في ظلال زيارة الإمام الحسين: زيارة وارث
بسم الله الرحمن الرحيم.
عن جابر الجعفي قال: قال أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) للمفضل: «كم بينك وبين قبر الحسين؟» قلت: بلى -بأبي أنت وأمي- يوم وبعض يوم آخر. قال: «فتزوره؟» قال: نعم، قال: «ألا أبشرك؟ ألا أفرحك ببعض ثوابه؟» قلت: بلى، جعلت فداك. قال: «إن الرجل منكم ليأخذ في جهازه ويتهيأ لزيارته فيتباشر به أهل السماء، فإذا خرج من باب منزله راكباً أو ماشياً، وكَّلَ اللهُ به أربعة آلاف مَلَكٍ من الملائكة يصلون عليه حتى يوافي قبر الحسين (عليه السلام)».
تحدثنا في ليلة مضت عن بعض ما لزوار الحسين (عليه السلام) من الثواب والأجر، وتوسعنا قليلاً في الروايات التي تقول إن زيارة الحسين تعدل حجة وعمرة، بل حجات وعمرات. وحيث إن هذه القضية عادة يثيرها بعض المخالفين للمذهب، أجبنا بإجابات مفصلة عليها في ليلة مضت.
هذه الليلة نتحدث عن شيء مما يوضح الزيارة المشهورة المأثورة المروية بأكثر من سند للإمام الحسين (عليه السلام)، وهي المعروفة بـ «زيارة وارث».
زيارة وارث ذكرها الفقيه الأقدم جعفر بن محمد بن قولويه القمي (المتوفى سنة ٣٦٨ هـ)، والذي هو من تلامذة الشيخ الكليني (أعلى الله مقامهما)، ومن أساتذة الشيخ المفيد شيخ الطائفة محمد بن النعمان العكبري (رضوان الله تعالى عليه). ويعتبر كتابه -كما ذكرنا في ليالٍ مضت- من الأصول التي يتم الاعتماد عليها في موضوعها، بل في غير موضوعها أيضاً؛ حيث إن بعض العلماء ذهب إلى وثاقة كل من ورد اسمه في هذا الكتاب من الرواة، نظراً لتنصيص المؤلف في مقدمة كتابه على أنه إنما ينقل الروايات عن الثقات إلى الأئمة الهداة، وهذا حديث قد مضى.
هذه الزيارة المباركة بعنوان «زيارة وارث» وردت في هذا الكتاب أكثر من مرة:
- تارة يرويها جابر الجعفي مباشرة عن الإمام الصادق (عليه السلام).
- وأخرى يرويها أبو حمزة الثمالي عن الصادق (عليه السلام).
وإحداهما -وهي التي سنتحدث عنها هذه الليلة وربما الليلة القادمة- هي زيارة وارث المختصرة، والزيارة الأخرى زيارة مفصلة وطويلة، وهي أيضاً تبدأ بنفس بداية: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله..." إلى آخره، وعرفت بزيارة وارث.
هناك زيارتان أيضاً يُزار بهما أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بعنوان «زيارة وارث»:
- إحداهما لأمير المؤمنين (عليه السلام).
- والثانية للإمام الرضا (عليه السلام).
إلا أن بعض العلماء يقولون إن هاتين الزيارتين وجدتا في بعض كتب الأقدمين، فهذا يعني أن سندهما غير معلوم عندنا، وبالتالي الاعتماد الأكبر إنما هو على زيارة وارث التي يُقصد بها الإمام الحسين (عليه السلام)؛ حيث إنها وردت في هذا الكتاب (كامل الزيارات) بأكثر من سند، وجرى عليها العلماء، وعُرفت بزيارة وارث.
الوارث الأصلي هو الله سبحانه وتعالى؛ لأنه الباقي بعد كل خلقه. والوارث في اللغة العربية هو الذي يكون باقياً بعد موت من يتقدمه، فينقل ميراثه وأملاكه إليه. إنسان والده يتوفى وهو باقٍ على قيد الحياة، فهذا يسمى وارثاً؛ لأنه باقٍ بعد حياة أبيه، وينتقل المال الذي كان لأبيه بحسب حصته ونسبته انتقالاً قهرياً بحكم الشرع. لا يستطيع مثلاً الأب -وهو المورث- أن يقول مثلاً: «احجبوا المال عن ابني فلان لأنني غاضب منه»، أو «لا ترث ابنتي من أموالي لأن هذا المال سيذهب مثلاً إلى زوجها ويخرج من أسرتنا»، هذا لا يستطيع أي مورّث أن يصنعه، وقصارى ما يستطيع أن يتحكم فيه هو مقدار الثلث؛ لو أوصى بحجب الثلث فلا مشكلة، لو أوصى بأن يُعطى الثلث لواحد من الأولاد دون الباقين فله حق ذلك أيضاً. وأما أصل الميراث، فهو انتقال قهري من المورث إلى ورثته على وفق الحكم الشرعي الذي جاءت أحكامه في الكتاب الكريم وفي سنة النبي محمد.
ووارث كل شيء هو الله سبحانه وتعالى؛ الله يرث الأرض ومن عليها لأنه الحي الباقي الذي لا يموت، بينما كل مَن وما عدا الله يموت، ويبقى الملك للحي القيوم.
وراثة الأمور المعنوية والمناصب الإلهية
هنا زيارة وارث نُسبت إلى هذا الاسم باعتبار المطلع؛ باعتبار أن مطلعها: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله". ومن الواضح أن هذه الزيارة فيها إشارات وتنصيصات على أن الإمام الحسين (عليه السلام) وارث للأنبياء.
وهنا مسألتان:
المسألة الأولى:
أن الأمور المعنوية عادة لا تدخل في قضية الميراث؛ مثل أن والد هذا الإنسان كان عالماً، فلا يرث ابنه العلم بالضرورة، وإنما يحصل على العلم من خلال جهده وسعيه. شاعر، أديب، حليم، كريم، سمح... هذه الأمور المعنوية الغالب فيها -إن لم يكن الدائم- أنها لا تُوَرَّث كما تُورَّث الجينات من السابق إلى اللاحق، وإنما الذي يُوَرَّث هو الأمور المادية والأمور المالية إذا كان بين الطرفين قرابة معينة.
في مسألة وراثة الأنبياء، وقد استدلت بذلك سيدتنا الصديقة الزهراء (صلوات الله والسلام عليها) في مثل: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾، وقال فيما اقتص من خبر يحيى بن زكريا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾؛ زكريا كان يطلب الولد لكي يرثه، فهذا المقصود منه هو وراثة الأشياء المادية والأموال التي هي انتقال قهري.
بينما الأمور المعنوية (العلم، المناصب الاستثنائية) لا تأتي من خلال الوراثة، وإنما هي في الغالب تعبير مجازي عن انتقال ذلك العلم. مثلاً إذا قيل: «الحسين وارث علم جده»، فالمقصود هو أنه يعلم علم جده، انتقل إليه لا على النحو الأول من الانتقال الذي يحصل في الأمور المادية (ليس انتقالاً قهرياً)، وإنما في مثل هذه الحالة منَّ اللهُ عز وجل عليه، ولطف به، واختصه. وإلا لو كان كذلك، لكان مثلاً كل أبناء الأئمة يرثون العلم، والحال أنه ليس كذلك؛ وإنما من اختصهم الله بالوصاية والإمامة. الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) -فيما يُنقل في التاريخ- عنده حوالي ١٦ ولداً، لكن الذي ورث عنه علمه هما الحسنان (سلام الله عليهما)، والباقون تفرقوا؛ بعضهم قد ورث علماً كثيراً بمعنى تعلم من أبيه، والبعض الآخر لم يتعلم شيئاً.
فلا بد أن نلاحظ أن قضية الوراثة في الأمور المعنوية والمناصب الإلهية وما شابه ذلك لا تخضع لقانون الوراثة، وإنما التعبير بها هنا إشارة إلى أنه قد حصل على كل ما كان لدى المورّث، لا أنه انتقل إليه انتقالاً قهرياً كما ينتقل المال إلى الأبناء المباشرين.
وبهذا يُجمع بين ما ورد في القرآن الكريم في مثل الآية المباركة: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وهو ناظر إلى الأمور المادية، و﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ وهو الذي استدلت به الزهراء (عليها السلام) فيما يرتبط بأمور المال والميراث المادي، يُجمع بهذه الفكرة بين الآيات المباركات هذه وبين قول الله لإبراهيم: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ إبراهيم طلب أن تكون النبوة والاختصاص والاصطفاء الإلهي في أبنائه وذريته، فقال له الباري سبحانه: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾؛ أي في ذريتك من هو مصطفى ينال هذه الأشياء، ومن هو غير ذلك (ظالم، مذنب، متخلف عن التخلق بأوامر الدين) فهذا لا ينال الإمامة ولا النبوة.
بهذا المعنى نستطيع أن نجمع بين الآيتين والنمطين من الآيات المباركات.
وراثة الأنبياء بناءً على هذا المقصود منها هو أن ما كان لدى النبي من علوم، من كمالات، من موقع في الهداية، هو عند الإمام، وأن هذا لم ينتقل إليه بالوراثة النسبية؛ فنحن نعلم مثلاً أن بين آدم وبين الحسين آلاف السنين، وأبناؤه المباشرون -إذا كان المفروض أن يكون أمراً وراثياً- هم الذين يرثون ذلك. وإنما المقصود منه أن ما كان لدى آدم من العلوم والميزات والصفات والخصائص قد انتقل وصار وعَلِمَهُ الحسينُ (عليه السلام) كما سيأتي الحديث بعد ذلك، وهكذا الحال في سائر الأنبياء.
نعم، ورد كثيراً هذا التعبير عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «نحن ورثة الأنبياء»، وأيضاً في الزيارات (الزيارة الجامعة) أيضاً عندما تُعدَّد صفات الأئمة (عليهم السلام): "أهل التقوى، وأعلام الهدى، وورثة الأنبياء..." وهكذا. بل في أكثر من زيارة وُصِف الإمام الحسين (عليه السلام) بأنه ورث الأنبياء، غير زيارة وارث أيضاً. المقصود منه: ما كان لدى هؤلاء الأنبياء من كمالات ومن علوم ومن مناصب سوى النبوة هي أيضاً عند الإمام الحسين (صلوات الله وسلامه عليه). هذا في أمر توضيح قضية الوراثة والوارثية وكون الحسين (عليه السلام) وارثاً لأولئك الأنبياء.
وجه المشابهة بين نهضة الحسين وحركة الأنبياء
قبل أن نبدا في شرح جهات الوراثة بين الحسين وبين سائر الأنبياء، نشير إلى أن الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته أعطى تصريحات، وألقى كلمات، وتفوه بآيات فيها إشارات إلى وجه المشابهة بينه وبين الأنبياء السابقين؛ يعني: «هذا مسيري، هذه نهضتي، هذا خروجي مشابه لما كان عليه الأنبياء».
- فهو (صلوات الله وسلامه عليه) أول ما أراد الخروج من المدينة وكتب كتابه لأخيه محمد بن الحنفية مبيناً فيه شيئاً من أهدافه: وأنه يشهد أن لا إله إلا الله... إلى آخره، «وأني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي». هذا التعبير "طلب الإصلاح" نجد صداه في حياة نبي الله شعيب عندما كان يخاطب قومه ويقول: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ﴾. هذه المشاكلة والمشابهة بل الاستشهاد بهذا المعنى يشير إلى وحدة المسير وإلى وحدة الخط الرسالي والنبوي والإمامي في هذه الحياة.
- في موضع آخر، الإمام (عليه السلام) يستشهد بالآية المباركة في أثناء مسيره ويقول: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، مستحضراً موقف موسى بن عمران عندما خرج من المدينة القبطية ومن فتك وبطش فرعون متجهاً إلى جهة مدين؛ حيث سيلتقي بشعيب هناك. يتمثل الإمام الحسين (عليه السلام) بما قاله نبي الله موسى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ القَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾؛ أورد هذه الآية المباركة في خروجه.
- وفي خطبه كان كثيراً ما يكرر هذا المعنى: «إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برماً».
- وإذا كان عيسى بن مريم قد استنصر قومه في نصرته وقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (يعني: من أنصاري مع الله؟ من هو الذي يناصرني في طريق الهدى؟)، نجد تردد صدى هذا الكلام في كربلاء في استنصار الحسين (عليه السلام) عندما قال: «أَلا من ناصر ينصرنا؟ ألا من ذابٍّ يذب عنا؟ ألا من مغيث...» إلى آخر كلماته (صلوات الله وسلامه عليه).
- واستشهاده بكلام جده سيد الأنبياء محمد:.
فهناك رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه»، والحسين (عليه السلام) يصرح بمعلم هذا الكلام: «والله لو لم يكن لي ملجأ من الأرض لما بايعت يزيد بن معاوية». هناك: «لو يصنعون كل شيء يريدون أن يصنعوه، أنا لا أترك هذا المسير وأمضي عليه» (قول رسول الله). وهنا سبطه وابن بنته (صلوات الله وسلامه عليه) يقول: «حتى لو ضاقت الأرض كلها ولم يكن هناك ملجأ فيها، أنا لا أبايع يزيد ولا أذني رأسي للذلة والبيعة معه».
وهكذا تجد مع الاستقصاء كثيراً من موارد الاستشهاد تارة، والمشابهة والمشاكلة أخرى بين الإمام الحسين (عليه السلام) في نهضته وبين الأنبياء والرسل السابقين.
نرجع إلى قضية الزيارة؛ الإمام الصادق (عليه السلام) في هذه الزيارة المختصرة وزيارة أخرى فيها يعلمه أدب الزيارة (تلك مفصلة). يقول له أولاً الراوي في الزيارة الثانية المفصلة يسأله: «إني أريد زيارة جدك الحسين فماذا أصنع؟» وهذا يتبين -مع أن الذي يسأل هذا السؤال مثل أبي حمزة الثمالي، وهو عالم من علماء أهل البيت، له تفسير كبير للقران الكريم، وكان من أصحاب الإمام السجاد ومن أصحاب الإمام الباقر وأخيراً من أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)، فمرتبته مرتبة عالية- مع ذلك يسأل الإمام الصادق (عليه السلام) عماذا يصنع؟ يعني: ما هو أدب الزيارة المطلوب في هذا؟
فالإمام في تلك الزيارة -وهي أيضاً تبدأ بـ "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله" - يعلمه آداب الزيارة. نفس هذا الاستفسار والاستفهام من أبي حمزة الثمالي يعلمنا أدباً في هذا الموضوع.
هناك قسم من الناس يذهب إلى العمرة -وهذا ابتُلي به في السؤال- تذهب امرأة ويذهب رجل، يوصل هناك يقول لك: «أنا الآن أريد أن أحرم بس ما أدري ماذا أفعل!»، طيب أنت ذاهب إلى هناك وهذه أعمال كثيرة، بعض الأخطاء فيها قد تبطل عمرتك، وبعضها يورطك ويجعلك -لا سيما على مسالك بعض العلماء- في حالة إحرام دائم؛ ما تذهب بنفسك لتصحيح العمرة أو ترسل نائباً عنك فتبقى ولو إلى ٢٠ سنة في حكم من هو محرم لا سيما على رأي بعض العلماء.
هذا المنسك الذي أنت ذاهب إليه وهو مستحب في الأساس، ألا يستحق منك السؤال؟ ألا يستحق منك القراءة؟ ألا يستحق منك استرفاق مرشد؟ ألا يستحق أن تتابع جماعة قد سبق لهم مثلاً العمرة وعرفوا أحكامها؟
فأبو حمزة في قضية مستحبة يأتي ويسأل الإمام الصادق (عليه السلام): «ماذا أصنع؟»، فيأمره بأن: «تأتي إذا وصلت إلى شاطئ الفرات فاغتسل وقل كذا وكذا وكذا، ثم امشِ إلى المكان الفلاني وسبح الله وقدسه وقل كذا وكذا...».
وهذا فيه إشارة؛ يعني قضية تسبيح الله عندنا في أكثر من زيارة -وهذا مهم- مثلاً في الزيارة الجامعة الكبيرة قبل أن تبدأ، بتسبيحات لله عز وجل (تكبير، تهليل ١٠٠ مرة أو ٣٣ مرة)، لماذا؟ هذا فيه رسالتان:
- رسالة لك أنت: أن الأصل والأول والآخر في حركتك هو الله سبحانه وتعالى، وهو الذي جعلك تأتي إلى هذا المكان، منعاً للإنسان عن الغلو فيمن يزورهم.
- رسالة أخرى إلى خارج هذا الإطار: لمن يزعم بأن هذه الأعمال فيها شرك وفيها كذا، لا؛ نحن أول ما نبدأ بذكر الله عز وجل ونؤكد عليه، وأصل خروجنا وطلعتنا إلى ذلك المكان إنما هو بأمر الله عز وجل.
المهم، بدأ في زيارتنا هذه التي نحن فيها؛ بدأ الإمام الصادق (عليه السلام) ببيان ما لزائر الحسين (سلام الله عليه) وقال: «أول ما يخرج من باب داره يوكِّل الله سبحانه وتعالى ٤٠٠٠ مَلَكٍ من الملائكة يصلون عليه ويطلبون من الله بالتالي إعلاء منزلته ورفع شأنه عنده». وهذا واحد من الثواب.
ذكرنا في ليلة مضت أن الروايات تتكثر وتتعدد في أمر الثواب بمختلف الأشكال؛ منها: «أن كل خطوة له بـ ١٠٠٠ حسنة، ويُرَفَّع له ١٠٠٠ درجة، ويُغْفَر له ١٠٠٠ سيئة». وبعضها الآخر يقول: «هي حجة»، وبعضها يقول: «حجة وعمرة بل حجتان وثلاث...» وهكذا. وبينا وجه الاختلاف بين درجات الثواب هذه فلا نعيد هذا الأمر.
فيبدأ الإمام (عليه السلام) يخبره بما له ولزوار الحسين -كتبكم الله وإيانا من زوار الحسين عليه السلام- ثم يبدا بالسلام: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله".
أذكر مرة أخرى وأؤكد عليه كما قلنا: إن الخريطة العامة للزيارات هي:
- سلام في بداية.
- ثم شهادة بعقائدك وما تعرفه عن المزور.
- ثم أخيراً دعاء.
الغالب في الزيارات هذا هو البرنامج الخاص بها. هنا أيضاً سوف نرى نفس الأمر موجوداً؛ فيبدأ بالسلام عليك. تارة يسلم على المزور بأموره الخاصة: «يا بن رسول الله، يا بن أمير المؤمنين، يا بن فاطمة الزهراء»، وهذه ترتبط بأمور النسب والعلاقة مع النبي ومع الصديقة الزهراء (عليها السلام). وأحياناً يبدأ بمواضعه ومراتبه ومنازله ومقاماته وشؤونه، وهنا ورد بهذا النحو، قال: "السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله، السلام عليك يا وارث نوح نبي الله".
وجوه المشابهة بين الحسين وآدم ونوح عليه السلام
وراثة آدم ووراثة نوح تحتمل وجوهاً متعددة؛ منها ما ذكره بعض المحققين من أن وجه المشابهة والوارثية بين الإمام الحسين (عليه السلام) وبين نبي الله آدم:
- في موضوع الاصطفاء: أن الله اصطفى آدم ونوحاً؛ فآدم مصطفى للنبوة من الله عز وجل.
- الذرية المصطفاة: اصطُفِيَ من ذريته تسعة أنبياء إلى نبي الله نوح (والذي هو التاسع من أبناء آدم من الأنبياء يعدونها؛ منهم شيث هبة الله، منهم إدريس، منهم مهلائيل، منهم لامك... هذه الأسماء). التاسع بعد آدم هو نبي الله نوح.
سوف نلاحظ أن هذه الصفة (صفة الاصطفاء) تحققت في آدم وتحققت في الحسين (عليه السلام)؛ فكما اصطُفي ذاك للنبوة، اصطُفي هذا للإمامة.
وجه المشابهة أيضاً أن الحسين (عليه السلام) له تسعة من الأئمة من ذريته، تاسعهم قائم آل محمد:
وأن آدم أيضاً له تسعة أبناء (أنبياء)، تاسعهم هو النبي نوح (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام).
مشابهة في أصل الاصطفاء، وفي أن من ذرية كل منهما (من ذاك كان أنبياء، ومن هذا كان أئمة)، بل المشابهة أيضاً في التاسع من أبناء هذين العظيمين: نوح الذي عُمِّر في أقل ما قيل ١٠٠٠، وفي أكثر ما قيل ٢٥٠٠ سنة. البعض عندما يقرأ الآية المباركة: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَامًا﴾ قد يفهمها أنها مدة مكثه كحياة عموماً (١٠٠٠ سنة إلا ٥٠ يعني ٩٥٠ سنة). قسم آخر -وتشير إليه بعض الروايات- أنه لا، هذه الفترة (لبثه في قومه للدعوة إلى الله عز وجل)، لا أن عمره بالكامل كان هكذا، وإلا فإن عمره يصل إلى ٢٥٠٠ سنة.
إذا تم هذا -سواء الأول أو الثاني- يمكن أن نوجد وجهاً آخر للمشابهة في طول العمر الذي كان في نبي الله نوح (سواء ٩٠٠ أو ٢٥٠٠)، وكذلك ما حصل في التاسع من أبناء الحسين (عليه السلام) الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)؛ أيضاً هذا سيكون طويل العمر.
ذاك دعوته عالمية بحيث حل العذاب بالطوفان على كل من كان معاصراً له في تلك المنطقة، وأغرق الله تلك الأرض ولم ينجُ معه إلا من ركب معه في السفينة. نعم هذا بالنسبة إلى نوح. والإمام الحسين (عليه السلام) التاسع من ولده هو أيضاً سوف يعمَّر هذا العمر الطويل.
فمشابهة نبي الله آدم لِلإمام الحسين (عليه السلام) في أصل الاصطفاء حاصلة، ثم في الأنبياء من ذريته والائمه من ذرية هذا، ثم في خصوص نوح من ذرية آدم وهو التاسع والذي يشابهه في هذا المعنى التاسع من ولد الحسين (عليه السلام) وهو الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف). هذه الفكرة أشار إليها بعض المحققين المعاصرين في بعض أطرافها وهو السيد سامي البدري، وهي فكرة جيدة وهناك قرائن عليها.
نعم، هناك بعض من أشار إلى جهة أخرى ولكن قد لا يكون عليها من القرائن والاختصاص ما يكفي؛ يعني هذه المشابهة تختص بين الحسين وبين آدم لا سيما في قضية تاسعية أبنائهما، وأن دعوة هذا عالمية ودعوة ذاك عالمية، وأن عمر هذا طويل وعمر ذاك طويل، هذه كلها نراها في الشخصيتين.
بعض العلماء أشار إلى موضوع العلم: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى المَلائِكَةِ﴾، قال: هناك مشابهة في قضية العلم؛ أن الله سبحانه وتعالى أعطى لآدم علماً كبيراً لم يكن موجوداً حتى للملائكة الذين كانوا يعبدون الله لآلاف السنين قبل خلق آدم، والحسين أيضاً كان لديه هذا العلم الكثير والغزير. هذا الكلام الذي قدمه أحد العلماء في بعض محاضراته كلام طيب، لكن للإنسان أن يتساءل: ما هو وجه الاختصاص؟ فكما عُلِّم آدم الأسماء، وعُلِّم الحسين (عليه السلام) ما أخذه عن جده، هذا الأمر أيضاً موجود بالنسبة إلى الإمام الحسن المجتبى، وموجود أيضاً بالنسبة إلى الإمام زين العابدين؛ كلهم ورثوا علم رسول الله الذي هو علم من لدن الله عز وجل.
نعتقد أن الفكرة الأولى من المشابهة بين آدم وبين الحسين، ووارثية الحسين لصفة الاصطفاء لشخصه الشريف ولأولاده، وأن جعلت الإمامة في ذريته كما جعلت النبوة في ذرية آدم، وتاسعية نوح صاحب الرسالة العالمية التي أعقبها قضية الطوفان لمن تخلف؛ هذا كله يمكن أن يُشار إليه على أنه جهة اختصاص.
هناك جهة أخرى أيضاً، وهي قضية السفينة فيما يرتبط بوارثية الإمام الحسين لنوح (عليهما السلام)؛ يمكن أن نسترشد بما ورد من أن سبيل نجاة الكل في زمان نبي الله نوح (على نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام) كان سبيل النجاة الوحيد هو سفينة نوح: ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾. تصعد جبلاً، تركب بناية، تتعلق بشجرة... لا يفيد، وإنما المنجى الوحيد هو سفينة نوح (عليه السلام)، مع أن الاعتبارات الخارجية الظاهرة تقول بعكس ذلك. يعني لو حدث مثل هذا الفيضان -على سبيل المثال- والسيول، وكنت بالخيار بين أن تركب على جبل صخري ثابت يعانق السماء علواً، وبين أن تركب في سفينة؛ الإنسان بشكل طبيعي يقول: «السفينة يمكن أن تنخرق، يمكن أن تنقلب، يمكن كذا أو ذاك... أما الجبل فماذا يهزه؟ يا جبل ما يهزك ريح -حسب ما يقولون-».
فمقتضى القياسات الظاهرية العادية أن الإنسان يذهب إلى الجبل. في ذاك الوقت يقول: ﴿لا عَاصِمَ اليَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ﴾ بأن يركب هذه السفينة وأن يكون فيها. فكل من يركب في هذه السفينة ناجٍ، وكل من يتخلف عنها ولو بزعم أنه سيعصمه جبل من الماء، ويدخل في منهج آخر غير منهج أهل البيت (عليهم السلام)؛ فلا نجاة له.
هنا أيضاً التعبير الموجود في الحديث المشهور أنه مكتوب على ساق العرش أو على يمين العرش: «إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة». استعمال هذا التعبير كبير، قد لا يكون بعيداً عن استحضار صورة سفينة نوح: "السلام عليك يا وارث آدم، ويا وارث نوح".
توجيه الشيخ التستري لمصيبة الحسين وأنبياء الله
هناك توجيه ذكره الشيخ التستري (رضوان الله تعالى عليه) -وهو من علمائنا الكبار، أحد تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري، وكان فقيداً مجتهداً وصاحب رسالة عملية، وكان يُقَلَّد في منطقة تستر أو شُشْتَر بالعربية (تُكتب تستر، وبالفارسية ششتر؛ ولذلك قد يُنسب مرة فيقال القاضي الششتري ومرة يقال القاضي التستري بناءً على هذا التعريب)- هذا الرجل مع فقاهته وكونه مرجع تقليد في منطقته وأن عنده رسالة عملية، كان يصعد المنبر ويقرأ رثاء الحسين (عليه السلام).
وهذا كان في وقته -بل في الأفق العربي- شيئاً غير سائد وغير رائج؛ كان خصوصاً حتى في أزمنتنا المتقدمة (قبل ٦٠، ٧٠، ٨٠ سنة في هذه الحوالي) ترى نادراً أن يكون عالم فقيه مجتهد له باع طويل من العلم يصعد المنبر ويقرأ الرثاء وما شابه ذلك، بل ربما في بعض الأوقات اقترن أمر أن هذا "مُلا" وأن هذا "خطيب حسيني" يعني ليس عنده علم، عنده الصوت وعنده كذا... لا، هذا الشيخ الششتري (رضوان الله تعالى عليه) كان فقيه مقَلَّداً، صاحب رسالة عملية، من أعيان تلامذة الشيخ الأعظم الأنصاري (رضوان الله تعالى عليهم أجمعين).
يقول: هناك وجوه للمشابهة بين آدم صفوة الله ونوح نبي الله؛ طبعاً هو يربطها بالمصيبة التي حلت على كلا الشخصيتين، فيقول:
آدم فُجِع قلبه برؤية ابنه هابيل مقتولاً على يد أخيه قابيل الشرير، فذاق لذعة الألم وفقده، وفقد الابن، وبالتالي تحمل ذلك وصبر، فعوضه الله سبحانه وتعالى أن جعل من ذريته شيث النبي (شيث هبة الله سبحانه وتعالى)، وبذلك برئ قلب آدم؛ لأن هابيل يُفترض بحسب المقاييس الاعتيادية أنه هو المطيع، وهو السابق إلى طاعة والده وطاعة ربه، فكان الأمل فيه.
لكن قابيل لما أخذته الغيرة والحسد والعداوة -وهذا بلاء من الابتلاءات حقيقة، إذا إنسان يفكر فيه كيف أن شيئاً بسيطاً أحياناً يسبب التغاير، حتى على أمر طاعة، هم لم يتعاركوا مثلاً على أشياء دنيوية ولا على سلطة، بل أي الطرفين يُتَقَبَّل قربانه- فتقبُّل قربان هابيل إذ قَرَّبَا قرباناً فَتُقُبِّلَ من أحدهما ولم يُتَقَبَّل من الآخر، قال: ﴿لأَقْتُلَنَّكَ﴾!
هذه الشحنة الغضبية، الغيرة التي أحياناً قد تصير عندنا؛ يعني الشجار على الدعاء في بعض المساجد -إن شاء الله ليس ذلك فيمن يسمعنا- عراك علشان الدعاء! هذا يأتي قبل ذاك، وهذا يدفع ذاك... أو على الأذان -لا سمح الله-، أو على إمامة الجماعة! ولذلك بعض علمائنا يقول: إذا تنازع شخصان في إمامة قوم، يمكن لواحد أن يفتي بأنه: «لا تصلوا وراء الاثنين»؛ لأن هذا ينبئ عن أمر في النفس لا يتناسب مع درجات العدالة التي ينبغي أن تتوفر في إمام الجماعة.
تغاير حتى في الأمور الدينية من الممكن أن يكون طريقاً إلى جرائم؛ يحسد هذا، يغار منه، يعرقل له، يتآمر عليه، يتحدث عنه حتى فقط يبعده عن هذا المسجد، يبعده عن هذه اللجنة الدينية، يبعده عن ذلك العمل الإسلامي... طيب غيرة منه وهو يقدم نفسه، هذا أي ثواب ينتظر هذا الإنسان؟!
قابيل لما فعل هذا كان يريد أن قُربانه هو يُتَقَبَّل لا قربان هابيل، فكان أن قتل أخاه قابيل؛ لأن الغضب يبدأ بشيء بسيط لكن ناره مستعرة إذا لم يسيطر الإنسان على غضبه ويفسح المجال له. لماذا عندنا مثلاً يُستحب للإنسان إذا كان غاضباً أن يغير مكانه، يخرج من هذا الجو، الطاقة المشحونة السيئة؛ أنت في هذه الغرفة اخرج منها اذهب إلى غرفة ثانية في البيت، اخرج من البيت اذهب إلى مكان آخر، إن كنت قاعداً فَقُم، وإن كنت قائماً فاذهب وتوضأ. والوضوء بعد من الأمور التي تقضي على جمرة الغيظ والغضب للإنسان. لماذا كل هذا؟ لأن هذا الغضب وهذا الغيظ من الممكن أن يجر إلى قتل الآخرين، وكثيراً ما رأينا وسمعنا وقرأنا كيف أن الغضب بداية لجريمة!
فهذا أيضاً حصل، فنبي الله آدم ذاق جمرة ولده الطائع، ولده المؤمن، ولده الذي علقت عليه الآمال.
بل ولده الرضيع أيضاً قُتل بين يديه -بأبي هو وأمي-! هذا آدم. وأنت أيضاً ترى أن الحسين (سلام الله عليه) قد فقد مثل علي الأكبر؛ شبيه رسول الله خَلْقاً وخُلُقاً ومَنْطِقاً:
لَمْ تَرَ عَيْنٌ نَظَرَتْ مِثْلَهُ ... مِنْ مُحْتَفٍ يَمْشِي وَمِنْ نَاعِلِ
مَنْ ذَا أَعْنِي؟ ابْنَ لَيْلَى ذَا السَّدَى وَالنَّدَى ... أَعْنِي ابْنَ بِنْتِ الحَسَبِ الفَاضِلِ
لا يُؤْثِرُ الدُّنْيَا عَلَى دِينِهِ ... وَلا يَبِيعُ الحَقَّ بِالبَاطِلِ
يُغْلِي بَنِي اللَّحْمِ حَتَّى إِذَا أُنْضِجَ ... لَمْ يُغْلَ عَلَى الآكِلِ
هذا الآن سيفقده الحسين (عليه السلام)، وكيف عاد إذا كان هابيل شبيه آدم، فإن علياً شبيه رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! وأين آدم وأين رسول الله؟! هذا النسخة الثانية لرسول الله (صلى الله عليه وآله).
الإمام فيما نُقل عنه يقول: «فَقَدْ بَرَزَ إِلَيْهِمْ أَشْبَهُ النَّاسِ خَلْقاً وَخُلُقاً وَمَنْطِقاً بِنَبِيِّكَ، وَكُنَّا إِذَا اشْتَقْنَا إِلَى رُؤْيَةِ نَبِيِّكَ نَظَرْنَا إِلَيْهِ». هذا أشبه الناس، عجيب! الحسين هو شبيه رسول الله، ولكنه يقول: «إذا صار عندنا شوق لرؤية النبي نذهب ونجلس إلى جنب علي الأكبر وننظر إلى وجهه».
بعد هذا الإمام الحسين بحرقة قلبه وجمرة فؤاده يقول: «اللَّهُمَّ امْنَعْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ وَبَرَكَاتِ الأَرْضِ، فَرِّقْهُمْ تَفْرِيقاً، وَمَزِّقْهُمْ تَمْزِيقاً». لك أن تلمس انفاس الحسين المتصاعدة في هذه الكلمات ودمعاته السخينة على لحيته الشريفة في وداع علي الأكبر (سلام الله عليه).
فانطلق عليٌّ إلى الميدان تشيعه دعوات أبيه وهو يقول أيضاً لعمر بن سعد: «يَا عُمَرُ، قَطَعَ اللَّهُ رَحِمَكَ كَمَا قَطَعْتَ رَحِمِي وَلَمْ تَحْفَظْ قَرَابَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ»، وتلا الآية المباركة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ في ذيل خروج علي الأكبر لكي يقاتل.
قاتل القومَ قتالَ الأبطال، والحسين ينظر إليه وقد صعد على مرتفع من الأرض وهو مستبشر بقتال علي الأكبر. ساعةَ إذٍ تغير لون الحسين (عليه السلام)؛ ليلى -كما ذكروا- أم الأكبر كانت تنظر إلى وجه الحسين، وكانت تستبشر كلما رأت وجه الحسين مشرقاً، إلى أن تغير وجه الحسين، صاحت ليلى: «أبا عبد الله، أُوصِيب ولدي بسوء؟» قال: «لا يا ليلى، ولكن برز إليه من يخاف عليه منه». «ماذا أصنع؟» «ادخلي إلى الخيمة وادعي ربك في رجوع علي».
ودخلت خيمتها الغريبة وتوسلت لله بحبيب الحسين:
شَمَا بِي مُصِيبَة يَا رَادَّ يُوسُفَ مِنْ مَغِيبِه
لِيَعْقُوبَ وَمَسَّكَتْ نَحِيبَه
أُرِيدُهُ عَلِي سَالِم تُجِيبَه
ما هي إلا ساعة وإذا بعلي يرجع وهو يقول -وقد قتل قرنه ذلك اللعين- وهو يقول لأبيه:
«يا أبا، شربة ماء أتقوى بها على الميدان»
وحقك يا أبا انفطار كبدي وحق جدي العطش والشميس والميدان والحر.
يقول له:
منين أجيب الماء يا ابني ما هو حك
يا أبا فت قلبي ولساني
رجع عليٌّ إلى الميدان يقاتل، هنا قالوا إن الحسين نزل من ذلك المرتفع، وأخذ ينظر إلى جهة الخيمات وهو يقول: «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
وعليٌّ يقاتل الأعداء قتال الأبطال إلى أن جاء مُرَّة بن منقذ العبدي من خلفه، ضرب علياً على رأسه، فتوغل الفرس به إلى معسكر الأعداء، فانثالوا عليه؛ هذا يقطع بسيفه وريده، وهذا بالخناجر يُصَلِّدُه، وهذا يطعنه بحديد رمحه بخاصرته، وعالجه وفَغَرَ هُو إلى الأرض منادياً: «عَلَيْكَ مِنِّي السَّلامُ يَا أَبَتَاهُ، هَذَا جَدِّي قَدْ سَقَانِي بِكَأْسِهِ الأَوْفَى شَرْبَةً لا أَظْمَأُ بَعْدَهَا أَبَداً».
جاءه الحسين، لسان حاله:
«عَلَى الدُّنْيَا بَعْدَكَ العَفَاءُ يَا بُنَيَّ»
من قطع وصالك بسيفه؟
يا علي يا ابني بعدك على الدنيا العفاء
وفرقاك شيء أكبر يا نور العين
يا معفر الخد يا ابني شو أقول لعمتك لو سايلت؟
وليلة العزيزة ترتجي وما أيست منك
أكبر يا نور العين يا معفر الخد
بُنَيَّ هَلْ لَكَ عَوْدَةٌ حَتَّى أَقُولَ مُسَافِرُ؟
كُنْتَ السَّوَادَ لِنَاظِرِي فَعَلَيْكَ يَبْكِي النَّاظِرُ
مَنْ شَاءَ بَعْدَكَ فَلْيَمُتْ فَعَلَيْكَ كُنْتُ أُحَاذِرُ