الحوزة العلمية لسان الائمة ودرع المذهب
قال الله العظيم في كتابه الكريم (وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون(
ماهي الحوزة العلمية وما هو دورها وما تعريفها وما الدور المطلوب من المؤمنين تجاهها؟؟
الآية المباركة يشجع بها القرآن الكريم على ان يقوم فئات من المجتمع للتعلم والتفقه في الدين ومن ثم يرجعوا الى ابناء المجتمع ويقوموا بتثقيفهم وتعليمهم وانذارهم فيعلمونهم الحلال والحرام ويوجهونهم للحذر من الاخطاء التي يقع فيها الانسان بسبب الجهل بالأحكام الشرعية والعقائد الصحيحة ورسول الله صل الله عليه واله وسلم يقول (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) المقصود ان كل انسان يجب عليه ان يتعلم احكام دينه حلالها وحرامها، فالعلم بأحكام الصلاة والوضوء والصيام والطقوس العبادية جميعها على كل انسان مسلم ان يكون على معرفة بتفاصيلها بالقدر الذي هو بحاجة لمعرفته فالرسول في هذا الحديث يقصد به التعلم بتعاليم دينه اما العلم بما لا يحتاجه شخصيا فالعلم يكون فرض كفائي وليس عيني فليس بإمكان جميع افراد المجتمع ان يكونوا علماء بتفرعات وتفاصيل الاحكام الشرعية فليس من المعقول ان يتحول جميع افراد المجتمع لعلماء دين والآية القرآنية تقصد ذلك بقول (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ) فمن كل مجتمع لا بد من وجود مجموعة منهم تخرج وتذهب للتفقه في الدين ومن ثم يرجعون لمجتمعهم ويعلموه ما تعلموه ويبينون لهم الاحكام، وهناك كثير من الاحاديث والروايات التي تحث على طلب العلم منها الحديث الذي يقول (وان الملائكة لتضع اجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع وانها لتستغفر له حتى الحيتان في البحار) وغيرها من الروايات التي تحث على طلب العلم اما بصيغة الوجوب او الاستحباب، على هذه الاسس تشكلت وتكونت الحوزات العلمية عند شيعة اهل البيت.
وتاريخ وجود الحوزات الدينية يرجع الى زمن الائمة المعصومين سلام الله عليهم فهناك دائما مجموعة من الاصحاب بعضهم من نفس المدينة التي يعيش فيها الامام او من مدن ومناطق أخرى تلازم الامام وتأخذ منه الاحكام والمعارف الدينية والثقافية وتحفظ الحديث وتنقل ما تعلمته من الامام الى سائر الناس فهناك القمي والسجستاني والكوفي والبحراني وغيرهم ممن نقل عن اهل البيت عليهم السلام.
ماهي الحوزة العلمية؟ هل هي مدرسة او جامعه علمية؟وما هي اهداف من يدرس فيها ؟
اهداف من يدرسون في الحوزة العلمية متنوعة فهناك من يدرس من اجل التعمق في العلم المرتبط بأهل البيت فتكون لديه ثقافة اهل البيت وعلمهم ويصبح عالم بشتى معارفهم وعلومهم، وهناك من يدرس من اجل التعمق والتعرف أكثر على ثقافة اهل البيت ومن ثم نقله الى اهله واهل منطقته،وهناك من يجمع بين الهدفين فيكون عالم ومبلغ وناشر لعلوم وثقافة اهل البيت سلام الله عليهم، وهناك من يدرس البحوث العلمية في الحوزة العلمية وهو يدرس في نفس الوقت الدراسة الجامعية فيجمع بين الدراسة الاكاديمية والدراسة الحوزوية.
وجواب ماهي الحوزة العلمية واين مكانها، لا يوجد مكان محدد للدراسة الحوزوية فلا يشترط ان تكون الحوزة في مبنى محدد لذلك بل من الممكن ان تكون الدروس الحوزوية تعطى في المسجد او الحسينية واي مكان أخر المهم ان المتلقي يأخذ العلم والمعرفة ممن درس في الحوزة فيكون قد انتمى للدروس الحوزوية بدون ان يذهب لمبنى معين للحوزة العلمية وليس محدد ببلد معين او منطقة معروفة بوجود الحوزة العلمية فيها، فكل متلقي ومتابع الدراسة الدينية هذا الشخص يسمى بطالب حوزوي فمثلا في قم او النجف الاشرف هناك من يدرس بشكل فردي او جماعي ببرامج منظمة في مبنى الحوزة او خارجها كالأماكن المعدة لذلك من جامعات او مدارس دينية وأحيانا تكون حلقات الدراسة في البيوت او مشاهد المعصومين والمساجد والحسينيات فجميع من يلتحق بتلك الحلقات والدروس الحوزوية يسمى طالب حوزوي وما يدرسه يسمى بالدراسة الحوزوية.
بداية الدراسة الحوزوية كانت في اماكن تواجد الائمة عليهم السلام اينما كانوا فالإمام الجواد كان طلبة العلم يذهبون الى بغداد ، وزمن الامام الرضا كانوا يتوجهون الى طوس وحينما الامام السجاد كان في المدينة طلبة العلم يتوجهون للمدينة، وكذلك في زمن الامام الصادق حينما سكن في الكوفة لمدة سنتين توجه طالبي علم أهل البيت الى الكوفة وحينما كان في المدينة توجهوا للمدينة المنورة فهذه هي البداية المبكرة للحوزة العلمية، مع غيبة الامام الحجة عجل الله فرجه الشريف سنة ٢٦٠ هجرية بداية الغيبة انتقل هذا الدور الى العلماء والفقهاء الذين اخذوا العلم من الائمة الاطهار فكانت مهمتهم الاساسية هي القيام بشئون الحوزات العلمية من التدريس والمباحثة وتوفير الكتب وغيرها وهي قائمة على اساس التقرب لله عز وجل وليس من اجل الاجر المادي، فطالب العلم قد يذهب الى مكان ليطلب العلم ولا يوجد من يدعمه ماديا بل هو من يصرف على نفسه ويوفر ما يحتاجه من سبل العيش في بلد الغربة الذي ذهب اليه لطلب العلم ، فالأصل كان هكذا وان كان الفقهاء والمراجع يحاولون ان يرعون طلاب الحوزات العلمية ويعينونهم ماديا من اجل اكمال الدراسة الدينية وتوفير الضروريات المادية لهم، فهناك كثير من المدرسين في الحوزات العلمية لا يستلم راتب او اي اعانة مادية لعدة سنوات ولكنه يواصل التدريس في الحوزة العلمية بل احيانا هو من يحاول ان يدعم الحوزة ماديا لكي يعين من يدرس من الطلبة الجدد ويستمر درسه وعطائه في الحوزة، كذلك الطالب حينما يذهب للدراسة الحوزوية يدرس تطوعا وتقربا لله بدون ان يحصل على الاعانة المادية فهو من يوفر لنفسه المادة لكل ما يحتاجه من كتب وغيرها ليواصل الدرس والتحصيل العلمي، اساس الحوزة العلمية قائم على هذا المبدئ.
من الموارد المادية التي يستفيد منها طالب العلم في الحوزات العلمية مال الخمس حينما يدفع المؤمن الشيعي ما يجب عليه من خمس امواله الفائضة على مؤنته السنوية وتصل تلك الاموال لمن يوزعها من العلماء والفقهاء فيكون منها قسم يصرف في تأسيس المدارس الدينية ورواتب مدرسين وطلاب الحوزة العلمية حسب المستطاع والمتوفر، كما يساهم بعض الشيعة الموالين في دعم الحوزة العلمية ماديا حسب استطاعتهم.
بعد مرحلة الغيبة الصغرى تولى امر الدراسة الدينية علماء الدين والفقهاء واصلوا تكوين وتأسيس الحلقات الدراسية حسب المستطاع في المدينة والعراق وايران وغيرها من المناطق المتواجد فيها الشيعة، ويختلف نسبة الدارسين في الحوزات حسب الظروف السياسية والاجتماعية ففي فترة زمنية من التاريخ كانت الحوزة العلمية في بغداد هي المشهورة والاقبال عليها قوي في ايام الشيخ المفيد والشريفين المرتضى واخيه الشريف الرضي وايام بدايات الشيخ الطوسي فقد كانت الحوزة عامرة وقوية جدا وقد ساعد على ذلك وجود آل ابو بويه فالبويهيين كانت لهم ميول شيعية وكانوا مسيطرين على بغداد واعطوا الحرية لجميع المذاهب فاصبح للتوجه والفكر الشيعي ومتبعيه قوة ووجود في بغداد فتأسست حوزة علمية ضخمة في بغداد، بعد ذلك جاءت عاصفة من التيار الاهوج قادها الاتراك السلاجقة واغلبهم احناف وحنابلة فأشاعوا جو من التعصب ضد شيعة أهل البيت عليهم السلام وقد حاولوا قتل شيخ الطائفة الشيخ الطوسي وقد كان في ذلك الوقت الرجل الاعلم في بغداد بتحريض من قاعدة متعصبة مذهبيا وحاولوا أحراق مكتبته وصارت فتنة طائفية من قبل هذه الفئة السياسية المتعصبة الفاسدة ، ومن طبع شيعة أهل البيت الركون الى السلم وعدم الانجرار في الصراعات المذهبية الدموية، حينها انتقل الشيخ الطوسي من بغداد الى النجف الاشرف عام ٤٤٨ هجري اي قبل الف سنة من وقتنا الحالي، ولم يكن يوجد في النجف الا بعض البيوت الصغيرة وكانت بلدة صغيرة فجاء شيخ الطائفة لائذا بأمير المؤمنين فغادر بغداد مخمدا فتيل فتنة طائفية فيها، بقيت النجف الاشرف منذوا ذلك اليوم في تقلبات فترة تقوى فيها الحوزة وفترة اخرى تنتقل لمنطقة اخرى كما حصل بانتقالها للحلة فبعد سنة ٥٠٠ هجرية استقرت مدة من الزمن في الحلة ولكن بسبب وجود العلماء وعودتهم للنجف جعلها المنطقة الاصلية للحوزة العلمية.
في فترة من الزمن اصبحت ايران فيها الحوزة المركزية في اصفهان أيام العلامة المجلسي رضوان الله عليه صاحب بحار الانوار كان هناك نهضة علمية فاصبح فيها حوزة علمية ضخمة جدا فترة من الزمان ولكن مع رحيل العلماء من الطراز الاول تراجعت موقعيتها من كونها الحوزة الرئيسية الى حوزة فرعية فاصبحت هي الحوزة الفرعية بعد النجف، كما انه في فترة من الزمن انتقلت الحوزة الى مشهد.
كما انه في فترة من التاريخ انتقلت الحوزة الى كربلاء فاصبح الاقبال على الحوزة في كربلاء ايام الوحيد البهبهاني والشيخ يوسف البحراني ونظرائهم.
وفي وقتنا الحالي مازالت الحوزة العلمية في النجف هي الاقوى وبعدها الحوزة العلمية في قم المقدسة وتحتوي كل منهما على عشرات الالاف من طلاب علم أهل البيت عليهم السلام .
ايضا في بعض مناطق الخليج العربي الان يوجد الحوزة في القطيف والاحساء والبحرين وهي تمارس دورها بشكل قوي ومؤثر والاقبال عليها جيد، وهناك الحوزات في لبنان في جبل عامل وغيرها من مناطق الوطن العربي.
الحوزة العلمية في كل مكان وعلى مر الازمان تؤدي دورها المطلوب والذي ورد في الاية الكريمة ( ولولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ) واول شيء تقوم به الحوزة العلمية توفير الدروس التي تبين للانسان المسلم أحكام الشريعة في كل جوانبه الحياتية منها تفاصيل الطقوس الدينية الواجبة من صوم وصيام وحج وطهارة ونجاسة وغيرها وكذلك تفرعات أحكام المعاملات التجارية وغيرها، وهذا ماكان يركز عليه الائمة الاطهار عليهم السلام فاذا المسلم لا يعرف صلاته وصيامه واحكامها واحواله الشخصية ومعاملاته لا فائدة من ايمانه واسلامه، وما يقوم به علماء الدين والمراجع ليس عمل سهل ففيه التدقيق والتمحيص من أجل أستخراج الاحكام الشرعية التي تتوافق مع الشرع ومنهج أهل البيت عليهم السلام، من امثلة العلماء الذين قضوا حياتهم في العلم والتعلم الشيخ الفياض الذي وافته المنية ايام عيد الغدير في عامنا هذا فهو من عمره ٦ سنوات الى عمر ٩٦ سنة اي قضى كل سنوات عمره في الدرس والتدريس فلم يتوقف الا قبل ٣ او ٤ سنوات من وفاته عن اعطاء الدروس الحوزوية ٨٧ سنة من عمره قضاها في هذا الدرب.
وكل امر يتعلق بالدين والعبادة يحتاج للرجوع الى عالم دين كصلاة الجماعة او ارشاد في حملات الحج وغيرها والخطباء على المنبر الحسيني والتجيه والارشاد الديني وتأليف الكتب الدينية والاستفسار عن اي مسألة شرعية ، جميع هذه الامور تحتاج الى علماء دين، كما ان الحوزة العلمية حافظت على المجتمعات الشيعية وحاربت الافكار المنحرفة التي تغزوا المجتمعات كما انها شاركت في محاربة الغزو السياسي الذي يحاول السيطرة على المجتمعات المسلمة فالعلماء والمراجع تحارب من أجل الحفاظ على وحدة واتحاد المجتمعات المسلمة وبالخصوص الشيعية وابعادها عن الانجراف في التيارات المنحرفة.
من الذي يحدد المرجعية؟ في العادة علماء الدين في اي دولة النظام السياسي هو الذي يحددهم ويختارهم فينصبهم حسب رغبته فيحدد فلان هو المفتي الاول او قاضي القضاة وأئمة المساجد الدولة هي التي تعينهم وان كان اصحاب المنطقة يرفضون ذلك فلا بد من قبوله فهو حكم دولة وامر سياسي لابد من طاعته وتقبله، اما المرجع لدى المذهب الشيعي فلا سلطة للنفوذ السياسي في تعيينهم و لا يستطيع ان يصل الى هذا المقام الا بعد سنوات من الدراسة ويخضع للاختبار ويعرف مبانية العلمية ويفتح بحث خارج ويأتي من يناقشه ويستمر عشرات السنين في الدراسة والبحث فلابد ان يثبت وجوده علما واجتهادا واستنباطا وورعا وتقوى من ثم يترشح بين كبار علماء الحوزة انه المرجع المؤهل لتقليد الناس وهذه مهمة كبيرة تقوم بها الحوزة العلمية فلا يقلد شرف المرجعية الا بعد مسيرة طويلة من الدرس والتدريس فما اكثر علماء الدين والمتخرجين من الحوزة ولكن نسبة المراجع فيها قليلة جدا .
واهمية عالم الدين والمرجع مهمة جدا كالطبيب والمهندس والمدرس الاكاديمي فالمجتمع يحتاجه كهؤلاء، والمجتمع يستصعب انتماء ابناءه الى الحوزة العلمية بسبب الخوف من الظروف المادية وعدم استطاعته من مواكبة متطلبات الحياة فبالرغم من ان من ينتمي لهذا الطريق يكون انتمىء الى طريق الله عز وجل واذا كان مخلص في نيته ومتوجه لتحقيق الهدف الحقيقي سيكون احد جنود الامام المهدي، كما من المطلوب على الانسان الشيعي الموالي ان يدعم الحوزة العلمية ماديا وعنويا فيساهم في انشاء دور الحوزة والتكفل بما يستطيع لدعم طلبة العلم ومساعدتهم ماديا لكي تستمر الحوزة الدينية في كل مكان وتساهم في نصرة الامام عجل الله فرجه.