امتحان الحياة النهائي : نجاح أو فشل؟

٧ محرم ١٤٤٨ هـ | ٢٣-٠٦-٢٠٢٦

امتحان الحياة النهائي : نجاح أو فشل؟
00:00 --:--

امتحان الحياة النهائي: نجاح أو فشل ؟

روى شيخنا الصدوق أعلى الله مقامه في كتابه الخصال بسنده إلى الإمام الكاظم(سلام الله عليه) عن أبيه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه السجاد عن أبيه الحسين عن علي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ʾʾ لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسئَلَ عن أربع عن عمره فيما أفناه وعن شبابه فيما أبلاه وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه وعن حبنا أهل البيت(صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) ʿʿ هذا الحديث الشريف، المُسنَد إلى الإمام الكاظم و الإمام الكاظم ينقله عن آبائه إلى رسول الله في دلالة على الاهتمام المبالغ فيه بالنسبة إلى مضمونه، الإمام لا يحتاجُ إلى أن يَروِيَ لأنه في مقامٍ ثَبَتَ له فيه أن يكون كلامه حُجةً، فكما إذا صح الخبر عن رسول الله يجب اتباعه كذلك إذا صح الخبر عن علي وعن الحسين و الحسن وعن الصادق و الكاظم وهكذا. . . ولكن مع ذلك أحيانا الإمام ينقل الحديث عن أبيه عن أبيه إلى رسول الله وأحيانا إلى الله U في بيانٍ لِشِدَّةِ الاهتمام بهذا المضمون و أن جميع المعصومين الذين سَبَقُوه قد أَكَّدُوا عليه فهذا الحديث مهم من هذه الجهة، من جهة أخرى أنه ورد أيضا في مصادر مدرسة الخلفاء في بعض مصادرهم فقد نقله أبو القاسم الطبراني صاحب كتب المعجم الكبير و الأوسط و الصغير وهو من علماء مدرسة الخلفاء ومحدثيهم الكبار وتوفي قبل الشيخ الصدوق بنحو ٢١ سنة، الشيخ الصدوق توفي سنة ٣٨١ه‍  و الطبراني الذي أصله من الشام ولكن تَنَقَّلَ في بلاد المسلمين إلى أن استقر به المقام في أصفهان نَقَل هذا الحديث وتوفي سنة ٣٦٠ه‍ يعني هما متعاصران متزامنان، نعم وفاة الشيخ الصدوق متأخرة قليلا، هذا ماذا ينفعنا؟ ينفعنا أن مضمون هذا الحديث كما هو في طُرُقِ الرواة الشيعية وعن أئمتهم(عليهم السلام) هو أيضا ببعض الطُرُق في رواة مدرسة الخلفاء وثَابِتٌ منهم عن رسول الله محمد(صلى الله عليه وآله وسلم)، نعم بَعضُ مصادر مدرسة الخلفاء الحديثية ذَكَرُوا هذا الحديث و أَغفَلُوا الخصلة الرابعة وهي:( وعن حبنا أهل البيت) والسبب في ذلك واضحٌ ومعروف إما مراعاة لبعض الأوضاع السياسية التي كانت مُتَشنِجَةً تجاه أهل البيت أو لموقف عند نفس المُحَدِّث حيث أنه قد لا يكون على هذا المنهج فلا يريد أن يَروِيَ شيئا يكون حُجةً عليه، لكن مثل الطبراني وهو مِن مُحَدِّثِيهم الكبار ويمدحونه بِأَوصَافٍ عظيمة من المدح ذَكَرَ هذا في كتابين من كتبه ومُعجَمَينِ من معاجمه بإثبات ( وعن حبنا أهل البيت). هذه الخصال الأربع هي أسئلة الامتحان النهائي الذي يتقرر فيه أن يذهب الإنسان إلى جنة الله ناجحًا أو لا سمح الله يَسقُطُ في الامتحان، محبة أهل البيت، ولاية أهل البيت، طاعة أهل البيت، كون الإنسان على خريطة أهل البيت(عليهم السلام) هذا الخط العام في حياة الإنسان وبالإضافة إلى ذلك يُسئَل عن جُملَة أمور: عمرك فيما أفنيته، شبابك فيما أبليته، مثلا: الله أعطاك من العمر ثمانين سنة أترك منها زمان ما قبل التكليف ما قبل البلوغ، أنت في هذه السنوات إذا كنت من أبناء الثمانين يعني عندك خمس وستون سنة، ما الذي صنعته فيها؟ فيما أفنيت عمرك هذا؟ ماذا صنعت فيه؟ هذه أسئلة الامتحان، شبابك وقت النشاط و التفكير الخلاق و العضلات القوية فيما أبليت هذا الشباب؟ حتى عبرت منه إلى سن الشيخوخة أو الكهولة، فيما أفنيت هذا؟ فيما أبليته؟ أموالك أيضا، لا تَجِدُ إنسانا إلَّا وهو حاصلٌ على مالٍ يُقِيمُ به حياته سواء كان هذا المال كثيرا أو قليلا، سؤالان مهمان هنا، السؤال الأول: من أين اكتسبته؟ ماهي العمليات التي قمت بها حتى أصبح هذا المال منتقلا من شخص آخر إليك؟ عمليات مشروعة؟ أو لا؟ هل هي بالغش؟ هل هي بالخيانة؟ هل هي بالمعاملات المحرمة؟ هل هي بالربا؟ هل هي بغير ذلك مما حرم الله U؟ كيف صار إليك؟ هذا سؤال، والسؤال الثاني: وفيما صرفته؟ حتى لو صار إليك عن حلالٍ وَرِثتَهُ من أبيك مثلا وهذا انتقال قهري من الوالد إلى الورثة، أو قمت بعمليات محللة صحيحة تامة، كيف تصرفت فيه؟ هل أنفقته فيما يرضي الله U هل أنفقته على من يَجِبُ نفقته عليك؟ من يُستَحَبُ نفقته عليك؟ شَيَّدتَ بذلك لآخرتك ذُخرًا وقَدَّمتَ لذلك زادا مُتَقَدِّمًا؟ أو لا؟ عَبِثتَ بِه يمينا وشمالا؟ لا سمح الله، صرفته في غير ما أحل الله؟ هذه أسئلة مهمة، هذه هي أسئلة الامتحان النهائي، في الامتحانات يجب على الانسان أن يتأكد من أمرين: الأمر الأول:  أن هذه القاعة هل هي قاعة الامتحان أو لا؟ الأمر الثاني: أن هذه الأسئلة هل هي أسئلته؟ أو أسئلة المرحلة اللي قبل؟ أو المرحلة اللي بعد؟ ولو أَخطَأَ في أحد الأمرين سَيَتَوَرَّط، إذا دخل قاعة ليست هي في الأصل قاعة امتحانه لن يَجلِبُونَ لَهُ أساسا الأسئلة، هو دخل قاعة الابتدائية بينما هو في المتوسطة أو في الثانوية ونفس الحالة لو دَخَلَ قاعة و استلم أسئلة وأجاب على أسئلة ليست هي الأسئلة المطلوبة فإنه عند إذن لن يحصل على درجة النجاح، هو في الثانوية قَدَّمُوا له أسئلة المتوسطة وأجاب عليها هذا لا ينفعه في أن ينتقل من مرحلته إلى مرحلة بعدها. في حياتنا هذه هل هناك امتحانات؟ نعم، هل هناك قاعات؟ نعم، هل هناك أسئلة؟ نعم، ينبغي للإنسان أن يعرف ما هو امتحانه؟ ماهي قاعة امتحانه؟ المشكلة أن هذه امتحانات يومية، اذا كان مثلا في المدارس و الجامعات تَدرُس طوال العام وفي الأخير يوجد امتحان او امتحانان، أنت هنا في الحياة التي نعيش فيها كل يوم نحن في امتحان، مثلا: مَجِيئُكَ هذا إلى هذا المكان هل هو قربة إلى الله U أو لا سمح الله ولا قَدَّر بدافع آخر ؟ هذا امتحان، بكائك في هذا الموسم لا شك ولا ريب أن من يسمع إنما يبكي قُربَةً إلى الله تعالى ويواسي رسول الله(صلى الله عليه وآله ) لكن هذا امتحان، هل أنت تبكي بهذا الدافع لهذا الغرض؟ أو لا سمح الله ولا قَدَّر لشيء آخر، تُنفِقُ في هذا المأتم او في هذه الحسينية أو المسجد و إلخ... ماهي غايتك من ذلك؟ ما هو هدفك فيه؟ هذه الامتحانات بشكل مستمر موجودة عندنا ولذلك يُسئَلُ الإنسان عنها طول عمره لازم يقدم لستة كما يقولون على هذه الامتحانات ( لا تزول قدما عبد يوم القيامة) في بعض الروايات (على الصراط حتى يُسئَل عن عمره فيما أفناه) مواضع الامتحان المرتبطة به في هذا العمر عباداته، سلوكياته، أَنتَ متزوج وأَنتِ متزوجة كل يوم عندكم امتحان هذا الذي يُهِينُ زوجته هذا امتحانه زوجته في ذلك اليوم، تلك التي تعصي زوجها وتخرج رغما عنه إلى خارج الدار من غير إذنه مع وجوب استئذانه هذا امتحان من الامتحانات، وهكذا الوالد مع ولده عنده امتحان الأخ مع أخيه عنده امتحان وعلى هذا المُعَدَّل انت أخوك أصغر منك تحرمه من الميراث لماذا؟ تُؤَخِّر عنه حقه لماذا؟ تهينه في بعض المواضع باعتبار أنك الأكبر منه لماذا؟ هذه كلها امتحانات. لا يتصور الإنسان أن الامتحان هو شيء طويل عريض غريب لا هي مُفرَدَاتُنَا اليومية، في ساعاتِ كلِّ يومٍ يمرُّ على الإنسان، فإنه يصادفُ امتحاناتٍ مختلفةً في عباداته ومعاملاته ، قسم من الناس يُنفِقُونَ حياتهم بِنَحوٍ يغفلون فيه عن الامتحان الحقيقي ويُقَدِّمُونَ امتحانات مؤقتة جانبية هامشية وهذه هي المشكلة التي أحيانا القرآن الكريم يعبر عنهم (بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا) هؤلاء أخسرين أعمالا، يعملون أشياءً يتصورون أنها على المقياس وعلى الخط الصحيح ولكن ليست كذلك، يعملون أعمال خاطئة وهم يحسبون أنهم يُحسِنُونَ صُنعًا. لذلك من المهم أيها المؤمنون و المؤمنات أن يضع الإنسان في ذهنه فكرة ما هو امتحاني الحقيقي؟ الذي سأُسأَلُ عَنه يوم القيامة، هنالك بعض التصريحات عندما يقرأها شخص مثلا إنسان كان صغير يقول لك: أنا تجربة حياتي كنت إنسان صغير صبي حسب التعبير اشتغلت واجتهدت إلى أن أصبحت تاجر كبير فحققت كل طموحاتي وأعطيت معنى لحياتي،  حسنا ثم ماذا؟ حصلت على أموال وأصبحت تاجر، أصبحت أنت يا أيها الدكتور البسيط أصبحت مستشار أعلى (استشاري) ثم ماذا؟ عندك امتحان أساسي إلى الآن هو امتحان الدين، امتحان الإيمان، امتحان العمل الصالح، امتحان (عمره فيما أفناه) (شبابه فيما أبلاه)(ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه) هذه هو الامتحان الحقيقي عن ولايتك لأهل بيت محمد، من المهم أن يَتَوَجَّهُ كل واحد منا، أعني نفسي الحمد لله أنتم تفعلون ذلك ومن يسمع أيضا، أن يتوجه إلى ما هو الامتحان الحقيقي؟ وماهي النتيجة التي ينبغي أن يصل إليها؟ دعنا نرى القرآن الكريم ماذا يقول:  (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ) هذه قاعدة واضحة، حَسَنًا والنتيجة؟ (فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ) هذا فائز، بعدما كان الكل يَحِلُّ عليه الموت وسيذوق الموت النتيجة إذا واحد زُحزِحَ عَنِ النار و أُدخِلَ الجنة هذا فائز بغض النظر عما كان عليه في أثناء حياته غني، فقير، مستشار (استشاري) ، كبير، صغير، إلخ...  هذه كلها أمور جانبية، هذه كلها امتحانات جزئية هذه ليست هي الامتحان الحقيقي، الامتحان الحقيقي هو اذا زُحزِحَ عن النار وأُدخِلَ الجنة هذا فائز حتى لو كانت كل المقدمات صعبة، فقير، غني، إلى غير ذلك كل هذا لا يؤثر الذي يؤثر (زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ) اذا جَاوَب عَلى تِلكَ القائمة الأربعة أسئلة إجابة صحيحة هذا فائز، لا تشتبه وتتصور أن تحديك في هذه الدنيا هو أن تصل إلى المقام الفلاني، مثلا: أنا أصبحت عالما كنت طالبًا بسيطًا درست في الحوزة وأصبحت عالما ليس هذا هو المهم، الامتحان الحقيقي ليس هذا بل ما بعده، أنا كنت ممرض أو ممرضة أصبحت الآن رئيس القسم بكامله ليس هذا الامتحان الحقيقي هذا لايزال امتحان جزئي الامتحان الأصلي هو هذا (زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ) اذا لم يكن هكذا، فَلَو يحصل على أعلى الدرجات هو خاسر فاشل، مما يلفت النظر ذات مرة أن أحد المليارديرية المسلمين كُتِبَ عنه في الصحيفة الفلانية أن هذا ثروته افرض مثلا عشرين مليار فرسلوا اليهم رسالة احتجاج لا انا لست هكذا انا ثلاثين مليار ثَروَتِي، حسنا دعها تَكُن ان شاء الله ليست ٣٠ مليار بل دعها تكن  ٣٠ تريليون النتيجة هي (من أين اكتسبه وفيما أنفقه) هذا اذا جاوبت عليه لا فرق عِندَئِذٍ بين أن يكون لَدَيك ألف ريال أو ألف مليون أنت ستكون ناجحا إذا اكتسبته من حِلِّهِ وصرفته في حِلِّهِ غير هذا، سواء كنت فقير مُعدَم أو كنت تريليونير لا فرق في هذا ستكون في ذلك الامتحان خاسرا فاشلا نعوذ بالله. فيحتاج الإنسان أن يَتَوَجَّه إلى ما هو امتحانه الحقيقي؟ دعنا نرى القرآن يتكلم عَمَّن مِنَ الفائزين ومِنَ الخاسرين نسئل الله لمن يسمعنا جميعا أن يكون من الفائزين الصالحين وأهل الجنة المتقين أنه على كل شيء قدير القرآن الكريم يقول: (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ) يَتَذَكَّر الباري في مقابل المعصية وفي مقابل النعمة يَتَذَكَّر الله سبحانه وتعالى(فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) كم لديهم من مال؟ ليس مهم، ما هي شخصيتهم الاجتماعية؟ ليست هي الامتحان الحقيقي هذا امتحان جُزئِي إنما إذا أطاع الله ورسوله وخشي الله و اتقاهُ فأولئك هم الفائزون في آية أخرى يقول الله سبحانه وتعالى (قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ) الكذابون اتركهم جانبا، المُزَوِرُونَ اتركهم جانبا، هنالك بعض الأشخاص طيلة حياته في الكذب، سبحان الله!! كيف كما يتنفس يكذب وكما يأكل يكذب وكما يشرب يكذب على البعيد والقريب، قال الله: (قَالَ اللَّهُ هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ) ما شاء الله اذا شَعَرَ الإنسان برضا الله عنه!! أنت تتمنى لو أن والدك يكون راضيا عنك وعالم منطقتك يكون راضيا عنك و أقاربك يرضون عنك والحاكم يكون راضيا عنك، فكيف اذا كان الله سبحانه وتعالى راضيا عنك؟ رَضِيَ الله عنهم وهم أيضا رَضُوا عنه لِمَا أثابهم من الثواب (رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)هذا هو الفائز، هذا هو الناجح، هذا اجتاز الامتحان وأما غير هذا اذا لم يكن صادقا، لم يخشى الله، لم يتق الله، لم يطع الله ورسوله، مهما كان من الشخصية و المال و النفوذ والسلطان وغير ذلك هذا خاسر خائب وهذا اللي تجيب عنه آيات أخرى نحن نُورِدُ هذه الآيات المباركات حتى يتبين لنا كيف يُعَرِّفُ الله سبحانه وتعالى الفائز الناجح في الامتحان و ذلك الراسب الفاشل في امتحان الدنيا الذي مدته سنوات سرعان ما تَنقَضِي، يقول الله سبحانه وتعالى: (وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا) هذا الذي يترافق مع الشيطان صاحبا، اذا اتخذه وليا من دون الله صديقا مُرَافِقًا فقد خَسِرَ خسرانا مبينا، وهنالك أُنَاسٌ أخسرين ليس فقط خاسرين (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ) هذا يقول الآن نحن في هذه الدنيا و الإنسان ابن يومه وفي هذه الدنيا انت مَشِّيهَا، ذاك شيء نرى وننظر فيه لاحقا!! هذا نقد وذاك نسيئة (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ ۖ) وهؤلاء هم الأخسرين ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أحيانا الإنسان يمشي في طريق يُنفِق فيه عمره و ماله و جُهدَه يريد أن يَصِل ولكنه ليس متجه الى الاتجاه الصحيح لذلك يحتاج (وعن حبنا أهل البيت) لأن أهل البيت هم الهُدات وهم الأَدِلَّاء أنت ماشي في طريق خاطئ، أنت ماشي في طريق لا يؤدي إلى مَرضَاتِ الله U، لقد خاطبت العقيلة زينب(سلام الله عليها) أهل الكوفة عندما دخلت إليهم مسبية قالت: (فتعسا لكم ونكسا لقد خاب السعي وخسرت الصفقة وتَبَّت الأيدي وبُؤتم بغضب من الله U) كانوا يصلون و يصومون و مسجد الكوفة قبل مَجِيء مسلم ابن عقيل أيضا كان يمتلئ بالمصلين و اذا أقبل شهر رمضان يصوم الناس أولئك، لكن قضية (وعن حبنا أهل البيت) و ولاية أهل البيت لم تكن موجودة، فترى هذا الإنسان قد يجتهد في العمل والعبادة وغير ذلك ولكن البوصلة خاطئة، لذلك يحتاج الإنسان دائما أن يُوَجِّهَ نفسه و يعرض نفسه على منهاج الله، وما أحسن من أدعية أئمة الهدى (عليهم السلام) هذي بمثابة مطارق و أجراس تنبه الإنسان على ما هو فيه، لذلك أنصح نفسي أولا وأخواني ثانيا وهم يفعلون ذلك بحمد الله ولكن من باب التأكيد، هذه الصحيفة السجادية يجب أن لا يكون هنالك شخص من أبناء الشيعة إلا وقد قرأها من أولها إلى آخرها، لماذا؟ لأنك اذا لم تقرأها لن تعرف أين الامتحان الحقيقي، لن تعرف قاعة الامتحان لن تعرف الأسئلة التي تُوَجه إليك، لابد أن تقرأ هذه الأدعية واحدة بعد الأخرى حتى تعرف ماذا يراد بك. أَقرَأُ لك فقرة من كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام) من دعاء ثلاث وخمسين من الصحيفة السجادية وهذا تعليم لنا الإمام فوق هذه المستويات لكن تعليم وتربية سلام الله على أئمة الهدى اللذين عَلَّمُونا الدين بواجباته و مستحباته والتربية الأخلاقية بكل درجاتها يقول: (إلهي أَفْحَمَتْنِيْ ذُنُوبِي، وَانْقَطَعَتْ مَقَالَتِي، فَأَنَا الاَسِيرُ بِبَلِيَّتِي، الْمُرْتَهَنُ بِعَمَلِي، الْمُتَرَدِّدُ فِي خَطِيئَتِي، الْمُتَحَيِّرُ عَنْ قَصْدِي، الْمُنْقَطَعُ بِي،... ، سُبْحَانَكَ! أَيَّ جُرْأَة اجْتَرَأْتُ عَلَيْكَ؟) أنت الذي أَنعَمتَ وأَعطَيْتَ و رَبَّيْتَ و أَفَضَّتَ عَلَيَّ بالنِعَم :(عافية وصحة و الكون كله جعلته مُسَخَّر لي) و أنا أَجتَرِأُ عليك بعصياني لك (أَيَّ جُرْأَة اجْتَرَأْتُ عَلَيْكَ؟ وَأَيَّ تَغْرِير غَرَّرْتُ بِنَفْسِي...  مَوْلاَيَ ارْحَمْنِي إذَا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيَا أَثَرِي) هل تذكر جدك؟ قليل مَن يذكرون أجدادهم، متى توفي؟ و ماذا حصل له؟ أنا و أنت نكون هكذا ثلاثين سنة أو أربعين سنة أو خمسين سنة كُلُّ شَخصٍ حَسَبَ عُمُرِهِ بعد ذلك يُصبِح نَسْيًا مَنسِيًا، يُفرَدُ بِعَمَلِهِ، هنالك يقول الإمام(عليه السلام) : (وَأَيَّ تَغْرِير غَرَّرْتُ بِنَفْسِي...  مَوْلاَيَ ارْحَمْنِي إذَا انْقَطَعَ مِنَ الدُّنْيَا أَثَرِي، وَامَّحى مِنَ الْمَخْلُوقِينَ ذِكْرِي، وَكُنْتُ مِن الْمَنْسِيِّينَ، في مَنْ قَدْ نُسِيَ ... يا غَفْلَتِي عَمَّا يُرَادُ بِيَ.) أنا غافل، عيني ترى و أذني تسمع لكن أنا لست أدري ما هو المطلوب مني في هذه الدنيا، أنا مُنشَغِلٌ بالمال و بالشهوات و بغير ذلك و هنالك من ينتظرني كي يسألني عن عمري فيما أفنيته وعن شبابي فيما أبليته وعن مالي مما اكتسبته وفيما أنفقته، اذا قَدَّمت إلى هذا جواب ليست هنالك مشكلة حتى لو انا اذهب وانا في ريعان الشباب انا هكذا رابح، أنت لا تكن مُتَعَجِّبًا مثلا من أهل البيت (عليهم السلام) و أنصارهم عندما ترى منهم هذي التضحيات العظيمة يهجم على الموت وكأن الموت عُرسًا له!! لماذا؟ لأن هذا يَعرِفُ الطريق سَيُقَدِّمُ امتحان في الفداء و التضحية و سيذهب به إلى الجنة (ما بيننا وبين الجنة إلا أن نهجم على هؤلاء القوم و يهجمون علينا فإذا بنا في جنة الله التي عرضها السموات و الأرض) اذا انسان يفكر بهذه الطريقة آنَئِذٍ لا يُهِمُّهُ عمره طويل أو قصير أو توجد صُعُوبَاتٌ في هذه الدنيا أو لا توجد صُعُوبَات في هذه الدنيا، خذ هذا المثال المشرق أبو الفضل العباس ابن أمير المؤمنين(عليه السلام) قمر العشيرة، مَدْحُ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) له و الإمام معصوم لا يقول كلاما فيه مبالغة هذه زيارته تقرأها أنت: ( أَشْهَدُ لَكَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّصْدِيقِ وَالْوَفَاءِ وَالنَّصِيحَةِ، لِخَلَفِ النَّبِيِّ الْمُرْسَلِ، وَالسِّبْطِ الْمُنْتَجَبِ، وَالدَّلِيلِ الْعَالِمِ، وَالْوَصِيِّ الْمُبَلِّغِ) أنت كنت فِدَائِيًا بين يدي الحسين(عليه السلام) الإمام السجاد و رُوِيَ عن الإمام الصادق(عليه السلام): (إن لعمي العباس في الجنة منزلة يغبطه بها جميع الشهداء) جميع الشهداء وهذي جميع الشهداء كما يقولون دالة على العموم أنت استثني الحسين(عليه السلام) ومن هو في رتبته ومن يَتَبَقَّى ضع أي شخص فإذا بهذا الكلام من الإمام يُرَجِّحُ بمنزلة أبي الفضل العباس على سائر المنازل. كان بأبي وأمي لَصِيقًا بالحسين(عليه السلام) قيل إنه لم يكن يناديه بالأخوة وإنما بالإمامة و الطاعة، كان تحت تربية الحسنين(عليهما السلام) طيلة حياته ولا سيما بعد شهادة أمير المؤمنين(عليه السلام) فكان أن جاء أبو الفضل العباس معجزة الحسنين(عليهما السلام) في تربيته و في عطائه، نحن عندما نرى شخص يَلقَى ما لَقِيَ أبو الفضل العباس ومع ذلك يقول: (والله أن قطعتم يميني أني أُحامي أبدا عن ديني وعن إمام صادق اليقين) ولهذا يتبين تربيته ليست تربية اعتيادية، التعليم الذي خضع له و التوجيه الذي خضع له توجيه الحسين(عليه السلام) وقد أعطاه الإمام الحسين(عليه السلام) رايته الكبرى راية الهاشميين عندما أعطى حبيب بن مظاهر راية الأنصار وقَسَّمَ الرايات فكانت راية الهاشميين بِيَدِ أبي الفضل العباس(صلوات الله وسلامه عليه)، اُختُصَّ العباس بخصائص في هذا المعسكر منها أن الحسين(عليه السلام) لم يسمح له بأن يَبرُزَ إلى القتال وإنما استبقاه ذُخرًا إلى آخر الأنصار و تَعلِيلَهُ يقول له: (أنت العلامةُ من معسكري وأنت عمود خيمتي إذا أَنتَ قُتِلت يَؤُولُ جَمعُنَا إلى الشتات وتَنبَعِثُ عمارتنا إلى الخراب) يعني وجودنا نحن أهل البيت كله بوجودك يا أبا الفضل العباس. وبعض نقلة الأخبار يقول عندما صُرِعَ العباس ورجع الحسين إلى المخيمات جاء إلى الخيمة الكبرى وضرب عمودها فانهارت يعني خلاص يعني هذا المعسكر الآن ذهب العمد ماله يعني من كان يقوم بمقام السناد للحسين (عليه السلام) انتهى بمقتل العباس(عليه السلام) والعباس في تلك الحالة يَتَضَوَّرُ وَيَتَلَظَّى للبراز في القتال لأنه يريد أن ينتقم من أعداء الحسين من جهة ومن جهة أخرى يسمع صوت الصبية والأطفال يتنادون واعطشاه وهذا يجعله لا يستطيع أن يقف مكتوف الأيدي بدون فعل أي شيء. في كل مرة يأتي يستأذن من الحسين(عليه السلام) يَرِدُّهُ الحسين، مرتين الحسين (عليه السلام) سمح له أول مرة عندما انتدبه لكي يأتي بالماء من المشرعة وذهب ومعه ثلاثون من بينهم عدد من بني هاشم طلبوا الماء ولم يقبل أولئك الموكلون على المشرعة و يذكرون أنه كان على المشرعة حوالي أربعة آلاف من الجيش فحمل عليهم أبو الفضل العباس حملةً منكرةً حتى كشفوهم عن المشرعة أبو الفضل العباس مع ثلاثين رجل حتى مَلَؤوا القِرَب والطِسَاس وجاؤوا بها راجعين إلى المخيم وأخذوا يعطون الأطفال والصبية الماء هذا أبو فاضل ساقي عطاشى كربلاء

 إذا كان ساقي الناس في الحشر حيدر                فساقي عطاشى كربلاء أبو الفضل

هذه هي المرة الأولى أما المرة الثانية ذهب فيها أبو الفضل إلى المشرعة ولم يرجع منها، في المرة الأولى ذهب و رجع بالماء و قَرَّت عيون الفواطم و نَعِمَ الأطفال بذلك الماء في هذه المرة سيذهب أبو الفضل إلى الماء ولا يرجع إلى الخيمات

 
مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٧٦

أرشيف الكاتب
حسن اشرف العقيلي
إعداد وتحرير

إجمالي المساهمات: ١

أرشيف المحرر
البحث في الموقع
الأكثر قراءة