقرآن حق، وما جاء به حق، وإنما أدي إلينا ذلك كله الصحابة وتجريحهم أو الانتقاص منهم يستهدف إبطال الكتاب والسنة<([١٢]).

إن ما نشهده من تجليات لمسألة عدالة الصحابة في الاتجاه الرسمي المعاصر في مدرسة الخلفاء هو نتاج طول تلك المدة حتى وصلت إلى هذا الزمان بهذه الصورة وهذا التشدد.

المرحلة الثانية: مرحلة التشريع

بعد أن أصبحت نظرية عدالة الصحابة جزء ثابت من العقيدة، جاءت المرحلة الثانية لتصبح جزءًا من الاستدلال على الأحكام الشرعية، فأصبح قول وفعل الصحابي سنة وحجة.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة