مرجعيّة الإمام الحكيم وصَفحاتْ من التصَدي.
تصحيح الأخت الفاضلة سلمى آل حمود
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: بسم الله الرحمن الرحيم " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" صَدَّقَ اللهُ العَلِي العَظِيمُ وَصَدَّقَ رَسُولِنَا الكَرِيمُ وَالأَئِمَّةُ المَيامينْ مِنْ آلَةٍ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. حديثنا بإذن الله يتناول صفحات من حياة مؤلف (مستمسك العروة الوثقى ) و زعيم الطائفة ومرجعها الأعلى في زمانه آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم المتوفى سنة ١٣٩٠ للهجرة.
بِطَبِيعَةِ الحَالِ قَدْ لَا يَتَيَسَّرُ لِنَّا فِي هَذِهِ الفُرْصَةِ أَنْ نَتَعَرَّضَ إِلَى تَمَام سَيَّرْتُهُ رَحْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ لِتَنَوُّعِهَا وَتَشَعَّبَ أَطْرَافُهَا وَكَثْرَةٌ تفاصيلها ولكننا سوف نأخذ صفحات من كتاب سيرته رضوان الله عليه.
صفحات من سيرَة الإمام الحَكيمْ
الصَّفْحَةُ الأُولَى مِنْ صَفَحَاتِ الشَّبَابِ هِيَ عِنْدَمَا شَارَكَ فِي القِتَالِ وَالعَمَلِ العَسْكَرِيُّ ضِدَّ الاِحْتِلَالِ البِرِيطَانِيِّ تَحْتَ قيَادَة آيَةٌ الله السيد سعيد محمد الحبوبي رحمه الله الذي قاد الحركة المسلحة ضد البريطانيين.
البريطانيون أرادو احتلال العراق والسيطرة عليه وطرد الأتراك العثمانيين منه، وكانوا يراهنون على أن شيعة العراق وَعُلَمَاءُ الدِّينِ سَوْفَ يَنْتَفِضُونَ عَلَى الأَتْرَاكِ وَيَتَخَلَّصُونَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ نَظَرًا لِوُجُودِ مُمَارَسَاتِ طَائِفِيَّةٍ لَدَى هَؤُلَاءِ ضِدٌّ مُذَهَّبٌ أهل البيت عليهم السلام. فكان البريطانيون يتوقعون مادام الأتراك يمارسون هذه السياسة الطائفية بإقصاء أتباع أهل البيت وَبِاِضْطِهَادِهِمْ وَبِالحَجْزِ عَلَى حُرِّيَّاتِهِمْ العَامَّةُ, فَكَانُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَقُومَ الشِّيعَةُ وعلمائهم بِمُسَاعَدَةِ البِرِيطَانِيِّينَ ضِدَّ الأَتْرَاكِ إلا أن الذي حدث هو أن علماء الشيعة رأوا في البريطانيين استعماراً للبلاد وإفساداً وأنه يفصلهم عنهم فواصل كثيرة بالإضافة إلى الجوانب السياسية فهناك أمر الولاية الدينية نظراً لأن البريطانيين على الأقل بحسب الظاهر هم مسيحيون وَهُمْ بِالتَالِي فِي حُكْمِ الكُفَّارِ بِالقِيَاسِ إِلَى الأَتْرَاكِ اللذِينَ يُرَفِّعُونَ وَلَوْ ظاهريًا رَايَةُ الإِسْلَامُ فَهَمٌّ بِحَكَمٍ المُسْلِمِينَ وَحِينَئِذٍ لَا يمكن أن تكون ولايةٌ لكافر على مسلم فتحالف علماء الشيعة وعشائر العراق الشيعية مع الأتراك العثمانيين وحاربوا الإنجليز في مواقع متعددة. كان السيد الحكيم رحمة الله عليه في بعض هذه المعارك والتي قيل إنها في معركة الشعيبة إذْ كان في أوليات شبابه مشاركاً في القتال مع عدد من علماء الدين وطلاب الحوزة العلمية عندما شخصوه لوظيفة شرعية فِي هَذَا المَجَالِ. وَهَذِهِ كَانَتْ صَفْحَةً مِنْ الصَّفَحَاتِ المُبَكِّرَةُ فِي حَيَاةِ مَرْجَعِ الطَّائِفَةِ رُضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ.
الانجازات العلميّة للإمام الحَكيمْ رحمَه الله.
الصفحةٌ الأُخْرَى وَهِيَ الصَّفْحَةُ العِلْمِيَّةُ: أَخَذَ السَّيِّدُ الحَكِيمُ العَلَمَ عَنْ أَعْيَان وَأَسَاتِذَةَ البَحْثِ الخَارِجِ مِنْ مُرَاجِعِ الدِّينِ والعلماء البارزين في النجف الأشرف وكان في طليعتهم على الأقل برهة من الزمان السيد محمد كاظم اليزدي صاحب (العروة الوثقى)، في الفقه والآخوند الخراساني صاحب كفاية الأصول ولكن أكثر تلمذته كانت على يد هذين العلمين وَمِنْهِمْ الشَّيْخُ ضِيَاءُ الدِّينُ العِرَاقِيُّ وَقَدْ تَأَثَّرَ السَّيِّدُ الحَكِيمُ رَحِمَهُ الله بِهَذَا الأُسْتَاذِ تَأَثُّرًا كَبِيرًا فِي مَبَانِيهِ الفقهِيَّةَ وَمَسَالِكِهِ الأصولية أكثر مما تأثر بأي أستاذ آخر. أيضاً، درس وأخذ العلم عن المحقق النائيني رحمة الله عليه وعن غير هؤلاء من العُلَمَاءُ حَتَّى أَصْبَحَ مِمَّنْ يُشَارُّ إِلَيْهِمْ بِالمَرْتَبَةِ العِلْمِيَّةِ العَالِيَةُ. كَانَ تَأْلِيفُهِ لِكِتَابِ المستمسك وَهُوَ شَرْحٌ استدلاليٌ عَلَى العُرْوَةِ الوثقى كعمل ابتكاري و عد نقطة مهمة جداً في منهاج البحث الاستدلالي وإذا تلاحظون أن السيد الحكيم رحمة الله عليه قد استفاد من الآية المباركة استفاد منها في التسمية للكتاب وهو كتاب العروة الوثقى وهو كتاب في الفقه بقى منذ تأليفه إِلَى الآنَ حَيْثُ مُرٌّ أَكْثَرَ مِنْ قَرْنٍ مِنْ الزَّمَانِ عَلَى تَأْلِيفِ هَذَا الكِتَابِ وَلَا يَزَالُ يَتَرَبَّعُ هَذَا الكِتَابُ عَلَى سَمَاءِ الكُتُبِ الَّتِي تبحث بحث الخارج أو أقل من قرن بشكل دقيق. الآن إذا أراد أي فقيه أن يبدأ بحثاً تخصصياً في خارج الفقه فإنه يضع أمامه كتاب العروة الوثقى ويجري على منهاجه، إذ أنه يورد أدلة السيد اليزدي، و يفسر عباراته ويناقش هذه الكلمات وقد يوافقه وقد يخالفه. وقد ضل هذا الكتاب منذ تأليفه إلى الآن محتفظاً بهذه المنزلة، ولعله إلى الآن وصلت عدد الشروحات عَلَى هَذَا الكِتَابِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ شَرْحٍ وَتُوجَدُ قِسَمٌ غَيْرُ قَلِيلٍ مِنْهَا مَطْبُوعٌ وَالقِسْمُ الآخَرُ لَا يَزَالُ مَخْطُوطًا وَكَمَا قُلْنَا سَابِقًا أَنَّهُ عِنْدَمَا يُرِيدُ أَيُّ فَقِيهٍ أَنْ يَبْدَأَ بَحْثُ الخَارِجِ التَّخَصُّصِيِّ فَإِنَّهُ يَسْتَفِيدُ مِنْهُ فَلاَبُدَّ أَنْ يَضَعَ فِي العَادَةِ أَمَامَهُ كِتَابَ العُرْوَةِ الوُثْقَى.هذا الكتاب الذي كما قلت استفاد السيد الحكيم من هذه الآية المباركة " فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم" إذ كُتب "العروة الوثقى" وهو كتاب الأستاذ وكان شرح السيد الحَكِيمُ سَمَّاهُ مستمسك العُرْوَةُ الوُثْقَى. فَمَا هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي يَتَمَسَّكُ بِهِ فِي الاِسْتِدْلَالِ عَلَى الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةَ الوَارِدَةُ فِي مسائل هذا الكتاب؟! فأهمية عمل السيد الحكيم رحمة الله عليه أنه هو أول من بدأ بشرح هذا الكتاب ففتح الطريق أمام غيره من العلماء لكي يسيرو عليه.