رسالة الحقوق مشروع الإمام السجاد لبناء الإنسان
«بسم الله الرحمن الرحيم.
نتحدث في هذه الليلة عن شيء من سيرته، وخصوصاً ما قدم لهذه الأمة وخَلَّف من تراث فكري لا يزال إلى يومنا هذا مصدراً للعطاء ومصداً للهداية.
توليد ونشأة الإمام السجاد عليه السلام
في اختصار سريع، نشير أولاً إلى بعض ما يرتبط بهذا الإمام العظيم، ثم ننصرف إلى الحديث عما بقي من كنوز العلم التي خلفها في هذه الأمة وهي «رسالة الحقوق».
أما شيء عن حياته الشخصية؛ فالمعروف بين المؤرخين وأرباب التراجم وكُتّاب السيرة أن الإمام السجاد (عليه السلام) ولد في سنة ٣٨ من هجرة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أي قبل سنتين من شهادة جده أمير المؤمنين (عليه السلام) الذي استشهد في سنة ٤٠ للهجرة.
وكانت والدته -التي هي من الأسرة الملكية في فارس- قد أتى أمير المؤمنين (عليه السلام) بها مع أخت لها -كما هو الراي الصحيح والقول الصحيح والرواية المعتبرة- في زمان أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه في حوالي سنة ٣٥ أو ٣٦ هجرية. وكان ذلك بواسطة أحد عمال وأولاة الإمام (عليه السلام) واسمه حُرَيْث بن جابر، فجاء إليه ببنتين ممن تنتميان إلى الأسرة المالكة في فارس، فَتَزَوَّجَ إحداهما الإمامُ الحسينُ (عليه السلام)، والأخرى قيل الإمام الحسن، أو محمد بن أبي بكر الذي هو ربيب أمير المؤمنين (عليه السلام) وتحت رعايته منذ أن تزوج أمير المؤمنين والدته وهي أسماء بنت عميس بعد أن توفي عنها زوجها الثاني وهو أبو بكر بعد جعفر بن أبي طالب، تزوجها أمير المؤمنين وبقي محمد بن أبي بكر تحت رعاية الإمام؛ ولذلك نبغ هذا الرجل ووصل إلى ما وصل إليه لأنه كان في رحاب أمير المؤمنين. قيل إنه قد تزوجها محمد بن أبي بكر وأولدها القاسم بن محمد بن أبي بكر، لذلك يقولون: القاسم بن محمد بن أبي بكر مع علي بن الحسين السجاد أبناء خالة، والقاسم كان من تلامذة الإمام السجاد (عليه السلام)، وارتبط بنحو من الأنماط مع أهل البيت (سلام الله عليهم).
هذه والدته، وأما بقية الروايات -سواء روايات التاريخ الرسمي التي تشير إلى أنها (أي والدة الإمام السجاد) جيء بها في أيام الخليفة الثاني أو الثالث- فإن فيها مناقشات تاريخية وغير تاريخية أيضاً يمكن أن تُطلب في موضعها. وأسهل شيء في الرد عليها: أنه لو كان في زمان الخليفة الثاني، فيقتضي أن يكون مجيء مثل والدة الإمام السجاد في نحو سنة ٢١ هجرية، وهذا يقتضي أن ولادته قد تكون بعد سنة أو سنتين، والفاصل بينه وبين كربلاء ستكون حوالي ٤٠ سنة (٣٩ أو ٣٨)، وهذا على خلاف إجماع المؤرخين، إضافة إلى مسائل أخرى لا نذكرها الآن.
هذه كانت ولادة الإمام وهذه والدته. إمامة الإمام (عليه السلام) تعتبر من أطول فترات أئمة أهل البيت من حيث الزمان؛ لأن شهادته كانت في سنة ٩٥ هجرية في الخامس والعشرين من شهر محرم سنة ٩٥ هجرية، مسموماً على يد الطاغية الوليد بن عبد الملك بن مروان بواسطة عامله على المدينة عثمان بن حيان المري.
إذا تحسب من سنة شهادة الإمام الحسين (عليه السلام) العاشر من محرم سنة ٦١ إلى ٢٥ محرم سنة ٩٥، يعني ذلك أن فترة إمامته من شهادة أبيه إلى شهادته كانت ٣٤ سنة. ٣٤ سنة تعتبر من الفترات الطويلة في إمامة الأئمة المعصومين (عليهم السلام) -نقصد طبعا الإمامة الفعلية التي يتحمل فيها الإمام مسؤولية التصدي لشؤون الإمامة- وإلا فبغير هذا الحساب لا يكون.
وبهذا مثلاً إذا نحسب أن إمامة الحسين (عليه السلام) الفعلية كانت عشر سنوات (من سنة ٥٠ إلى أول سنة ٦١)، إمامة الإمام الحسن المجتبى أيضاً عشر سنوات (من سنة ٤٠ إلى سنة ٥٠ هجرية)، بينما مثل الإمام السجاد امتدت فترة إمامته الفعلية بهذا المقدار (٣٤ سنة). وبطبيعة الحال، كلما زادت الفترة أمكن للأمة أن تنتفع أكثر بوجود الإمام (عليه السلام).
مع هذا، كانت الفترة التي عاشها الإمام من الفترات الصعبة جداً؛ لماذا؟ لأنه جاء فيها الفرع المرواني الأموي، والفرع المرواني أسوأ من الفرع السفياني على سوء الأول. ولعل ما يُنقل بين الفريقين من أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رأى أن القردة تنزو على منبره، فعاش أواخر حياته حزيناً كئيباً، وقد أشار القرآن إلى ذلك بما ذكر عن الرؤيا التي أراها الله سبحانه وتعالى لرسوله؛ المقصود بها هذا، أن رسول الله عاش أواخر سنينه في حالة من الحزن لأنه رأى القردة تنزو على منبره، ورؤيا الأنبياء حق لأنهم لا يتلاعب بهم الشيطان.
تجلت هذه الرؤيا بشكل أوضح مع بداية الفرع المرواني في السيطرة على بلاد المسلمين وعلى خلافتهم. يزيد -لعنه الله عليه- بعد أن ارتكب ثلاث موبقات كل واحدة أكبر من الأخرى (وأكبرها قتل الحسين عليه السلام، وكذلك قصف الكعبة بالمنجنيقات، وفتح المدينة وإباحتها)، هلك بعد ثلاث سنوات، فانفرط العقد. سيطر مدة من الزمان على الأوضاع مروان بن الحكم لمدة ستة أشهر، وبعد ذلك استلمها ابنه عبد الملك، وبعد عبد الملك جاء الوليد بن عبد الملك ابنه، وبعدها جاء أخوه هشام بن عبد الملك. وكل واحد من هؤلاء كان أسوأ من الآخر وأشد غلظة على أهل البيت (عليهم السلام).
يكفيك في الفترة الطويلة التي عاشها الإمام (عليه السلام) ما بين عبد الملك وابنه الوليد، كان الآمر الناهي في العراق وما حولها الحجاج بن يوسف الثقفي، وأنتم تعرفون من هو الحجاج وماذا صنع، حتى قال بعض الزهاد والعلماء من غير شيعة أهل البيت: «لو جاءت كل الأمم بطغاتها وأشرارها وجئناهم بالحجاج لغلبناهم»! ليست شهادة من واحد مثلاً شيعي حتى يقال هذا يحدوه شيء من الحنق عليه، لا، وإنما من المدرسة الأخرى. رجل كان -وهذا الحجاج كما قال بعضهم- سيئة من سيئات أولئك، سيئة من سيئات عبد الملك بن مروان.
فعاش في هذه الفترة الإمام السجاد (عليه السلام)، وبطبيعة الحال لا بد أن يصطلي كما اصطلى غيره من العباد والزهاد والصالحين بما كان يجري من هذه الفئة الطاغية المسيطرة على حكم المسلمين.
دور الإمام السجاد في الإحياء العلمي والأخلاقي
الإمام (عليه السلام) بمقدار ما استطاع صنع شيئاً كثيراً وكبيراً. أشرنا في سنة مضت إلى أن الإمام السجاد (عليه السلام) من أعظم ما صنع أنه أعاد مذهب أهل البيت إلى حاضرة المسلمين بعد أن سعى أعداء المذهب إلى نفيه نفياً كاملاً، وإلى أن لا يُذكر في الحلقات العلمية ولا في الفتاوى ولا في العقائد، وأن لا يُذكر علي بن أبي طالب كواحد من أصحاب رسول الله، كواحد ممن يُؤخذ عنه العلم! حتى لقد قال بعضهم: «كنا إذا أردنا أن نروي الحديث عن علي كنا نقول: قال أبو زينب»؛ لماذا؟ لأنه يُعاقب الإنسان على أن يروي عن علي بن أبي طالب!
هذا الأمر تحول ببركات وجهود الإمام السجاد (عليه السلام) الذي صار محوراً للفقهاء، صار الرمز والعَلَم. فقهاء المدينة كانوا سبعة، كلهم كانوا تحت هيمنة الإمام السجاد (عليه السلام)، وحتى قيل إنهم لم يكونوا يخرجون إلى الحج حتى يخرج علي بن الحسين (سلام الله عليه) لما يعترضهم من مسائل وقضايا لا يجدون لها حلولاً إلا عند الإمام السجاد (سلام الله عليه). بل وجدنا الفقهاء المرتبطين بالدولة الأموية (قاضي القضاة مثل محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي صار قاضي القضاة) هذا عَدَّ نفسه من تلامذة الإمام السجاد فيما استصعب عليه من القضايا والمسائل.
فعاد بواسطة الإمام السجاد (عليه السلام) منهج أهل البيت، فقه أهل البيت، كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وفتاواه إلى حاضرة المسلمين. وبعد ذلك بالتدريج صار في أيام الإمام الباقر، وصار أكثر في زمن الإمام الصادق وانتشر العلم، لكن الذي فتح الباب وأعاد هذا المنهج والمذهب وعلياً (عليه السلام) إلى الأمة كان الإمام السجاد (صلوات الله وسلامه عليه). هذا واحد من الأمور التي تحتاج إلى تفصيل كثير وكبير، وقد ذكرنا شيئاً من ذلك لمن أراد التفاصيل في كتاب (سيد العابدين الإمام علي بن الحسين عليه السلام) لمن أحب أن يرجع إليه.
كذلك الإمام السجاد (عليه السلام) -كما تعلمون- كان يلاحظ أن هذه الأمة بمقدار ما كان فيها قمع سياسي وضغط من قبل السلطة على الناس، في نفس الوقت كان عندهم انفلات في الجانب الأخلاقي، ولم يكن الأمر مقتصراً على الحاكمين وإنما أرادوا أن يجعلوا هذا سيرة عامة لكل الناس، حتى نُقل عن بعض هؤلاء الخلفاء الحكام الأمويين الفاسدين أنه كان يريد أن يصنع له غرفة على سطح الكعبة لكي يسهر فيها ويشرب وما شابه ذلك فوق الكعبة! وهذا مذكور في التاريخ.
وأما الإفساد الاجتماعي فحدث ولا حرج؛ لو تراجع كتاباً مهتماً بمثل هذه الأمور مثل كتاب (الأغاني) لأبي الفرج الأصفهاني -ونحن لا ننزه أبا الفرج في نقولاته، ولكن مثل هذه الكتب هي التي تتعرض إلى هذه الأمور- ينظر المرء ويقرأ فيقول: معقول هذا كان يجري في مدينة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى بعد أمتار من قبر رسول الله؟! هذه المعاشقات والمغازلات والشرب والسهرات والأغاني... معقولة يعني؟! لكن هذا كان يحصل وكان هذا مدعوماً من قبل الولاة الأمويين؛ لأنهم هم كانوا على هذه الشاكلة، فليس معقولاً أن يتركوا الناس يتعبدون ويصبحون خيرين وهم في حماة الفساد ومستنقع الرذيلة، لا بد أن يصبح الكل كذلك حتى لا يكون هناك فرق.
الإمام السجاد هنا عَلَّمَ الأمة كيف ترتبط بالله عز وجل؛ بل من خلال أدعيته، من خلال مناجاته، من خلال صحيفته السجادية. وهكذا تجد الموجودة الآن المشهورة (الصحيفة السجادية) ٥٠، ٥٢، ٥٣ دعاءً وهي صحيفة واحدة، وقد تتبع بعض العلماء سائر أدعية الإمام السجاد (عليه السلام) فصارت ست صحائف! يعني الصحيفة الآن المشهورة الكاملة التي مكتوب عليها "رقم واحد"، بعض العلماء تتبع الباقي مما لم يُذكر في هذه الصحيفة من أدعية الإمام فصارت ستة.
هذا لم يكن مجرد كلام يُناجى به الله، وإنما كان برنامجاً في تعليم الأمة كيفية الارتباط بالله عز وجل. وأبقى (سلام الله عليه) جذوة الحزن على أبي عبد الله الحسين (سلام الله عليه) كما هو معروف عند الجميع؛ كان يبكي باستمرار وكان يتألم، وعُدَّ من البكائين الخمسة على مستوى البشرية بدءاً من آدم فنازلاً.
مما خَلَّف -ولا نريد أن نكثر الحديث في هذا حتى لا يأكل وقت الحديث عن «رسالة الحقوق» التي أنصح إخواني المؤمنين وأخواتي المؤمنات بالرجوع إليها، وهي موجودة على الإنترنت وفي البرامج لو أن إنساناً أراد أن يطلع عليها، ومن المهم أن يطلع كل مؤمن عليها؛ لأنها أشبه ببرنامج حضاري يقدمه الإمام السجاد (عليه السلام) في بناء الإنسان الصالح. كيف يُبنى الإنسان الصالح في علاقته مع ربه؟ بل في علاقته في بدنه وأعضائه؟ علاقته مع عباداته؟ علاقاته الاجتماعية في الأسرة وفي الأرحام؟ علاقاته الاجتماعية خارج هذه الأسرة وخارج الأرحام؟
هذه كلها يقدمها الإمام السجاد (عليه السلام) في ٥١ حقاً يذكره في رسالة الحقوق.
رسالة الحقوق رواها علماؤنا، ومن أشهر من رواها الشيخ الأقدَم محمد بن علي بن بابويه القمي المعروف بالشيخ الصدوق (المتوفى سنة ٣٨١ هجرية) في كتابه المهم الذي يعتمد عليه الفقهاء (من لا يحضره الفقيه)؛ روى هذه الرسالة وبين فيها كلمات الإمام (عليه السلام)، كما رواها أيضاً نفسه في كتابه (الخصال)، ورواها نفسه أيضاً في كتاب (الأمالي)، فضلاً عن غيره كابن شعبة الحراني في (تحف العقول)؛ ولو أن هذا الكتاب فيه إرسال من غير أسانيد، لكن لاشتهار هذه الرسالة ولأنه سبقه (أي سبق صاحب كتاب تحف العقول مثل الشيخ الصدوق بنحو ١٥٠ سنة أو نحو ذلك من الزمان)، فاعتمد العلماء على رواية الشيخ الصدوق ونقلوها ومنهم مثل صاحب تحف العقول. وأما ما بعد ذلك فتقريباً كل من تحدث عن الإمام السجاد (عليه السلام) أشار إليها.
سوف نبين بعض الملاحظات في هذه الرسالة التربوية المهمة. إذا أحد يريد تفصيلاً، فهناك كتاب بديع للمرحوم السيد حسن القبانجي (يعرفه أهل البلاد، كان هنا يقرأ المنابر والتعزية الحسينية قبل حوالي ٥٠ سنة من الزمان، وهو عالم جليل أُخذ مسجوناً في أيام الطاغية أيام حكم البعث ولم يُعرف خبره بعد ذلك إلى يومنا هذا، رحمه الله عليه وحشره الله مع أجداده الطاهرين)، عنده كتاب بعنوان (شرح رسالة الحقوق) في أربعة أجزاء وهو كتاب نافع. وغيره بعد ذلك أيضاً كتب، هذا الكتاب أُلِّف قبل حوالي ٦٥ سنة وطُبع عدة طبعات، وأُلِّف بعده الكثير في هذه الرسالة لمن أحب أن يطلع عليها.
مميزات رسالة الحقوق مقارنة بالمواثيق الحديثة
هذه الرسالة المعروفة بـ «رسالة الحقوق»، بعضهم يقول إن هذه الرسالة هي أول نص حقوقي شامل في العالم؛ بحيث يتناول حقوق الإنسان باختلاف صفاته. وفي الحالة الإسلامية لا نجد نصاً كاملاً وشاملاً بهذا النحو. نحن نعتقد أن رسالة الحقوق للإمام زين العابدين (عليه السلام) تتجاوز مواثيق حقوق الإنسان بمراحل؛ إن في مضمونها أو في توجيهها أو حتى اسلوبها.
لماذا نقول هذا الأمر؟
- أولاً: هذه الرسالة تتوجه للإنسان باختلاف صفاته لتقول له: «إن عليك حقوقاً تجاه الله، عليك حقوقاً تجاه بدنك (سمعك، وبصرك، ولسانك، وبطنك، وفرجك، ورجلك، ويدك)». وهذا ما لا تتعرض له أي وثيقة حقوقية في الدنيا؛ لا تتعرض إلى الحقوق الواجبة لله عز وجل على الإنسان، وما تتعرض إلى الحقوق الواجبة على الإنسان تجاه أعضاء بدنه.
- ثانياً: فيها الحقوق الواجبة على الإنسان تجاه أفعاله العبادية: حق صلاتك ما هو؟ حق صومك ما هو؟ حق صدقتك ما هو؟ الذي له الحق -سواء كان الخالق سبحانه وتعالى، أو كان بعض أعضاء بدنك، أو كان صلاتك وهديك وصومك وما شابه ذلك، أو ما يأتي من الفئات الاجتماعية التي سوف نشير إليها- معنى ذلك أنه له الحق لو طالبك بهذه الحقوق، له المطالبة بأن يقول لك: «أنا حقي عليك كذا وكذا».
وهذا يبين لنا فكرة أخرى وهي مهمة أيضاً: أنه تارة الموجه يقول لك: «لك حق كذا وكذا»، وتارة يقول لك: «عليك الحق تجاه كذا وكذا».
الفرق ما هو؟
أن أي إنسان بوضعه العادي دائماً يركض وراء حقوقه هو؛ إذا كان زوجاً يفتش عن حقوقه الشخصية (ليس عليه أن زوجته لها حق أم لا)، الوالد يفتش عن حقوق الوالد (ليس عليه أن الولد له حق أم لا)، الدائن يفتش عن حقوقه على المدين، الحاكم يفتش عن حقوقه هو على المحكوم... وهذه حالة طبيعية عند الإنسان؛ أي واحد يريد أن يجر الخير والنفع إلى نفسه ولو كان على حساب غيره.
وانت اختبر هذا الآن: سيارتان تريدان المرور في الشارع، أنت تعتبر أن لك الأولوية ولك الحق؛ إما لأنك مستعجل، وإما لأنك كبير السن وذاك لا بد أن يحترمك، وإما لأن سيارتك غير مكيفة وسيارة ذاك مكيفة فلو انتظر قليلاً فلا مشكلة! وعلى هذا المعدل عادة الإنسان ينظر إلى الحق الثابت له.
ولذلك في النزاعات أنت تلاحظ: لما مثلاً الولد يروي الحادثة يحاول أن يجر الحق صوبه، لما الوالد يروي الحادثة يجر ذاك الصوب، الزوجة لما تقول الكلام تريد الحق لها، الزوج لما يقول الكلام نفس الشيء.
فالفرق هو أن الإمام السجاد (عليه السلام) لا يقول: «أنت لك الحق الفلاني والحق الفلاني»، وإنما يقول: «ماذا عليك تجاه غيرك؟». ولو هي في النتيجة أنت راح تعرف حقك؛ يقول لك مثلاً: أنت كوالد عليك من الحقوق كذا، وأما حق ولدك فأن تعلم أنه منك ومضاف إليك في عاجل أمره وأجله بما أوليت من حسن الأدب... هناك حق لولدك أيها الوالد وهو هكذا. طبعاً لما يصير هذا، فالولد سَيَصِلُه الحق، ويأتي إلى الولد أيضاً ويقول له: «وأما حق والدك فكذا وكذا».
لكن الفرق ما هو؟ الفرق في طريقة التوجيه؛ مرة أنت تأتي وتقول: «أنا لي من الحقوق كذا وكذا»، ومرة يُقال لك: «عليك من الحق تجاه أبيك كذا، وتجاه زوجتك كذا، وتجاه ولدك كذا، وتجاه مستشيرك كذا، وتجاه مؤذنك، وتجاه إمام جماعتك، وتجاه جارك، وتجاه المستنصح... وتجاه وتجاه» (٥١ عنواناً أمامنا السجاد عليه السلام يضعها أمامك ويقول لك: هؤلاء لهم حق عليك فانظر كيف تخرج من حقوقهم!).
الفرق هو هذا: أن سائر الدساتير وسائر المواثيق تقول للإنسان: «أنت لك الحق الفلاني، ولك الحق الفلاني، ولك الحق الفلاني». مشكلة هذا التوجيه (أو من مشاكله) أنه يعمق الحالة الذاتية في داخل الإنسان، والتي هي حالة فطرية أنه يريد حقه قبل أي حق آخر، يريد أن يحوز لنفسه قبل أن يراعي غيره.
وواحدة من المشاكل الموجودة في الحالة الاجتماعية هي هذه: أنك أنت كجار تبغي -على سبيل المثال- أن يكون أمام بيتك نظيفاً حتى لو اتسخ عند جارك، وهو يريد نفس الكلام! تريد أمام بيتك واسعاً حتى لو هو ضيق، وهو نفس الكلام يريده! وعلى هذا المعدل: تريد أن تأخذ راحتك في بيتك، تصرخ، تجلب كذا، تفعل أشياء... بينما هو أيضاً نفس الكلام يريده. فإذا أنت تقول لواحد: «لك الحق في كذا، ولك الحق في كذا، ولك الحق في كذا»، أنت كرست في هذه الحالة الذاتية.
الإمام السجاد يقول عكس ذلك: يقول عليك حق تجاه جارك، ويقول للجار أيضاً: عليك حق تجاه جارك الأول؛ فيتوجه إلى الطرفين فيحملهما مسؤولية كل طرف تجاه الطرف الآخر.
انظروا، قال الشيخ الصدوق -وهذه يرويها أبو حمزه الثمالي، وأبو حمزة الثمالي حقيقة يستحق من يدرس حياته ويكتب عنه كتاباً إذا بعض الطلبة والمثقفين وأهل العلم يتوجهون إلى هذا؛ لأنه رافق عدداً من الأئمة ووصل إلى مراتب عالية من الفضل، وهو الذي يُنسب إليه الدعاء المشهور "دعاء أبي حمزة الثمالي"، هو راوي هذا الدعاء، ويُنسب إليه تفسير كبير للقرآن الكريم، وما يُنقل في حاله مع الإمام السجاد يدل على نحو كبير من الاختصاص، وما يُنقل في أحواله مع الإمام الباقر كذلك ومع الإمام الصادق (عليه السلام) كذلك، وقد بقي إلى ما بعد شهادة الإمام الصادق-:
فهذا يروي أيضاً هذه الرواية، يقول: هذه رسالة علي بن الحسين إلى بعض أصحابه:
«اعْلَمْ» -يبدأ بها الإمام هكذا- «اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ حُقُوقاً مُحِيطَةً بِكَ» -هل تجد هذه الديباجة والافتتاحية في أي وثيقة قانونية وحقوقية في الكون؟! ولكن موجودة هذه في كلام الإمام (عليه السلام)- يقول لك: أكبر الحقوق عليك هو حق الله سبحانه وتعالى: «وَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ الأَكْبَرُ فَأَنْ تَعْبُدَهُ لا تُشْرِكَبِهِ شَيْئاً، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ بِإِخْلاصٍ جَعَلَ لَكَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَكْفِيَكَ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ».
يقول: هذه رسالة علي بن الحسين:
«اعْلَمْ أَنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ حُقُوقاً مُحِيطَةً بِكَ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ تحَرَّكْتَهَا، أَوْ سَكَنَةٍ سَكَنْتَهَا، أَوْ حَالٍ حَلَلْتَهَا، أَوْ مَنْزِلَةٍ نَزَلْتَهَا، أَوْ جَارِحَةٍ قَلَّبْتَهَا، أَوْ آلَةٍ تَصَرَّفْتَ فِيهَا».
أي حركة عندك، لله عليك فيها حق؛ لماذا؟ لأن الذي أعطاك هذه القوة هو الله: فكرت؟ أعطاك قدرة الفكر. تحركت؟ الله أعطاك قدرة الحركة. علمت؟ الله أعطاك هذه القدرة. عبدت؟ الله أعطاك هذه القدرة. فلله عليك حقوق محيطة بك في كل حال تتصرف فيه.
جئت إلى هذا المسجد المبارك تستمع هذه الليلة عزاء الإمام، تقول: الحمد لله رب العالمين؛ لماذا؟ لأن الله هو الذي وفقك لهذا ويسر لك هذا، وربما لم ييسر لغيرك ما ييسر لك.
فأكبر حقوق الله تعالى عليك ما أوجب عليك لنفسه من حقه الذي هو أصل الحقوق. هذا لا بد أن يفهمه الذين يكتبون الوثائق الحقوقية وتعتمدها الهيئات الدولية: يا جماعة، أصل الحقوق من أين ينطلق؟ مفتاح هذه الحقوق ما هو؟ جذر هذه الحقوق ما هو؟ إنما يكون حق الله عز وجل سبحانه، ثم ما أوجب عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك.
فيبدأ بحق الله عز وجل (أول الحقوق، أكبر الحقوق، أهم الحقوق)، إذا أديته فأنت قادر على أن تؤدي باقي الحقوق.
ثم يقول: لنفسك أيضاً عليك حقوق: عينك لها عليك حق، سمعك، لسانك، بطنك، فرجك، يدك، رجلُك... كل هذه لها حق عليك أن لا تدخلها في المعصية:
- لسانك لا تكذب به.
- عينك لا تغضها عن محارم الله عز وجل.
- أذنك لا بد أن لا تجعلها في موضع تسمع فيه الغناء وتسمع فيه الفحش والسباب وما شابه ذلك.
- رجلك لا تسعى بها إلى إحنة أو شحناء أو بغضاء أو نميمة بين الناس أو عداوة بين أبناء المجتمع، وهكذا...
- يدك وسائر جوارحك.
يقول أيضاً: الأفعال لها حق عليك، ليس فقط جئت وصليت هكذا كيفما كان، لا؛ لها حق: صلاتك لا بد أن تكون تامة كاملة بوضوئها، بشرائطها، بالتوجه إلى الله عز وجل فيها... اقرؤوا نفس هذه الرسالة، ليس عندنا وقت حتى نستعرض كل هذه الكلمات النورانية لأنها طويلة.
ثم بعد ذلك ياتي إلى حقوق الأسرة: حق والديك، حق الزوج والزوجة كل منهما على الآخر. ما الذي عليكِ أيّتها الزوجة تجاه زوجكِ؟ ما الذي عليكَ أيُّها الزوج تجاه زوجتكَ؟ المشكلة أن الإنسان عادة يحفظ الشيء الذي في صالحه؛ الزوج لا يحفظ إلا حق الطاعة (أنه لا بد أن تطاوعيني، وهذا الإسلام يقول، وهذا كذا...) نعم هو صحيح، الزوجة تحفظ هذا والزوج يحفظ هذا، والزوجة تقول: «أنا لست مكلفة أن أطبخ لك، ولست مكلفة أن أكنس لك...» إلى آخره. العلماء يفتون وكل إنسان عادة يأخذ ما يتصوره من حق له، بينما انظر إلى الحق الذي هو عليك: حق زوجتك عليك ما هو؟ وحق زوجك عليك ما هو؟ وهكذا بالنسبة إلى الوالدين وسائر الأرحام.
ثم يأتي إلى الفئات الاجتماعية، ومن العجيب هذه الدائرة الواسعة التي يتحدث عنها مولانا زين العابدين (سلام الله عليه):
- مؤذن الجماعة (مؤذن الصلاة) له حق عليك! عجيب!
- إمام الجماعة له حق عليك!
- من يستشيرك له حق عليك!
- من يستنصحك له حق عليك!
- خصمك الذي يتشاجر معك في قضية أو عندك مشكلة معه، هذا أيضاً له حق عليك! ولك حق عليه أيضاً!
وهكذا سائر الفئات الاجتماعية، إلى أن يصل إلى غير المسلمين في المجتمع، حتى أهل الذمة (المسيحيين واليهود في المجتمع المسلم المسالمين) لهم حق عليك!
عجيب هذا الإمام! كيف يعني هذا التفرغ الموجود عنده وفصل في كل حق من هذه الحقوق تفصيلاً عجيباً ورائعاً؟!
مصيبة الإمام السجاد عليه السلام
سيدي يا أبا الحسن، يا أبا محمد الباقر، يا أبا الحسين -لأن عنده هم الحسن، وهم الحسين، وهم الإمام محمد الباقر عليه السلام- كيف كنت تتفرغ لمثل هذه الأمور وأنت قلبك محتدم بمصاب أبيك الحسين (سلام الله عليه)؟!
الإمام السجاد (عليه السلام) كان قلبه محتدماً مشتغلاً بالحزن على أبيه الحسين (سلام الله عليه)، ولا غرابة في ذلك؛ أنت ترى بعض المؤمنين -وأنت منهم- يسمع سماعاً عما جرى على الحسين (عليه السلام) في كربلاء فترى دمعته سائلة وقلبه حزيناً، وكل سنة تقول: «سيكف الآن عن البكاء، سيشبع»، لا! يزداد سنة بعد سنة في البكاء على الحسين والنياحة عليه، ويحضر في اليوم بدل المجلس مجلسين، يبكي في هذا المجلس ويبكي في ذلك المجلس، وهو يشعر أنه لا يزال محتاجاً لأن يبكي الحسين! هذا كله وأنت فقط تسمع من ناس أنه جرى على الحسين كذلك... فكيف بالذي رأى وقائع المعركة واقعة بعد واقعة؟! رأى بعينيه! يقول الشاعر:
أَنَا بِعَيْنِي نَظَرْتُ حُسَيْنَ بِإِيدِ الطِّفْلِ مَنْحُورْ
وَأُمِّ الرَّبَابِ تُعَايْنُهُ وَدُمُوعُهُ تَفُورْ
وَقُلُوبُنَا فَتَّتْ بِوَنِينِهِ وَعَيْنُهُ تَدُورْ
مَا خَلَّتْ لَنَا كَرْبَلاء شَيْخٍ وَلا شَابّ
أنا بعيني نظرت الحسين -يا أبا عبد الله الحسين!- عندما حز رأسه الشمر بن ذي الجوشن، وعندما رُضَّت أضلاعه بحوافر الخيل! هذا بعينه هل يمكن أن ينسى هذه الصورة وتختفي من عينه؟! متى كان لك سيدي وقت حتى تجلس وتدرس وتعلم وتبين الحقوق؟! متى كان لك وقت حتى تعلم الناس كيفية المناجاة سيدي؟! متى كان لك من الوقت ومن التوجه حتى تعلم الناس الفقه والعقائد وكذا وأنت ممتلئ بهذه الصور؟!
حتى نقلوا أنه جاءه نفس أبي حمزة الثمالي (رضوان الله تعالى عليه)، وقد خشيت عليه بناته واخواته من أن يموت كمداً وحزناً، وحُقَّ له لو حصل له ذلك. فجاؤوا إلى أبي حمزة الثمالي؛ فاطمة بنت الحسين جاءت إليه قالت له: «يا أبا حمزة، إن لنا عليكم حقاً برسول الله»، قال: نعم، هو أعظم الحق، ماذا تريدين؟ قالت له: «هذا علي بن الحسين بقية آبائه الطاهرين يتلف نفسه كمداً وحزناً، نحن خائفون عليه أن يفارق الدنيا من الحزن والبكاء على أبيه الحسين، فلو ذهبت إليه وتلطفت في الحديث معه حتى يخفف من هذا البكاء أو يترك البكاء؛ فنحن نخاف أن يموت!».
جاء أبو حمزة إليه: سيدي يا أبا الحسن، أما لحزنك أن ينقضي؟ (أنا لا أدري هذا السؤال في أي سنة من السنوات؛ بعد خمس سنوات، بعد عشر سنوات من الواقعة... يعني مرت فترة طويلة وإلى الآن وأنت تبكي هكذا!) ما قُدِّم إليك طعام إلا مزجته بدموع عينيك! وعفت ذلك الطعام، كيف آكل وقد قُتل ابن بنت رسول الله جائعاً؟! وما قُدم إليه ماء إلا ومزجه بدموع عينيه، كيف أشرب وقد قُتل ابن رسول الله عطشاناً؟! إلى متى؟ أما آن لحزنك أن ينقضي ولعويلك أن يخف؟ أما تقولون: القتل لكم عادة، وكرامتكم من الله الشهادة؟
قال له: «يَا أَبَا حَمْزَةَ، شَكَرَ اللَّهُ سَعْيَكَ.. القَتْلُ عَادَتُنَا، وَكَرَامَتُنَا مِنَ اللَّهِ الشَّهَادَةُ، وَلَكِنْ مَتَى كَانَ سَبْيُ النِّسَاءِ لَنَا عَادَةً؟!».
هذه الصور لا تزال في ذهن الإمام السجاد (عليه السلام)، يقول: «يَا أَبَا حَمْزَةَ، مَا نَظَرْتُ إِلَى عَمَّاتِي زَيْنَبَ وَسَائِرِ النِّسَاءِ وَأَخَوَاتِي إِلاَّ وَذَكَرْتُ فِرَارَهُنَّ فِي البَيْدَاءِ، وَالنَّارُ تَشْتَعِلُ بِأَطْرَافِ خِيَامِهِنَّ، وَهُنَّ يُنَادِينَ: وَامُحَمَّدَاهُ، وَاعَلِيَّاهُ، وَاحُسَيْنَاهُ!».
ما أستطيع أن أترك هذا البكاء ولا هذا الحزن، ليس بيدي حتى أتركه وأخففه؛ صور تمر على بالي فيحصل لي هكذا! سبحان الله، هكذا ومع ذلك يعطي هذا العطاء! ومع ذلك يقدم لهذه الأمة هذا المقدار!
وظل (بأبي هو وأمي) على هذه الأحوال إلى أن ضاق بالظالمين بقاؤه، ضاق بأولئك المجرمين وجوده على قيد الحياة، فأمر اللعينُ الوليدُ بن عبد الملك واليَه على المدينة عثمان المري أن يدس إلى إمامكم سمّاً نقيِعاً. دُسَّ إلى الإمام ذلك السم، هذا الوليد -لعنه الله عليه- استخدم التسميم كثيراً مع من كان يخالفه؛ الحسن المثنى (ابن عم الإمام السجاد) أيضاً قتله بالسم، أبو هاشم بن محمد بن الحنفية أيضاً قتله بالسم، وجاء الدور على إمامنا السجاد (سلام الله عليه) فُدُسَّ إليه ذلك السم النقيع.
لما تجرعه الإمام، سرى السم في بدنه مع الطعام من فمه إلى سرته، أحس (بأبي وأمي) كأنما يُقَطَّع بالمواسي أو يُشَرَّح بالسكاكين!
وا إماماه! وا سيداه! وا ابن رسول الله! هذه نتيجه القربى والمودة في القربى بجنب قبر رسول الله (صلى الله عليه وآله).
بقي على فراش منيته يدير عينيه في أهله وذويه وقد اجتمعوا حوله، إلى أن حان حينه؛ عرق جبينه، سكن أنينه، مدد يديه ورجليه، غمض عينيه، وفاضت روحه الطاهرة!
وا إماماه! وا سيداه! وا مظلوماه!
فارق أبو محمد الدنيا ومات مسموماً، وماجت الروضة بالقبر والدين ملوم. شَمَّرَ أبو جعفر عن رُدْنَيْه يغسله، خلاه فوق المغتسل والدمع قال له: «يا شبل المصطفى، يا سيد الملة، باقي أثرها الجامعة بالجسد لليوم!».
يقول أرباب الخبر: لما جُرِّد الإمام ليُغسَّل، وجدوا على جسمه أثراً؛ على ظهره أثر حمل الدقيق إلى الفقراء، وأما في رقبته فأثر الجامعة التي غُلَّ بها.
وَسَوَّتْ أَثَر يَا حُسَيْنُ بِزُنُودِكْ هَالْأَغْلَالْ
مَا تِمْحِي طُولَ الدَّهْرِ يَا سَيِّدَ الآلْ
وَالدَّهْرُ شَأْنُهُ يَدْهِي الأَبْدَالَ بِأَهْوَالْ
أَوَيْلِي وَأَيَّامُهُمْ كُلَّهَا تَصِيرُ هُمُومْ وَغُمُومْ
إمامنا الباقر (سلام الله عليه) جاء وأنزَل الإمام السجاد في قبره، اجتمع الناس حوله لتشييعه، خرجت المدينة عن بكرة أبيها لتشييع الإمام السجاد حتى أُنزل في قبره.
أويلي نزل أبوه بحفرته ومن القلب ذاب، ما شاف طعنة بالقلب شلع الشاب، لكن السجاد شاف هذه الأشياء لما جاء لدفن والده الحسين؛ مو شاف لا جُمِعَ في بارية، لم أوصاله في بارية وأنزله إلى قبره، ما شاف طعنة بالقلب لا شلع الشاب، ما شاف ضربة بالجسد لا عاين صواب، ولا عاين من الخيل أضلاعاً كسيرة!
فيَا ساعد الله قلب أبي محمد السجاد من يوم رد يدفن والده ويدفن تلك الأجساد؛ ٧٠ جثة حيود كلها شيوخ وأولاد، ناس بلا قبور وناس في حفيرة!
مَا إِنْ بَقِيتَ مِنَ الهَوَانِ عَلَى الثَّرَى ... مُلْقَىً ثَلاثاً فِي رُبىً وَوِهَادِ
إِلاَّ لِكَيْ تَقْضِي عَلَيْكَ صَلاتَهَا ... زُمَرُ المَلائِكِ فَوْقَ سَبْعِ شِدَادِ