أضواء على زيارة أبي الفضل العباس عليه السلام
بسم الله الرحمن الرحيم.
رُوي عن سيدنا ومولانا زين العابدين (عليه السلام) أنه قال: "وَإِنَّ لِعَمِّي العَبَّاسِ مَنْزِلَةً يَغْبِطُهُ بِهَا جَمِيعُ الشُّهَدَاءِ فِي الجَنَّةِ"
القسم الأول: المقدمة وأهمية مصدر الزيارة
بعد أن تحدثنا في ليالٍ مضت عن زيارة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وزيارة أمين الله لأمير المؤمنين (سلام الله عليه)، وزيارة أئمة البقيع، نتحدث في هذه الليلة عن زيارة أبي الفضل العباس (عليه السلام)، ونرجو أن نوفق في الليالي القادمة للحديث عن زيارات الحسين (صلوات الله وسلامه عليه).
هذه الزيارة التي سوف نلقي بأضواء عليها للاستفادة منها هي واردة في (كامل الزيارات) للفقيه العالم جعفر بن محمد بن قولويه القمي في كتابه (كامل الزيارات). وقد سبق في أول هذه الليالي شيء من الحديث عن المؤلف وعن الكتاب، وما يهمنا هنا هو أن هذا الكتاب من المصادر الأساسية المعتبرة عند الطائفة الإمامية، وأن رواياته مسندة إلى المعصومين (عليهم السلام) بتصريح المؤلف بواسطة الثقات من العلماء والرواة.
وقد استفاد بعض العلماء من ذلك أن كل الذين وقعوا في سلسلة السند إلى المعصوم هم ثقات بتوثيق المؤلف. وعلى كل تقدير، كتاب (كامل الزيارات) يستند إليه من قبل أغلب العلماء، سواء كانوا ممن يذهبون إلى مسلك واتجاه الوثوق الصدوري أو الوثوق السندي، وقد أشرنا إلى هذين الاتجاهين في أوائل هذه الليالي.
الذي يهمنا هو أن هذه الزيارة مروية عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، مما ينبغي ويفرض علينا التأمل في ألفاظها وعباراتها والتريث في الاستفادة منها، لأن فيها آفاقاً وأعماقاً ربما لا يتيسر لنا أن نشرحها شرحاً كافياً ووافياً في ليلة واحدة، ولكن طبيعة هذا المجلس هي هكذا.
القسم الثاني: راوي الزيارة وأدب الدخول
ابن قولويه يروي بسنده إلى أبي حمزة الثمالي. وأبو حمزة الثمالي معروف عند المؤمنين عادة، على الأقل لجهة دعائه أو لجهة روايته دعاء الإمام السجاد المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي؛ فهو ليس دعاءً له وإنما هو رواه عن الإمام السجاد، فلتميزه عن سائر الأدعية يُعرف بدعاء أبي حمزة الثمالي. وهذا تقريباً بقية الأدعية هكذا، فدعاء كميل أيضاً ليس كميل هو الذي أنشأه (كميل بن زياد) وإنما هو رواه عن أمير المؤمنين (سلام الله عليه)، وهكذا في كثير من الأدعية التي تُعرف باسم راويها.
أبو حمزة كان له تفسير للقرآن، ومن علماء أهل البيت (عليهم السلام)، وتشرف بمصاحبة الإمام السجاد والإمام الباقر والإمام الصادق (عليه السلام). ومما رواه أيضاً عن الإمام الصادق (عليه السلام) هو زيارة أبي الفضل العباس.
الرواية هكذا تقول: عن أبي حمزة قال: قال الصادق (عليه السلام): «إِذَا أَرَدْتَ زِيَارَةَ قَبْرِ العَبَّاسِ بْنِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ السَّلامُ)، وَهُوَ عَلَى شَطِّ الفُرَاتِ بِحِذَاءِ الحَائِرِ، فَقِفْ عَلَى بَابِ السَّقِيفَةِ...».
السقيفة في تلك الأزمنة شيء مسقف، يرد هذا التعبير أيضاً في الحرم (حرم بيت الله الحرام الكعبة) أنه كان يقف عند السقائف، ويرد أيضاً في بعض أوصاف زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، ويرد هنا أيضاً وكأنه مثل ما تقول الآن تدخل الباب الأول. لا أقل في زمان صدور هذه الزيارة عن الإمام الصادق (عليه السلام) ربما لم تكن هناك أبنية، وإنما هي على طريقة شيء مسقف لحماية الزائر مثلاً من أشعة الشمس، فيقول: تقف على باب السقيفة وقل:
"سَلامُ اللَّهِ وَسَلامُ مَلائِكَتِهِ المُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِهِ المُرْسَلِينَ، وَعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، وَجَمِيعِ الشُّهَدَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ، وَالزَّاكِيَاتُ الطَّيِّبَاتُ فِيمَا تَغْتَدِي وَتَرُوحُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ"
القسم الثالث: الشرح والشهادات في نص الزيارة
أول ما يلفت نظرنا هو هذا النمط من السلام. مثلاً في سائر الزيارات يبدأ الإنسان: «السلام عليك يا أبا عبد الله»، «السلام عليك يا وارث آدم صفوة الله»، «السلام عليك يا أمير المؤمنين» وهكذا. لكن هنا هذه العناية في أن الزائر يسأل أن يكون سلام الله وسلام ملائكته المقربين وسلام أنبيائه المرسلين وجميع الشهداء والصديقين وعباده الصالحين.
هؤلاء كأنما كل الكون المطيع، كل الكون الخاضع لله عز وجل بدءاً من الخالق سبحانه وتعالى، أنا الزائر أسأل الله أن يكون سلامه وسلام ملائكته وأنبيائه ورسله وعباده الصالحين. تتصور إذا واحد يريد أن يتصور العدد، كم هو عدد الملائكة؟ الله العالم، كم هو عدد الأنبياء والمرسلين والشهداء والصديقين والصالحين؟
بين قوسين، أحياناً الإنسان يضاعف عمله بإضافة بسيطة، يعني مثلاً أنت عندما تقول: «اللهم صل على محمد وآل محمد»، هذه تُحسب لك. أضفت إليها: «كما هو أهله وكما يستحقه»، هذه من الممكن أن تحول قوة هذه الصلاة إلى مليار مثلاً، إلى أعداد لا تنتهي. لماذا؟ لأنك سألت الله عز وجل أن يصلي على نبيه مضروباً في عبارة «كما هو أهله وكما يستحقه». كما هو أهله كم؟ الله العالم، كما يستحقه كم؟ الله العالم.
وهذا باب من الأبواب إذا الإنسان يلتفت إليه في الأذكار. أنت تقول: «الحمد لله رب العالمين»، هذه واحدة. لكن لو نفسها قلت: «الحمد لله رب العالمين عدد ما خلق الله في السماء، الحمد لله عدد ما خلق الله في الأرض، الحمد لله عدد ما خلق بين ذلك، الحمد لله عدد ما هو خالق»، بعد هذا لا يمكن إحصاء عدد الحمد الذي قلته، لماذا؟ لأنك ضربت في عدد ما خلق الله في السماء وعدد ما خلق في الأرض وما بينهما وما هو خالق إلى يوم القيامة.
هذا السلام الذي يوجهه الزائر إلى أبي الفضل العباس (عليه السلام) ليس بنفس طريقة «السلام عليك يا أبا الفضل العباس»، ذاك له شأن آخر، لكن هذا النمط كأنما الواحد يضرب قوة سلامه بعباد الله الصالحين وعدد الملائكة المقربين وتعداد الأنبياء والمرسلين، فيضاعف صلاة سلامه على أبي الفضل العباس. وكأنه يشعر أيضاً من زاوية أخرى أن هذا المسلَّم عليه هو منسجم مع هؤلاء، فمن الطبيعي أن يكون سلامهم عليه؛ سلام الله لأنه عبده، سلام الملائكة والأنبياء والمرسلين لأنه سائر على منهاجهم ودربهم، وسلام عباد الله الصالحين كذلك.
«والزاكيات الطيبات»، هل هذه الزاكيات الطيبات جزء من العطف (سلام الله وملائكته وسلام الزاكيات الطيبات) أو أنه استئناف؟ كما قال: سلام الله، قال هنا: الزاكيات الطيبات عليك يا ابن أمير المؤمنين. كل شيء فيه زكاة، كل شيء فيه طيب، كل شيء على منهاج الله من أعمال صالحة ونيات صالحة يترتب عليها الوصف، «فيما تغتدي وتروح» (الغدو والرواح يعني الصباح والمساء)، أي عمل صالح أو نية صالحة سواء كانت في الصباح أو المساء، هذه كلها أنا أسأل الله (أنا الزائر) أن يجعلها على أبي الفضل العباس.
إذا يتذكر الإخوة والأخوات جعلهم الله من ذاكريه، قلنا فيما سبق إن خريطة الزيارات عادة تبدأ بالسلام، ثم تعقب بالشهادة (وهي عبارة عن معرفة الزائر للمزور)، وأخيراً تنتهي في الغالب بالدعاء (سواء دعاء للزائر أو الدعاء للمزور أو الدعاء مطلق والمناجاة لله). أولاً سلام، ثانياً شهادة، أخيراً دعاء، غالب الزيارات هي ضمن هذه الخريطة.
هنا أيضاً نلاحظ نفس الكلام، بعدما بدأ بالسلام قال:
"أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ، وَالتَّصْدِيقِ، وَالوَفَاءِ، وَالنَّصِيحَةِ لِخَلَفِ النَّبِيِّ المُرْسَلِ"
أمامنا في هذه الزيارة خمس شهادات، أنا أشهد (الزائر) لأبي الفضل العباس بمجموعة من الأمور تعبر عن معرفتي به، وهذه المعرفة معرفة يقينية، ولذلك يصح للإنسان أن يشهد بها، لأن من أصول الشهادة أن يكون متعلقها يقينياً ثابتاً في قلب الإنسان.
هذا يأتي يقول: أشهد لك بالتسليم (واحد)، والتصديق (اثنان)، والوفاء (ثلاثة)، والنصيحة لخلف النبي المرسل. كل واحدة من هذه الكلمات فيها معانٍ كثيرة، لكن إجمالاً الآن نحن نجمل لأن وراءنا بقية الفقرات.
حالة التسليم هي أرقى حالات العبودية. ذكر العلماء، ومنهم المرحوم السيد عبد الرزاق المقرم رضوان الله تعالى عليه (وهو عالم جليل، وتفوقه العلمي سخره في اتجاه قضايا كربلاء، عنده كتب كثيرة حول كربلاء عن العباس وعن القاسم وعن مقتل الحسين وإلى آخره، وكل كتبه في هذا الباب نافعة ومتينة ويعتمد عليها الكثير ممن يدرس قضية كربلاء)، من جملة ذلك لديه تحليل جميل في هذا، يقول: الإنسان له مراحل؛ قد يكون راضياً بما قسم الله عز وجل، وقد يكون طائعاً، وقد يكون مسلّماً. وأرقى درجات العلاقة مع الله سبحانه وتعالى من قبل العبد هي علاقة التسليم أنه مسلّم، في ضمن شرح طويل لمن أراد يستطيع الرجوع إليه.
هنا أنت تشهد لأبي الفضل العباس بالتسليم للحسين (عليه السلام)، وبالتصديق لما أخبر عنه، وبالوفاء لما عاهد العباس وأصحابه الحسين (عليه السلام)، والنتيجة أنهم وفوا. ليس فقط تصديق وإنما حولوا ذلك إلى أمر عملي.
لما يقول هنا مثلاً: «والنصيحة لخلف النبي المرسل»، ما قال «لأخيك الحسين»؛ لأخيك الحسين فيها جانب نسبي وعلاقة نسبية، وإنما هنا هذه الأشياء التي يشهد الزائر فيها لأبي الفضل العباس هي لخلف النبي المرسل. القضية قضية عقائدية، الحسين هنا ليس باعتباره ابن أمير المؤمنين وباعتباره أخ العباس (عليه السلام)، وإنما ترتقي إلى درجة أنه لا، هذا خليفة الرسول، هذا الإمام المفترض الطاعة. ملاحظة هذه الجهة تعني تمحض الجانب العقائدي عند أبي الفضل العباس (عليه السلام) لخلف النبي المرسل.
«لخلف النبي المرسل» (واحد)، «والسبط المنتجب» (سبط رسول الله وقد انتجبه الله سبحانه وتعالى للإمامة)، «والدليل العالم، والوصي المبلغ». لاحظ كل هذه الصفات ترتبط بأمور عقائدية ليست بأمور نسبية، في هذا الموضع كأننا لا نجد أثراً للحالة النسبية كأن يقول «بالوفاء والنصيحة لأخيه الحسين ولابن والده» وما شابه ذلك، وإنما كلها صفات عقائدية ومواضع تشير إلى مرتبة الحسين (عليه السلام)، فهو خلف النبي المرسل، هو الوصي، هو المنتجب، هو العالم، هو الدليل والمظلوم المهتضم.
"فَجَزَاكَ اللَّهُ عَنْ رَسُولِهِ وَعَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَعَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَفْضَلَ الجَزَاءِ بِمَا صَبَرْتَ وَاحْتَسَبْتَ وَأَعَنْتَ، فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ. لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَكَ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَهِلَ حَقَّكَ وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِكَ".
سبحان الله، مرة الواحد يلعن القاتل المباشر وهذا واضح، الذي مثلاً قتل الإمام الحسين (عليه السلام) أو قتل أبا الفضل العباس مباشرة يستحق اللعن وهذا أمر بديعي. لكن من جهل حقه أيضاً يُلعن! من استخف بحرمته أيضاً يُلعن! مما يعني أن الأمة ليست فقط الجهة المباشرة هي التي ترد السؤال والعتاب والعقاب الإلهي، وإنما الفاعل المباشر يعمل ذلك ويحمل ذلك ويُسأل عنه، وأيضاً الأمة التي خذلت، الأمة التي استخفت بالحق، الأمة التي هتكت الحرمة العامة.
وهذا نفس الشيء أيضاً نجده في زيارات الإمام الحسين (عليه السلام): «لعن الله أمة قتلتك، ولعن الله أمة ظلمتك، ولعن الله أمة سمعت بذلك فرضيت به» حتى إلى هذا المقدار.
"وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ جَهِلَ حَقَّكَ وَاسْتَخَفَّ بِحُرْمَتِكَ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَاءِ الفُرَاتِ"
هذه أول شهادة: تسليم، تصديق، وفاء، نصيحة لخلف النبي المرسل، هذه كلها إشارات إلى موقع أبي الفضل العباس (سلام الله عليه) من أخيه بما هو وصي ومبلغ ودليل.
الشهادة الثانية:
«أَشْهَدُ أَنَّكَ قُتِلْتَ مَظْلُوماً، وَأَنَّ اللَّهَ مُنْجِزٌ لَكُمْ مَا وَعَدَكُمْ».
نظرة على التاريخ ونظرة على المستقبل؛ كيفية قتلك كانت بسبيل المظلومية، ومستقبلاً أيضاً لم تنتهِ القضية وإنما الله سبحانه وتعالى منجز لكم يا أهل البيت ويا أتباع الحسين، أيها المؤمنون منجز لكم ما وعدكم. ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ... وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ﴾.
هذه الشهادة مهمة، أن الإنسان رؤيته للماضي للحادثة رؤية مجموعة مظلومة في مقابل تلك الفئة الظالمة، وليست قضية تاريخية فقط، لا، نحن نشهد على أن الله سبحانه وتعالى لا يخلف مواعيده وميعاده بالنسبة إلى هؤلاء، وعدهم بالنصر وسيتحقق، وعدهم بالاستخلاف وسيتحقق، وعدهم بالعاقبة باعتبار أنهم المتقون وسيتحقق هذا. فأنا عندي (أنا الزائر) شهادة على الماضي والحدث الذي وقع، وشهادة على المستقبل أيضاً وأن الله سبحانه وتعالى سينجز لهم ما وعدهم.
بعد ذلك يقول:
"جِئْتُكَ يَا ابْنَ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَافِداً إِلَيْكُمْ، وَقَلْبِي مُسَلِّمٌ لَكُمْ، وَأَنَا لَكُمْ تَابِعٌ، وَنُصْرَتِي لَكُمْ مُعَدَّةٌ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الحَاكِمِينَ"
الزيارة منبع ثقافي وفكري عظيم، قسم من الناس قد يتصور أن الزيارة هي نوع من أنواع العلاقة العادية والرحمة للمزور، لا، هي موقف بالإضافة إلى ذلك الجانب الأول (الجانب الولائي والجانب العاطفي وهو مهم)، هي بالإضافة إلى ذلك موقف؛ أنا جئت قلبي لكم مسلّم، أوامركم بالنسبة لي متبعة، لو رأيت شيئاً قاله هذا المعصوم أو ذلك الذي كان في ركاب المعصوم فأنا أتبعه، قلبي لكم مسلم وأنا لكم تابع ونصرتي لكم معدة.
نصرتي لكم معدة ولو أنكم كأشخاص قد قُتلتم، ولكن منهجكم، طريقكم، سبيلكم، مهديكم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) لا يزال قائماً، فإذاً أنا نصرتي مهيأة ومعدة لهذا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين.
"فَمَعَكُمْ مَعَكُمْ لا مَعَ عَدُوِّكُمْ، إِنِّي بِكُمْ وَبِإِيَابِكُمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ، وَبِمَنْ خَالَفَكُمْ وَقَتَلَكُمْ مِنَ الكَافِرِينَ، قَتَلَ اللَّهُ أُمَّةً قَتَلَتْكُمْ بِالأَيْدِي وَبِالأَلْسُنِ".
بالأيدي واضح، وهو ما حصل في نفس الواقعة. بالألسن أيضاً في ذلك الوقت حصل، ولكن كأنما الإشارة إلى القتل بالألسن هو ما يعادل اليوم «الاغتيال الإعلامي»، اغتيال الشخصية. اغتيال الشخص وقتل الشخص حصل في سنة ٦١ هجرية، ولكن اغتيال الشخصية، اغتيال النموذج، قتل المثال هذا لا يزال مستمراً.
وشاهده أنك ترى بين فترة وأخرى أناساً يكتبون أشياء يسودون بها صحيفتهم ووجوههم عن قضية كربلاء وعن أئمة الهدى (صلوات الله عليهم). أنت هنا تقف موقفاً مخالفاً جداً لهؤلاء الذين قتلوا أهل البيت وأبا الفضل العباس على وجه الخصوص؛ قتلوه بأيديهم في المعركة، أو قتلوه بألسنتهم بمعنى تشويه سمعته واغتيال شخصيته وأنزلوا موقعه المثال الأكبر إلى موقع الشخص مثلاً.
أحياناً كما يذكر بعض هؤلاء، ذكرنا في أوائل محرم الحرام كيف أن هؤلاء غيبوا نهضة الحسين (عليه السلام) بأن طرحوا أفكاراً باطلة عنها، كأن قالوا: «نهضة الحسين ما جاءت بخير ولا مصلحة لا دينية ولا دنيوية وإنها فتحت باباً من الشر على المسلمين» وإلى آخره، هذا يقوله شخص في سنة ٧٣٨ أو ٧٤٨ من الزمان بعد شهادة الحسين (عليه السلام)، لا يزال هو يقتل الحسين بلسانه وبكتابه وبقلمه وأمثال هؤلاء إلى أيامنا هذه. «قتل الله أمة قتلتكم بالأيدي والألسن».
القسم الرابع: السلام عند القبر والشهادات المتبقية
بعد ذلك يقول: «ثم ادخل وانكب على القبر» (نسأل الله أن يبلغنا وإياكم مقام الزائرين الفعليين) وقل:
"السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا العَبْدُ الصَّالِحُ، المُطِيعُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَمِيرِ المُؤْمِنِينَ وَالحَسَنِ وَالحُسَيْنِ، وَالسَّلامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ"
هذه الشهادة الثالثة:
"أَشْهَدُ وَأُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ البَدْرِيُّونَ المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"
هنا لنا وقفة، وهي أنه نحن نعتقد أن أصحاب الحسين (عليه السلام) هم أفضل من أصحاب رسول الله في بدر، بمقتضى كلام الحسين (عليه السلام)"إِنِّي لا أَعْلَمُ أَصْحَاباً خَيْراً مِنْ أَصْحَابِي، وَلا أَهْلَ بَيْتٍ أَبَرَّ وَلا أَوْفَى مِنْ أَهْلِ بَيْتِي". مقتضى قوله «إني لا أعلم أصحاباً خيراً من أصحابي» يعني بمن فيهم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك لجهات أخرى في الاستدلال، لكن هذا المقدار يكفينا من الإمام الحسين (عليه السلام).
وإلا يمكن أن يقول قائل: مع رسول الله كانت نسبة القوة بينه وبين الأصحاب وبين كفار قريش نسبة محدودة (الثلث تقريباً) وفي بعض الأماكن دون ذلك وبعضها أكثر، مع ذلك وجدنا في أصحاب رسول الله من يفر من المعركة، مع أن احتمال الموت والقتل مع الحسين شبه مؤكد تقريباً بينما مع رسول الله كان احتمال النجاة موجوداً. مع ذلك، مع الفاصلة الكبيرة (يعني الآن أقل ما يقال في أصحاب عمر بن سعد ما جاء في الروايات هو ٣٠,٠٠٠ في مقابل ١٠٠ شخص، يعني كم؟ واحد إلى ٣٠٠ شخص!).
هناك أقصى ما صار مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لهم: ﴿إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾، المعادلة هكذا. أقصى شيء أين هذا وأين ٣٠٠؟ مع احتمال النجاة الكبير هناك وانعدام فرصة النجاة هنا، مع ذلك ثبت أصحاب الحسين (عليه السلام) وواصلوا القتال إلى شهادتهم (صلوات الله عليهم) وأمور أخرى.
إذاً، إذا كان الأمر هكذا، لماذا تقول الزيارة «أشهد أنك مضيت على ما مضى عليه البدريون»؟ كأنما مثلاً البدريون هم نموذج ومثال أعلى؟ الجواب على ذلك: كلا. أحياناً الإنسان يحتاج في التعبير إلى شيء ظاهر بارز طيب حتى عامة الناس عندما ينظرون إليه يعرفون. تقول مثلاً هذا لنفترض وجهه كأنه شمعة، هو قد يكون الوجه أجمل من الشمعة وأفضل وإلى آخره، لكن لأن الشمعة أمر معروف عند الناس وسهل الانتقال إليه والتمثيل به، فيقال وجهه مثل هذا الشكل. وكثير من الأمثلة هي من هذا النوع يؤتى بها في التمثيل لقربها من السامع.
كذلك هنا «ما مضى عليه البدريون»، إما على أصل الخط وهو خط رسول الله ودين رسول الله وغير ناظر إلى موضوع الشرف والفضيلة، وإما المقصود هو أن التشبيه يراد منه بيان مصداق معروف لدى الناس: على ما مضى عليه البدريون والمجاهدون في سبيل الله، المناصحون له في جهاد أعدائه، المبالغون في نصرة أوليائه، الذابون عن أحبائه. يمكن أن يكون هناك وجه آخر أن التشبيه بالبدريين هو أحد الوجوه، فيقول: على ما مضى عليه البدريون (واحد)، والمجاهدون في سبيل الله (اثنان)، والذابون عن دين الله (ثلاثة) وهكذا.
"فَجَزَاكَ اللَّهُ أَفْضَلَ الجَزَاءِ، وَأَكْثَرَ الجَزَاءِ، وَأَوْفَرَ الجَزَاءِ، وَأَوْفَى جَزَاءِ أَحَدٍ مِمَّنْ وَفَى بِبَيْعَتِهِ، وَاسْتَجَابَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَأَطَاعَ وُلاةَ أَمْرِهِ"
هذه الشهادة الثالثة. الشهادة الرابعة:
"َشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَالَغْتَ فِي النَّصِيحَةِ"
ما قال نصحت، نصحت درجة ومرت، لا، هنا «بالغت في النصيحة وأعطيت غاية المجهود». لا أنك مثلاً بذلت مجهودك، لأن الإنسان في بذله المجهود على درجات؛ فالدرجة الأولى هي الدرجة المعتادة، درجة أخرى هي فوق المعتاد، الدرجة الثالثة «غاية المجهود» والذي يعبر عنه القرآن الكريم في كثير من الأحيان بحق الجهاد: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾، الغاية التي بعدها لا يوجد مجال خلاص، هذه نهاية الدرجات، أنت فعلت هكذا وأعطيت غاية المجهود.
"فَبَعَثَكَ اللَّهُ فِي الشُّهَدَاءِ، وَجَعَلَ رُوحَكَ مَعَ أَرْوَاحِ السُّعَدَاءِ، وَأَعْطَاكَ مِنْ جِنَانِهِ أَفْسَحَهَا مَنْزِلاً وَأَفْضَلَهَا غُرَفاً، وَرَفَعَ ذِكْرَكَ فِي عِلِّيِّينَ، وَحَشَرَكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً"
هذه الشهادة الرابعة. الشهادة الخامسة (طبعاً أنت تصور أن القائل لهذه الشهادات أولاً هو الإمام الصادق عليه السلام يعلم أبا حمزة الثمالي، وتكتسب هذه الشهادات -ما دامت صادرة من الإمام الصادق حتى ولو كانت لأجل تعليم أبي حمزة الثمالي- تكتسب أهمية كبيرة في أنها قادمة من معصوم لا يزيد في كلامه ولا ينقص وإنما يبين الحقائق كما هي). الشهادة الخامسة:
"أَشْهَدُ أَنَّكَ لَمْ تَهِنْ وَلَمْ تَنْكُلْ، وَأَنَّكَ مَضَيْتَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أَمْرِكَ، مُقْتَدِياً بِالصَّالِحِينَ، وَمُتَّبِعاً لِلنَّبِيِّينَ"
جمع الله بيننا وبينك... هذا بعد نهاية الزيارة دعاء، ثم بعد ذلك أيضاً في الوداع يوجد زيارة ودعاء من قبل الزائر لكننا لا نتعرض إليه. ينتهي الزائر بعد هذه الشهادات وبعد ذلك السلام إلى الدعاء، كما ذكرنا في أن بنية الزيارات العامة هي هكذا: سلام، ثم شهادة، ثم دعاء.
"جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ وَبَيْنَ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ فِي مَنَازِلِ المُحْسِنِينَ، فَإِنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ"
الزيارة المفروض أي زيارة (كما ذكرنا في أوائل هذه الليالي) تتحقق بمجرد الوصول إلى المكان، لكن كمال الزيارة هو في الثناء على المزور، وأكمل من ذلك قراءة الزيارات المأثورة والمنصوصة والمروية عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، لأن فيها كنوزاً علمية ومعرفية كثيرة لو توجه الإنسان إلى معانيها. هذا شيء مما ورد في زيارات أبي الفضل العباس (سلام الله عليه).
القسم الخامس: المجلس والمقتل والأبيات الفخرية/الرثائية
والحق أنه لم يهن ولم ينكل وإنما مضى على بصيرة من أمره وبينه حتى دافع عن أخيه الحسين، بل عن إمامه الحسين (صلوات الله وسلامه عليه). هذا البطل الذي ذكر الأعداء ببطولة أبيه أمير المؤمنين (عليه السلام)، انتهى به الأمر إلى أن يبقى وحيداً مع الحسين (عليه السلام) بعدما تفانى أصحاب الحسين.
أولاً بدأ الأنصار تفانوا، ثم بعد ذلك بدأ الهاشميون وكان في طليعتهم شبيه رسول الله علي الأكبر (سلام الله عليه)، ثم دارت الدائرة على آل الحسن المجتبى وآل عقيل وسائر بني آل أبي طالب، إلى أن لم يبقَ مع الحسين إلا أخوه أبو الفضل العباس (سلام الله عليه). وهو في كل حالة يستأذن للقتال من أخيه الحسين فيستبقيه الحسين (عليه السلام) ويقول له: «أَنْتَ عَمُودُ خَيْمَتِي، أَنْتَ العَلاَمَةُ مِنْ عَسْكَرِي، إِذَا أَنْتَ قُتِلْتَ يَؤُولُ جَمْعُنَا إِلَى الشَّتَاتِ، وَتَنْبَعِثُ عِمَارَتُنَا إِلَى الخَرَابِ».
أنت وجودنا يا أبا الفضل العباس، بوجودك يبقى هذا المخيم، ببقائك تأمن النساء، ببقائك تطمئن قلوب الهاشميات. لكن وصل الحال إلى أن أبا الفضل العباس جاء إلى أخيه الحسين وقال له: «أبا عبد الله، لا طاقة لي على الصبر» (أنت لسان الحال، أنت إمام معصوم يوازن صبرك الجبال، ولكن أنا لا أستطيع التحمل). لماذا؟ قال: «وأنا أسمع صوت الصبية والنساء وكل ينادي: العطش العطش!» فما أستطيع التحمل، لا بد إذاً أن تأذن في القتال. قال له أبو عبد الله: «إِذاً فَاطْلُبْ لِهَؤُلاءِ الأَطْفَالِ قَلِيلاً مِنَ المَاءِ».
لعله في هذه المعركة الأخيرة، الوحيد الذي خرج مع القربة كان أبا الفضل العباس (سلام الله عليه)، وخرج لكي يطلب الماء للأطفال والنساء. ذهب أبو الفضل العباس فما رجع إلى الخيمات وما رجعت القربة وما رويت النساء، ذلك أنه نزل إلى الشريعة وكان قلبه كصالية الغضا من شدة العطش، وأراد أن يشرب ولكنه تذكر ذلك العطش فرَمَى الماء من يده... كيف أشرب؟!
(شعر شعبي/رثائي):
وَشْلُونْ أَشْرَبْ وَاخُويْ حْسَيْنْ عَطْشَانْ؟
سَكْنَة وَالْحَرَمْ وَأَطْفَالْ رُضَّعَانْ
وَأَظُنْ قَلْبِ الْعَلِيلْ الْتَهَبْ نِيرَانْ
يَا رَيْتِ الْمَايْ بَعَدْ لا حَلّ وَلا مَانْ
رمى الماء على الماء، ملأ القربة، زمّها ووضعها على عاتقه، رجع إلى القوم يقاتلهم قتال الأبطال، فازدلفت إليه الألوف وازدحمت عليه الصفوف، وكل همه إيصال القربة إلى المخيم. عز عليك أبا عبد الله، بينما هو يقاتل جاء لعين ضربه بالسيف على يمينه...
أخذ السيف بشماله، أعاد الحملة، جاءه لعين آخر ضربه بالسيف على شماله...
وقف بأبي وأمي لا يستطيع القتال، وجاءته السهام والنبال كرش المطر، فسهم أصاب القربة وأُريق ماؤها، ومعها أُريق أمل أبي الفضل بالعودة إلى الخيام. جاء سهم في عينه (سلام الله عليه)، أحنى رأسه لكي ينتزع السهم من عينه، جاء لعين بعمد الحديد ضربه بالحديد على رأسه، هوى إلى الأرض صريعاً منادياً: «عليك مني السلام يا أبا عبد الله!».
جاءه الحسين وقف على صرعه...
(شعر شعبي/رثائي):
يَا خُويَا انْكَسَر ظَهْرِي وَلا أَقْدِرْ أَقُومْ
أَنَا صِرْت مَرْكَزْ يَا خُويَا لِلْكُلُومْ
يَا خُويَا اسْتَحَدُّونِي عَقَبَكِ الْقَوْمْ
يَوْمْ وَلا وَاحِدْ عَلَيَّ بَعَدْ يَا دِينْ غَارْ
يَا خُويَا أَيَّسَتْ سَكْنَة مِنِ الْمَايْ
تِجِي يَمِّي تِجِي يَمِّي يَا خُويَا وَتُوقَفْ حَذَايْ
يَا خُويَا مِنِ الْعَطَشْ إِيشْ رَادَتْ تِجِي وِيَايْ
تِقُولْ لِكْ وَيْنْ وَعْدَكْ يَا شَكَرْ كَارْ
يَا خُويَا مِنِينْ جَتْنِي الرَّمِيَّة؟
آه... آه يَا خُويَا السَّهَمْ وَقَعْ بِيَّه
آه... يَا خُويَا سَاعِدْ شِمِتْ بِيَّه
آه... وَأَشُوفَكْ يَا أَبُو فَاضِلْ مُطَبَّرْ
عَبَّاسُ هَذِهِ جُيُوشُ الشِّرْكِ قَدْ زَحَفَتْ ... نَحْوِي بِثَارَاتِ يَوْمِ الدَّارِ تَطْلُبُنِي.