وارثية الامام الحسين للأنبياء والرسل

وارثية الامام الحسين للأنبياء والرسل
00:00 --:--

وارثية الإمام الحسين للأنبياء والرسل

بسم الله الرحمن الرحيم

جاء في زيارة مولانا أبي عبد الله الحسين المعروفة بزيارة «وارث»:

«السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله، السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله، السلام عليك يا وارث موسى كليم الله، السلام عليك يا وارث عيسى روح الله، السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله، السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين عليه السلام ولي الله، السلام عليك يا ابن محمد المصطفى، السلام عليك يا ابن علي المرتضى، السلام عليك يا ابن فاطمة الزهراء، السلام عليك يا ابن خديجة الكبرى، صلوات الله عليك وعلى آبائك الطاهرين وأبنائك الطيبين»

تصنيف زيارات الإمام الحسين ومفهوم الوارثية

ذكر بعض المؤلفين بأن عدد زيارات الإمام الحسين عليه السلام تبلغ ٥٨ زيارة، وهي موزعة على قسمين:

  1. قسم منها يُسمى بالزيارات المطلقة: وهي تلك التي غير مسماة بزمان أو حادثة معينة.
  2. وقسم آخر منها: هي التي وردت مربوطة بزمان كالنصف من رجب، والنصف من شعبان، ويوم عاشوراء، وهكذا هي مربوطة بزمان معين.

ومن تلك الزيارات المطلقة التي لا ترتبط بزمان خاص: الزيارة المعروفة بـ «زيارة وارث»، وقد تقدم ذكر لها في ليلة مضت، وعُرفت بزيارة وارث باعتبار أنها تبدأ في بداية الأمر بـ «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله»، وهكذا تتسلسل الوارثية من الإمام الحسين للأنبياء والمرسلين العظام.

فلم يُذكر في هذه الزيارة أسماء الأنبياء جميعاً، بخلاف مثلاً زيارة الناحية المقدسة التي تم التسليم فيها من بداية الأمر على نحو ٢٣ من أنبياء الله ورسله. هنا الوارثية: آدم، نوح، إبراهيم، موسى، عيسى، ونبينا المصطفى محمد (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد)، وهكذا أُضيف إليها من غير الأنبياء أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه.

وقد ذكرنا في ليلة مضت معنى الوارث من الناحية اللغوية والاصطلاحية، وكيف نوفق بين أن مثل العلم والصفات الأخلاقية والمراتب المعنوية ليست موروثة بمعنى الميراث المادي وذكرنا الوجه في ذلك؛ بينما يثبته القرآن الكريم في قوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾، وبين ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ فلا نعيد الكلام مرة أخرى.

وصلنا في ليلة مضت إلى بيان بعض الوجوه التي يكون فيها الحسين عليه السلام وارثاً لصفوة الله آدم، وكلمة «صفوة» تؤكد على موضوع الاصطفاء الإلهي لآدم ولأبنائه التسعة من الأنبياء، ولا سيما آخرهم التاسع (يعني نوح، على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) لمشابهة بعض صفاته مع ما سيكون من حال الإمام الحجة المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف، من طول العمر ومن أنه هو الذي سيكون صاحب رسالة عالمية؛ من لم يركب في سفينته يهلك ويغرق.

هذه الليلة نتحدث عن بقية الأنبياء بمقدار ما يتسع الوقت، وكذلك عن بقية ألفاظ هذه الزيارة الشريفة.

الحسين وارث إبراهيم خليل الله

فمن جملة ذلك أن الزيارة تشير إلى وارثية إبراهيم من قبل الحسين عليه السلام: «السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله» عز وجل. فيما بين إبراهيم والنبي والإمام الحسين عليه السلام هناك أوجه من المشابهة والمشاكلة كثيرة نشير إلى بعضها:

  • امتحان القربان والفداء:

منها امتحان الله إبراهيم بأن يقدم ابنه في سبيل الله، وقد أمره بأن يذبح ابنه إسماعيل على الرأي المحقق عند المسلمين، خلافا لليهود الذين يزعمون بأن من امتحن به إبراهيم هو إسحاق، وهذا كلام غير صحيح. وإنما الذي امتحن به إبراهيم لكي يرقى مراقي عظيمة جديدة هو أنه أخبره بأن يذبح ابنه: ﴿إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾.

فهو امتحان مزدوج؛ الامتحان الأكبر هو لإبراهيم أن أي أب يقدم على تضحية بابنه استجابة لامر الله عز وجل هذا من الأمور الصعبة جداً ولا سيما إذا كان هو سيذبحه. وهناك نفس الامتحان من الجهة الأخرى أن الولد المطيع لله المسلم لأوامره يقبل بهذا الأمر ويستسلم له ويقول له: ﴿افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾.

نجد هذا أيضاً نفس الامتحان قد وجد بالنسبة إلى الإمام الحسين عليه السلام. وإذا كان نبي الله إبراهيم لم يكمل الامتحان بمعنى أنه لم يجهز على ولده وإنما ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ﴾، إلا أننا نجد أن الإمام الحسين عليه السلام قدم ولده الشبيه برسول الله صلى الله عليه وآله قربانا في سبيل هذه الرسالة وهذا الدين، بل قدم أيضاً ابنه الصغير الرضيع في نفس هذا المشوار. نحن نجد هاتين الشخصيتين تشتركان في امتحان القربان والفداء من أجل الدين طاعة لله عز وجل.

  • تحطيم الأصنام:

كذلك إبراهيم عليه السلام، الله سبحانه وتعالى جعله محطماً للأصنام المادية التي تُعبد من دون الله عز وجل في زمانه، فذهب إليها بعد أمر الله عز وجل فـ ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ﴾، حطم هذه الأصنام كلها وتحداها وواصل مشواره إلى الأخير ولم يخشَ في الله عز وجل لومة لائم.

وإذا كان إبراهيم الخليل قد حطم الأصنام المادية الحجرية، فإن الإمام الحسين عليه السلام قد حطم الأصنام البشرية التي كانت تضل الناس عن سبيل الله عز وجل مثلما كانت تلك الأصنام الحجرية تضل الناس عن عبادة الله الواحد الأحد، ومضى على هذا الطريق إلى الأخير حتى استشهد في سبيل ذلك.

إبراهيم الخليل عليه السلام تحدى تلك الأصنام مع أنه كان هناك تهديد أن يُلقى به في النار، ولكن الله سبحانه وتعالى جعلها عليه برداً وسلاماً. وبالنسبة إلى الحسين عليه السلام، تحدى طغيان بني أمية والأصنام البشرية التي أقيمت من غير هداية وإنما لتضل عن سبيل الله عز وجل.

وسبحان الله، هذا التحطيم للأصنام إلى يومك هذا يجد الإنسان أثره وينتاجه في أنه من كان مضلاً عن سبيل الله من الطواغيت والجبت، نهضة الحسين عليه السلام وتضحية الحسين فضحت هؤلاء. ولذلك لا غرابة أننا وجدنا أن هذه الأصنام البشرية ظلت على حرب مع الحسين عليه السلام ولم تتوقف هذه الحرب (يعني ما كان فقط حربه مع يزيد، وإنما وجوده، وجود مثاله، وجود فكرته ومنهجه في الأمة كان يرى فيه بقية الخلفاء من بني أمية وبني العباس ومن بعدهم يرون فيه تحدياً لهم). ولذلك سعوا لتدمير قبره، ولذلك سعوا لمنع شعائره، ولذلك قاموا بهذه الأعمال لأنهم يرون وجود هذا المثال في الأمة على النقيض منهم وهو يتحداهم ويبعث في النفوس العزة والكرامة التي تشجع الناس على مقاومة هذه الأصنام البشرية التي تأتي بأحكام ما أنزل الله بها من سلطان.

فإذاً نحن نجد في هذين المثالين أن كلا الشخصيتين (النبي إبراهيم والإمام الحسين عليه السلام) أعلناها حرباً على طواغيت زمانهما، على الأصنام الحجرية والأصنام البشرية، ولم يخشيا في ذلك الأمر لومة لائم على الإطلاق.

  • قبلة القلوب وكعبة العشاق:

بل أكثر من هذا، نجد في وجوه التشابه أن إبراهيم الخليل على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام بنى لله بيت التوحيد (الكعبة) ودعا الله سبحانه وتعالى بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليه والى من حوله، واستجاب الله سبحانه وتعالى له ذلك، فأعلى شرف الكعبة المقدسة وجعل أفئدة الناس تهوي إليها من آخر بلاد الدنيا، يصرفون الأموال بشوق ومحبة كبيرة للوصول إلى الكعبة المشرفة.

الحسين عليه السلام قبره تحول إلى شيء من هذا القبيل، وكأنه كعبة لعشاقه وكأنه بيت من البيوت التي يقصدها المؤمنون وتهوي إليها أفئدة الموالين للحسين عليه السلام. تنظر إلى زيارة الأربعين والى زيارة عاشوراء في أيام محرم وسائر الزيارات، قلت لكم مثلاً هذا الآن ٥٨ زيارة أشار إليها أئمة الهدى عليهم السلام. وأما الحضور الشخصي من قبل الناس فيتحدث عن ملايين، بحيث لا يصدق الإنسان بحسب مقاييسه البسيطة كيف أن هذه الجموع الغفيرة المليونية تحتضنها هذه الأرض من شتى أقطار الدنيا. أقام النبي إبراهيم بناء التوحيد وكعبة العبادة، وأقام الحسين عليه السلام بمرقده الشريف بيت الولاية وكعبة المحبين لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله.

الحسين وارث موسى كليم الله

بالنسبة إلى «يا وارث موسى كليم الله»: نبي الله موسى على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام هو أحد أنبياء أولي العزم، بمعنى أن رسالته كانت رسالة عامة للبشر بخلاف بعض الأنبياء الذين كانت رسالتهم محدودة في أماكنهم. موسى عليه السلام كانت رسالته عامة، نعم اليهود المخطئون والذين حرفوا رسالته جعلوا هذه الرسالة عنصرية ومحدودة بقوم وبالتالي أضروها ولم ينفعوها، وإلا بحسب اعتقادنا نحن المسلمين -قبل أن يطرأ التحريف على التوراة وعلى الثقافة التي جاء بها نبي الله موسى- هي متفقة تمام الاتفاق مع ما جاء به نبينا محمد (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد).

نبي الله موسى كان الله عز وجل عندما كان في طريقه عائداً من عند شعيب مع أهله، وإذا به يرى ناراً بعيدة فاتجه إليها يلتمس منها الدفء، فإذا بالشجرة التي كانت -وهذا مما جعله يتعجب: شجرة في وسط النار ويخرج منها الصوت!-: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾. فكان الله سبحانه وتعالى قد كلمه بخلق الصوت في تلك الشجرة التي هي في وسط النار، بحيث يسمع هذا الصوت المخلوق من الله عز وجل من كافة جهاته، هذا واحد. وفي موضع آخر عندما طلبه -بعد أن أسس دعوته وأنجى بني إسرائيل من فرعون وكيده- طلبه لميقات ربه: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَىٰ ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾، ذهب إلى ذلك المكان لمناجاة الله عز وجل والدعاء له.

في حياة الحسين عليه السلام، سواء كان في كربلاء أو ما قبل كربلاء، نجد هذه المناجاة بين الحسين عليه السلام وبين الله سبحانه وتعالى في «دعاء عرفة» (والحمد لله أنتم مطلعون عليه كيف يكلم الحسين الله سبحانه وتعالى ويناجيه تلك المناجاة الطويلة المفصلة؛ مناجاة العارفين، مناجاة المتألهين التي لا تزال باقية كدرس من الدروس لمن أراد أن يعرف الطريق إلى الله).

وهذا لم يختص فقط في مثل دعاء عرفة، بل حتى في يوم العاشر من المحرم في أول المعركة مناجاة الحسين عليه السلام لبارئه: «اللهم متعالي المكان، عظيم الكبرياء... أدعوك محتاجاً، وأسالك مكروباً، افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين»، هذا افتتاح يوم عاشوراء. وبعد أن صُرع سلام الله عليه في ذلك اليوم، كان في مناجاة مع الله سبحانه وتعالى يخاطب بارئه: «إلهي رضاً بقضائك، لا معبود سواك يا غياث المستغيثين».

أكثر من هذا، يشير بعض الباحثين إلى أن التجربة التي مر بها بنو إسرائيل تتشابه مع التجربة التي مر بها بعض أبناء الأمة، في أن بني إسرائيل وجدوا من يحرف مسير النبوة وهو السامري بعدما أنجاهم موسى وخرج بهم من كيد فرعون، وإذا بهذا الرجل (أي السامري) بعد ذهاب موسى إلى مناجاة ربه تراه يحرف مسيرتهم واتخذ لهم من حليهم ذلك العجل الجسد وسواه بطريقة يكون له خوار وصوت وقال: ﴿هَٰذَا إِلَٰهُكُمْ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ﴾ فحرف مسيرتهم، لولا أن تداركهم الله بهارون وبمن جاء من بعده.

هذه التجربة سنجد شيئاً منها في الأمة، حيث إنه بعدما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وإذا ببني أمية بسابق تخطيطاتهم غيروا المسار وحرفوا المسار، لولا أن الله سبحانه وتعالى منّ عليهم بأن كان هناك أمير المؤمنين وذريته وفي طليعتهم الحسين سلام الله عليه الذين وقفوا في وجه هذا الانحراف، وحينئذ استطاعوا أن يحفظوا الأمة من الانحراف الكلي. وعُرف بين الناس خط رسول الله صلى الله عليه وآله الأصلي (عترة أهل بيتي) وخط غيرهم الذي يشبه ما صنعه السامري في أمة موسى.

الحسين وارث عيسى روح الله

«السلام عليك يا وارث عيسى روح الله»: أول وجه من وجوه التشابه بين هاتين الشخصيتين العظيمتين في جهة الأمهات؛ فإن عيسى بن مريم أمه الصديقة البتول مريم ابنة عمران عليها السلام التي كانت من القديسات وهي من سيدات أهل الجنة. وفي هذا المعنى تتطابق هذه الصفات مع الحسين عليه السلام، فإن أمه فاطمة؛ فاطمة بنت محمد (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد)، وهي صلوات الله وسلامه عليها أيضاً البتول وهي أيضاً الزهراء وهي أيضاً المطهرة المعصومة، وهي سيدة نساء الجنة وسيدة نساء أهل الجنة من الأولين والآخرين. وتشبهها إلى حد ما مريم في أنها من سيدات الجنة، هذه سيدة النساء على وجه الإطلاق، وتلك من سيدات الجنة، هذه أنجبت عيسى بن مريم، وتلك أنجبت أبا عبد الله الحسين صلوات الله وسلامه عليه.

ووجدنا في أحاديث رسول الله هذا الاقتران بين مريم ابنة عمران وبين فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله.

وأما عيسى وزهده فكان الحسين أيضاً كذلك، وإلا كان بإمكان الحسين عليه السلام أن يسلم شيئاً قليلاً فيربح الدنيا ويعطيه الأمويون كل ما أراد لو استجاب لهم ولو بايع ولو عمل معهم، لكن زهده في هذه الدنيا وزهده في هذه الحياة جعله ينصرف عنها وعن شهواتها وأموالها، فشابه في ذلك عيسى بن مريم صلوات الله وسلامه عليهما.

وأما قضايا مثل إبراء المرضى وما شابه ذلك، فأيضاً نحن نجد هذه الصفة عند الحسين عليه السلام، بل نجدها في تراب قبره بما جاء في الأحاديث المعتبرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله من أن الله عوض الحسين عن شهادته بأن جعل الأئمة من ذريته وجعل الشفاء في تربته. إذا كان عيسى بن مريم يحتاج إلى ممارسة مباشرة بحيث هو يأتي ويبرئ الأكمه والأبرص ويعالج بشكل مباشر، فإن الإمام الحسين عليه السلام يكفي أن تكون تربته مصدراً من مصادر الشفاء بحسب هذه الروايات أولاً، وبحسب التجارب الكثيرة المتواترة التي تبلغ شيئاً لا يمكن أن يتطرق إليه الشك من أحد.

الحسين وارث محمد وأمير المؤمنين

«السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله» (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد). أما مشابهة رسول الله ووراثة الحسين عليه السلام لذلك، فيكفينا هذا الحديث: «حسين مني وأنا من حسين». هذه الكلمات التي تبدأ بالحسين وتنتهي بالحسين وتتوسط بالحسين، بحيث يكون وجود رسول الله صلى الله عليه وآله من الحسين!

وهذا غريب؛ معروف أن الحسين من رسول الله باعتبار أنه ابن ابنته فهو منه، لكن كيف يكون الرسول من الحسين؟ وهذا الحديث معروف بين الفريقين مشهور بين المسلمين، يبقى أن يتأمل الإنسان في معناه. كأن بقاء الرسالة المحمدية واستمرار ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وديمومة الشريعة النبوية إنما كان من فضل تضحية الحسين عليه السلام وبعد عطائه هذا الذي لا حد له. فكان الإسلام محمدي الوجود -كما قال بعض العلماء- حسيني البقاء والاستمرار، فصار النبي من الحسين بهذا.

لولا تضحية الإمام الحسين عليه السلام لتحققت كلمات مخالفي رسول الله صلى الله عليه وآله ممن قال: «لا والله إلا دفناً دفناً»، وممن قال: «لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل»، وغيرهم ممن قال كلمات تعبر عن مخزون فكرهم وتوجهاتهم في إزالة الإسلام والقضاء عليه. نهضة الحسين عليه السلام أبقت هذه الرسالة المحمدية وبينت للناس الخط الصحيح في الدين، فبقي هذا الدين إلى يومك هذا ببركات هذا الدم الحسيني الشريف.

بل أكثر من هذا أيضاً، امتداد رسول الله صلى الله عليه وآله النسبي أولاً ثم المعنوي والرسالي ثانياً إنما كان من جهة الحسين وأخيه الحسن. في الأمر الأول (أي النسبي) لولا الحسن والحسين لتحقق ما أراده كفار قريش عندما قالوا إن محمداً أبتر لا ولد له وعن قريب يموت فينقطع نسله وأصله وذكره، لكن الله سبحانه وتعالى شاء أن تكون ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال الحسنين أكبر ذرية في تاريخ البشر؛ معروفة ومحدودة الآن. لو قيل هل تستطيع أن تعد السادة الهاشميين على وجه الكرة الأرضية؟ لا يمكن ذلك، عشرات الملايين! وهذا أيضاً الذي يقول عشرات الملايين لا يعلم عن كل هؤلاء. فنسبياً بقي النبي بالحسين والحسن، ومعنوياً ورسالياً بقي النبي صلى الله عليه وآله من خلال امتداد أئمة أهل البيت عليهم السلام إلى يومنا هذا حيث نعيش في ظلال قائم آل محمد (اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد)، وهو الذي لا يزال يحمل هذه الرسالة ويتوقع منه الفرج والظهور.

نجد وجه التشابه أيضاً بين النبي وبين حفيده وسبطه الحسين عليه السلام فيما ذكرناه من قبل، عندما رفض كل العروض عليه بأن ينزل لقريش وقال: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه». والحسين عليه السلام قال: «لو لم يكن لي في الأرض ملجأ لما بايعت يزيد»، و«على الإسلام السلام إذا بُليت الأمة براعٍ مثل يزيد»، إلى غير ذلك من وجوه التشابه الكثيرة.

وأما شبهه بأمير المؤمنين عليه السلام: «السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين عليه السلام»، فهو أمر التفت إليه حتى الأعداء فضلاً عن القريبين. لقد قال عمر بن سعد وهو على خط المواجهة مع الحسين عليه السلام عندما جاءه الشمر برسالة حاسمة من ابن زياد (إنه اليوم التاسع، اعرض على الحسين النزول على حكمي فإن فعل وإلا فاقتله، وإذا قتلته فأوطئ الخيل صدره وظهره إلى آخر ما قال)، فقال عمر بن سعد للشمر: «والله لا يجيب الحسين إلى هذا، إن نفس أبيه بين جنبيه؛ علي بن أبي طالب!»، وما كان فيه من عزة وما كان فيه من عنفوان في داخل نفسه، هذا هو الحسين.

في مرة أخرى وقف الحسين عليه السلام يخاطبهم فقطع عليهم قائدُهم خطابَه، قالوا له لما قال: «ويحكم إنه ابن أبي طالب! والله لو وقف عامة نهاره يخطب لما عَيِيَ أو حَصِرَ أو عجز، لو من الصباح إلى المساء يتكلم ما يعيا ولا ينقص ولا يتعثر، فإنه ابن أبيه!». ابن أبيه في بلاغته، ابن أبيه في شخصيته، ابن أبيه في قوته، وهكذا في شجاعته صلوات الله وسلامه عليه. ولذلك واجه منفرداً ذلك الجيش اللجب الذي اجتمع عليه.

المجلس والمقتل الشريف

إلى هذه الدرجة يقول الراوي: «فوالله ما رأيت مكثوراً قد قُتل أصحابه وأهل بيته وهو يقاتلهم فلا يزداد وجهه إلا إشراقاً!». المكثور تدري يعني شنو؟ المكثور يعني واحد في الوسط والجيش كله يحيط به من كل الجهات شبه الدائرة، يعني إذا تقدم إلى الأمام ليقاتل هؤلاء يطعنه من خلفه، وإذا أراد أن يقاتل من هو على يمينه يأتيه من هو على يساره. لذلك لما تسمع أنه «فصار جلد الحسين ودرعه كالقنفذ من كثرة السهام»، تصور واحد في المركز والكل يرميه بالسهام من جهة اليمين والشمال ومن الأمام ومن الخلف!

بأبي وأمي هذا المكثور الغريب الفريد صلوات الله وسلامه عليه. لذلك اشتدت الجراحات بأبي عبد الله الحسين عليه السلام، أول الأمر رجع إلى الخيام لكي يودع نساءه وأطفاله، ودع النساء وتعلقن به؛ هذه تشمه وتلك تضمها، هذه تقول: «أبا رُدَّنا إلى حرم جدنا»، وتلك تقول: «إلى من تتركنا بعدك؟». فخرج عنهن لما أمره الله سبحانه وتعالى أن يضحي بنفسه الشريفة من أجل أن يبقى هذا الدين.

فحمل على القوم تلك الحملة وأحاطوا به من كل مكان بعد أن كانوا يبرزون إليه واحداً بعد الآخر فيجدلهم؛ هذا يقطعه نصفين وذاك يضربه من رأسه إلى نصف صدره. فنادى فيهم عمر بن سعد: «ويحكم لا تبرزون للحسين! أتدرون من تقاتلون؟ هذا ابن الأنفع البطين، هذا ابن قتال العرب! لا يبرز إليه أحد!»، فقالوا: «ماذا نصنع يا عمر؟»، فقال: «احملوا عليه من كل ناحية ومكان!».

(شعر شعبّي/رثائي):

وَدَارْ العَسْكَرْ عَلَى حْسَيْنْ

دَارْ العَسْكَرْ عَلَى حْسَيْنْ، يَا حَفْنَة نَاسْ بَالرِّمَاحْ وَنَاسْ بَالْسَّيْفْ

يِشْبُه دُورْهَا عَلَى اللَّيْثِ المَخِيفْ بَيَاضِ العَيْنْ بَصُبَيِّهَا يَتْدَوَّرْ

جاءت السهام من كل مكان والنبال من كل ناحية، واشتد النزف بالحسين سلام الله عليه، هذا وقد كظه الظَمَأ. تدري الواحد اللي ينزف يحتاج إلى ماء حتى يعوض، كيف والحسين من صبيحة ذلك اليوم لم يبل ريقه بشيء من الماء وفوق هذا أيضاً هذا النزف منه؟!

وقف الحسين سلام الله عليه ليستريح ساعة...

(شعر شعبي/رثائي):

وَقَفْ يَسْتَرِيحْ حْسَيْنْ سَاعَة

ضَعِفْ حِيلَه وَثِقِلْ بَالْسَّيْفْ بَاعَه

إِيشْ صَارْ؟ وَرَنّ الحَجَرُ مِنْ وَجْهِه بَشُعَاعَه

وَدَمُّه مِثْلِ مَايِ العَيْنْ فَوَّارْ

شَالْ حْسَيْنْ ثَوْبَه يَمْسَحِ الدَّمْ

وَلَمَسِ السَّهَمِ المُثَلَّثْ نَاجِ بَسَبَبَه

وَقَعْ؟ لا، وِخَّرْ وَجَدَّمْ وَدَمُّه مِثْلِ مَايِ العَيْنْ فَوَّارْ

وقع ذلك السهم في أحشاء الحسين فسالت دماؤه غزيرة. من ضعف بأبي وأمي عن الاستمساك على ظهر الفرس، أخذ يتمايل يميناً وشمالاً، أحس الفرس بأن خيّاله ليس كما يريد فتدانى إلى الأرض وهوى الحسين قائلاً: «بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله»، ووقع إمامنا على التراب.

فصنع له وسادة؛ عين يرقب بها الأعداء وعين على المخيم. مرغ الفرس نحره وناصيته بدم الحسين وانطلق إلى خيم النساء. فلما رأين النساء جوادك مخزياً، ونظرن السرج عليه ملوياً، برزن من الخدور ناشرات الشعور، على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات وبعد العز مسبيات.

ما أقدر أكمل لك يا عزيزي، لا تطلب مني أن أكمل لك باقي المشهد، لكن نستعير أشعار هذا الشاعر:

فَأَقْبَلْنَبِ رَبَّاتُ الحِجَا ... وَلِلأَسَى تَفَاصِيلُ لا يُحْصِي لَهُنَّ مُفَصِّلُ

فَوَاحِدَةٌ تَحْنُو عَلَيْهِ تَضُمُّهُ ... وَأُخْرَى عَلَيْهِ بَالرِّدَا تُظَلِّلُ

وَأُخْرَى بِفَيْضِ النَّاحِرِ تَصْبُغُ شَعْرَهَا ... وَأُخْرَى تُفَدِّيهِ وَأُخْرَى تُقَبِّلُ

وجاءت لشمر إن زينب ابنة فاطمة تخاطبه في أمره وتعذل:

يَا خَايِبْ خَلِّ اخُويَا حْسَيْنْ سَاعَة

أَغْمَضْ وَأَمِدَّ لِلْمَوْتِ بَاعَه

مَا هُوَ شَمَّامَةِ الحُلْوَة؟

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة