نظرة وتأمل في خطبتي الحسين يوم عاشوراء ج٢
تفريغ نصي الفاضلة أمجاد عبد العال
كان حديثنا في ليلة مضت، عن شيء من الإيضاح لخطبة الإمام الحسين (ع)، الأولى، في يوم عاشوراء، وأشرنا إلى بعض ما يتعلق بها، ونتمم الحديث في هذه الليلة عما بقي من هذه الخطبة والخطبة الأخرى التي قالها الإمام سلام الله عليه، بمقدار ما يتسع من الوقت.
الإمام الحسين، كما ذكرنا، بعدما رأى جمعهم الكبير، وجه وجهه دعاءه إلى الله عز وجل، وقال: "اللهم أنت ثقتي في كل كرب ورجائي في كل شدة، وأنت لي في كل هم نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف فيه الفؤاد وتقل فيه الحيلة"، إلى آخر ذلك الدعاء. وبينا بعض الاستفادات من موثق الحسين ومن دعائه.
ثم عطفنا الكلام على أول فقرة من كلمات الحسين وخطبته، وهي تحذيره السامعين من الاغترار بالدنيا، وأنها متقلبة بأهلها حالا بعد حال، فالمغرور من غرته، والشقي من فتنته. وذكرنا جهة ابتدائه بالتحذير من الدنيا؛ نظرا لأن دوافع هؤلاء القادمين إلى قتاله هي دوافع دنيوية، إما الخوف على حياتهم، والخوف من عقوبات ابن زياد ومن وراءه، أو هي رغبة في العطاء الزهيد، فإذن: حركة هؤلاء تدور ضمن إطار دنيوي، وما دامت كذلك من المناسب أن يحذر من موضوع الدنيا والاغترار بها.
سوف يتبين لنا أن هذه الخطبة تختلف عن الخطبة القادمة في أنها محاولة لإقناع من يسمع بقضية مسلَّمة عندهم. محاولة إقناع، محاولة استجلاب للموافقة، من خلال بيان قضية متفق عليها، لا يختلف فيها. وهذا نوع من أنواع المفاوضة الذكية. عندما تفاوض شخصا من الأشخاص، إذا أردت أن تنجح في ذلك، فلا تأتي في المقدمة بالموضوع الخلافي، لأن الموضوع الخلافي يغلق عليك أبواب نفسه، أي الطرف المقابل، وأبواب التفاهم معه، فكأنك تقول له: لا نتسطيع التفاهم، وإنما ينبغي أن تبدأ بما هو موضع وفاق بينكما ثم من خلال ذلك تنتثل إلى نقاط الاختلاف.
نجد مثلا في القرآن الكريم، عندما يأمر الله نبيه المصطفى محمدا (ص) بأن يفاوضهم، يقول لهم: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله وأن لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)، هذي نقطة مشتركة خلونا نتفق عليها ثم نذهب إلى نقاط أخرى.
الخطبة الأولى هي خطبة مفاوضة، إلى الآن، لم ينقطع حبل التفاوض والحوار ومحاولات الإقناع معهم، بخلاف الخطبة الثانية، ولذلك اختلف النهج والأسلوب. حتى البداية،خطبة وعظية، "أحذركم الدنيا"، الدنيا ترا فيها كذا، المنزل فيها منزل قُلعة، البقاء فيها محدود، هذه الدنيا غرارة، تضر، تمر.
ثم بعد ذلك جاء بالنقطة الأساسية التي لا مجال لهم لإنكارها، وهي نقطة الاتفاق المفروض، حتى ينتقل من نقطة الاتفاق هذه إلى الاحتجاج عليهم، ماذا قال؟ بعد أن قال: "أيها الناس، انسبوني من أنا؟" قبل هذا، قال: "أقررتم بالطاعة وآمنتم بالرسول (ص)"، مفروض أنكم تقرون بهذا، فاستلم منهم إقرار، عطف عليهم الاحتجاج، "ثم أنكم زحفتم إلى ذريته وعترته تريدون قتلهم"، كيف يكون هكذا، أنتم الذين تقرون بالطاعة، وتؤمنون برسول الله، هل يناسب هذا أن تزحفوا لقتل ذريته وعترته؟ من الطبيعي أن يكون الجواب: كلا. حتى إذا ما جاوبوا. لكن أنت اللي تؤمن بالرسول، تروح تقتل ابنه! كيف؟
أضاف إلى ذلك إمامنا (ع)، قال: "أيها الناس، انسبوني من أنا. ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها"، شوفوا الكلام هنا كله كلام تواصلي، تفاهم، تحاور، ما فيه شدة، ما فيه عنف لفظي، فيما بعد رح يتبين، يتغير المسار، لماذا يتغير، سنقول. "فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي، ألست أنا ابن بنت نبيكم، وابن وصيه، وابن عمه، وأول المؤمنين به والمصدق لرسوله بما جاء من عند ربه، أوليس حمزة سيد الشهداء عم أبي، أوليس جعفر الطيار عمي، أولم يبلغكم قول رسول الله لي ولأخي الحسن: هذاني سيدا شباب أهل الجنة". هذه مجموعة أمور المفروض أنها اتفاقية، والكل يعرفها، بالذات هذا الحديث هو عليه إجماع المسلمين، ربما مثلا بعض المسلمين، لا يصحح – في نظره – " الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا"، لكن "سيدا شباب أهل الجنة"، لا يوجد فيمن نعرف من علماء أهل المسلمين من يشكك فيه، فالأمر إذن موضع اتفاق. طيب.