روي عن سيدنا ومولانا أبي الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليه في وصفه للإمام من أهل البيت فقال : ( الإمام المطهر من الذنوب المبرؤ عن العيوب المخصوص بالعلم الموسوم بالحلم ، نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين ، الإمام واحد دهره لا يدانيه أحد ولا يعادله عالم ولا يوجد منه بدل ولا له مثلٌ ولا نظير ، مخصوصٌ بالفضل كله من غير طلبٍ له ولا اكتساب بل اختصاصٍ من المفضل الوهاب ، يظنون أن ذلك يوجد في غير آل الرسول محمد كذبتهم والله أنفسهم ومنتهم الأباطيل ) صدق سيدنا ومولانا أبو الحسن علي بن موسى الرضا صلوات الله وسلامه عليه . حديثنا يتناول شيئًا من مواصفات الإمام وعلاماته وننطلق من هذا الحديث المعروف والمشهور عن الإمام الرضا عليه السلام وقد قاله أيام كان في مرو خراسان حيث يقول الراوي أن القوم في المسجد أخذوا يتناظرون في أمر الإمامة ، ففي زمن المأمون العباسي كان الجو الفكري إلى حدٍ ما مفتوحًا ونشط فيه مثلًا من مدرسة الخلفاء الاتجاه المعتزلي والعقلي وكان يأخذ جانب المناظرة والمناقشة وما شابه ذلك وظل هذا مستمرًا إلى نهاية حكم المأمون عندما جاء بعده بمدةٍ المتوكل فقضى على كل هذا الجو ومنع النقاش والحوار والبحث وأغلق هذا الباب بشكلٍ نهائيٍ . لكن في زمان المأمون كانت المناظرات قائمة بل هو نفسه المأمون عقد أكثر من جلسةٍ مع الأئمة عليهم السلام بل عقد ما يسمى اليوم بحوار الأديان واستجلب أرباب المذاهب والأديان ليتناقشوا فيما بينهم . فمن الطبيعي أن هذه المسائل الفكرية تتموج وتنتشر وكلٌ يدلو بدلوه ، فكان هناك نقاش حول موضوع الإمامة ، من هو الإمام بعد النبي عند المسلمين ؟ ومن يستحق الإمامة ؟ وهذا كان محور الحوار في مسجد مرو وغند وصول الإمام الرضا عليه السلام إلى هناك يعني في حدود سنة ٢٠١ هـ فأحد أصحابه جاء إلى الإمام عليه السلام وسأله أين كنت ؟ قال : كنت في المسجد وقد دار النقاش حول الإمامة والإمام وماذا يجب عليه ؟ ومن يكون ؟ فالإمام عليه السلام تبسم . فقال له : مم تبسمت ؟ قال : لأنهم لا يعلمون عن الإمامة الحقة شيئًا فحين يتكلمون عن الإمام هم لا يتكلمون عن الإمامة الإلهية التي هي في مرتبة النبوة من حيث الانتخاب الإلهي . فقال له : فبين لي ذلك . فألقى عليه حديثًا طويلًا مفصلًا في هذا الجانب نقله ثقة الإسلام الكليني رضوان الله عليه في كتابه مباحث الحجة أو بحث الحجة . وهو حديثٌ طويلٌ وقيم المضامين والمعاني انتخبنا منه جانبًا من هذه الكلمات كي ننطلق منها إلى الحديث عن بعض صفات الإمام بحسب نظرة شيعة أهل البيت صلوات الله عليهم . أول ما يفتتح الإمام كلامه يقول : ( الإمام هوالمطهر من الذنوب ، المبرأ من العيوب ) وهذا يحمل معنيي العصمة والكمال الخلقي والخلقي . و ( المطهر من الذنوب ) لعله إشارة لما جاء في آية التطهير ( إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا ) والمبرأ من العيوب إشارة إلى قاعدة كونها العلماء وهي أن كل من شأنه أن ينفر الناس من النبي ومن الإمام فلا يمكن أن يكون موجودًا فيه . فلو كانت مثلًا سمعة النبي أو الإمام غير جيدة لا يمكن أن يكون ذلك في هذا النبي فلو كان على سبيل المثال شكله شكلًا قبيحًا منفرًا بحيث يعد عيبًا في الخلق فهذا يعد نفس الكلام ولهذا بعض علماء الكلام من الإمامية عندما رأوا وصية الإمام الصادق عليه السلام إلى الإمام موسى في خمسة وهم هارون ووالي المدينة وحميدة وعبد الله الأفطح وموسى ، استبعدوا هارون ووالي المدينة باعتباهم حكام ؟ وكذلك استبعدوا حميدة زوجة الإمام باعتبارها امرأة فيبقى لدينا موسى وعبدالله الأفطح وهما ابنا الإمام الصادق عليه السلام . فالعلماء في ذلك الوقت قالوا : إن عبدالله الأفطح خلقٌ مشوقٌ لا يتناسب مع الإمامة . هذا إضافة إلى أنه لا يوجد نص ينص على إمامة عبدالله الأفطح ، فالشخص المشوه خلقًا المعيوب جسمًا بنحوٍ يجعل نفرةً من الناس تجاهه لا يمكن أن يكون نبيًا ولا إمامًا وبهذا أيضًا ردت الروايات التي تقول أن نبي الله أيوب قد ابتلي في بدنه بأمراض إلى حد أن الدود كان يخرج من أنفه ويدخل في فمه وأذنه ، قالوا هذا كله كلامٌ باطلٌ لا يصح لأنه لا يمكن أن يبتلي الله عبده النبي المقرب بهذا الأمر فإن فيه تنفيرًا للناس وللعباد . فهو إذن مطهرٌ من الذنوب مبرأ من العيوب مخصوصٌ بالعلم ( ونأتي ببيان ذلك لاحقًا ) موسوم بالحلم لا ينفعل لأتفه الأسباب لا يعاقب بغير مبرر بل يتمسك بجانب الحلم باعتبار أن الحلم سيد الأخلاق وترى أن أئمتنا عليهم السلام يشتمون أمام أنظارهم ومع أنهم عندهم قدرة على الدفاع والرد ودفع أنصارهم بأن ينتقموا لهم إلا أنهم كانوا يلتزمون جانب الحلم . ( نظام الدين وعز المسلمين وغيظ المنافقين وبوار الكافرين ) وهذه ليس مديات سياسية وعسكرية بمقدار جهاتها الدينية ، فالإمام أنما يأتي لإنشاء نظامٌ للدين يحرسه من الانفراط ، فلو لم يكن هناك إمامٌ معصومٌ من الله عز وجل ينفرط أمر الدين وتضيع أحكامه سواء كان هو الحاكم سياسيًا أو لم يكن ذلك . (وعز المسلمين ) وإنما يحدث عز المسلمين بعزة دينهم وتمسكهم بالحق ثم يقول عليه السلام الإمام ( واحد دهره لا يدانيه أحد ) فلا يوجد نسخة أخرى في نفس الوقت ، فقد يكون في المرجعيات الدينية وهم ليسو أئمةً معصومين من الممكن أن يشهد عصرٌ خمسة مراجع وقد يكونون متساوين في العلم ولا أفضلية لبعضهم على بعض وهذا ممكن ولكن بالنسبة للإمام المعصوم إذا كان إمامًا فعليًا لا يدانيه أحد ولا يساويه أحد بل غيره لا ينطق في حضوره فأمير المؤمنين عليه السلام كان الإمام في وقته والحسن والحسين كانا إمامين لكن في حال حضور أمير المؤمنين لا ينطقون إلا عن أمره ولا يتصرفون إلا بإذنه . ( ولا يعادله عالمٌ ولا يوجد منه بدل ولا له مثل ٌ أو نضير مخصوصٌ بالفضل كله من غير طلبٍ منه ولا اكتساب ) وهذه إفاضة فالكمال الأخلاقي وكمال الفضل عنده ليس لأنه تعلمه لا عند معلم أخلاق ولا معلم قرآن ولا معلم فقه لا من غير طلبٍ منه ولا اكتساب وإنما ذلك إفاضةٌ من الله عز وجل عليه وإلا كيف تفسر أن الإمام الجواد عليه السلام وعمره سبع سنوات يتصدى لأمر الإمامة فمتى درس علوم الفقه والتفسير وسائر العلوم ، فكيف أفاض الله عليهم العلم نحن لا نعلم . فالبعض يطلق عليه العلم اللدني في قبال علم الاكتساب ، والإمام المهدي عجل الله فرجه الشريف جاءته الإمام وهو في حدود الخمس سنوات وكان عالمًا بكل ما يحتاج إليه الخلق ، والبعض ممن أراد أن يجرب ويمتحن ذهب إلى الإمام الجواد فالمأمون العباسي بطلب من العباسيين عقد أربع جلسات مع الإمام الجواد عليه السلام وفيها فحول العلماء ليمتحنوه ويسألوه عما بدا لكم ، فغرقوا جميعًا في بحر علمه صلوات الله عليه . وهذه ليست حالة واحدة ولا حالتين وإنما متكررة مع ساير الأئمة ( يظنون أن ذلك موجود غي غير بيت آل الرسول محمد قد والله كذبتهم أنفسهم ومنتهم الأباطيل ) ما يحصل هذا في غير ذرية رسول الله ( ص ) والنبي صرح بذلك ( عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ) وقال من قريش وقال من ولد الحسين وقال عترتي وذريتي وهذه كلها تحصرها في نسل رسول الله وبالذات في ذرية الإمام الحسين عليه السلام ، وهذا شيء من الإضاءة على كلام الإمام الرضا عليه السلام ولندخل في بعض الصفات . الصفة الأولى : أن الإمام في عرف الإمامية لا بد أن يكون منتخبًا من الله عز وجل فليس هو من انتخب نفسه ولا أن البشر قد وافقوا على ذلك ورشحوه ولا أن سلطان الوقت عينه ، فمما يحضر بالبال أنه في زمان الإمام العسكري عليه السلام أخوه جعفر الكذاب والذي كان له ارتباطٌ بالخلافة العباسية ، قال للخليفة العباسي أن يعينه في منصب أخي ، فسخر منه فقال له : يا مائق يعني يا أحمق إن كان هذا من الله لك فلا تحتاج إلى تنصيبي وإن لم يكن فلا ينفعك تنصيبي في شيء . فهو انتخابٌ ربانيٌ إلهيٌ مرتبطٌ بأن انتخاب البشر كما لا يصح في النبوة كذلك لا يصح في الإمامة . فالنبي منصب من قبل الله وأكثر الناس يخالفونه في أول الأمر إلى أن يفتح الله عليه والإمامة هذا . والقرآن الكريم يعطينا مثال جميل في الآية المباركة ( واختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا ) واختصار القصة أنه بعدما انحرف بنو إسرائيل وخروج موسى من بينهم وذهابه إلى ميقات ربه غضب وعاتبهم ونكل بهم وعاتب أخاه هارون ، فصار القرار أن ينتخب من سبعين ألف وهو من بني إسرائيل ينتخب من كل ألف رجل واحد يكون أفضلهم تقوىً وعلمًا ودينًا وأخلاقًا ويأتي هؤلاء السبعون ويناجون ربهم ويطلبون التوبة على بني إسرائيل ، وحين وصلوا إلى مكان المناجاة قالوا : أرنا الله جهرةً ! والعجيب أن هؤلاء انتخبهم من سبعين ألف وجاؤا ليستغفروا لمن خلفهم ثم يقولون أرنا الله جهرة ! فقال الله تعالى لموسى : سلني بما سألوك فلن أؤاخذك بما قالوا . فسأله ، فقال له تعالى : ( انظر إلى الجبل فإن استقر في مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكًا وخر موسى صعقًا ) وهم أيضًا صعقوا فلما أحياهم من جديد عاتبهم موسى . والشاهد في هذه القضية أن الانتخاب من سبعين ألف سبعين شخص وهذه النخبة الأفضل ومع هذا لما ذهبوا للمناجاة هكذا كان فعلهم ، فكيف مثل هؤلاء ينتخبون نبيًا أو إمامًا وهذا يثبت أن البشر ليس في طاقتهم ولا استطاعتهم أن ينتخبوا إمامهم الإلهي . نعم إمامهم السياسي أو إمام الجماعة أو غيره لا مانع ، أما الإمام الإلهي الذي هو بمقاييس علي بن أبي طالب هؤلاء لا يستطيعون أن ينتخبوه وإلا سيحصل مثل ما حصل لنبي الله موسى . أولًا : الإمام منصبٌ ومنتخبٌ ومنصوصٌ عليه إلهيًا، لا الإمام الذي قبله يستطيع أن يغيره ولا يقترح ولا يؤخر فلو فرضنا أن أحد الأئمة أراد أن يعين غير المنصوص عليه من قبل الله فإنه لا يستطيع ذلك ويرتكب إثمًا ويخرج عن العصمة وهذا خلاف الفرض وليس لأنه يميل إلى هذا أكثر ولا لأنه يحبه أكثر ولا لأنه قريبٌ منه أكثر وإنما هي أسماء معروفة ومحددة ومخصوصة من زمان رسول الله ( ص) . وبطبيعة الحال سيكون من صفاته العصمة كما ذكرنا فهو مبرأ من الذنوب لا يوجد عنده ذنبٌ لا صغير ولا كبير لأن وجود الذنب عند شخصٍ يستتبع عدة أمور فلو كان القائد يجري عليه الذنب فمن الممكن أن يكذب على الله لأن الكذب ذنب من الذنوب ومن الممكن أن يخطئ بالناس الطريق متعمدًا ومن الممكن أن يرتكب بعض الذنوب كشرب الخمر وغير ذلك وآنئذٍ وظيفة الناس ليس أن لا يطيعوه وإنما الإنكار عليه والتجهم في وجهه والعبوس فأين إذن ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) ونفس الأمر بالنسبة للإمام لا بد أن يكون معصومًا وكذلك لا بد أن يكون محتويًا على علمٍ لا يطيقه سائر البشر وهو منتهى الاستطاعة البشرية . فبعض العلوم فوق طاقة البشر وهي مختصةٌ بالله عز وجل فالله سبحانه وتعالى جعل قسمًا من الغيب لا يطلع عليه أحدًا وقسم آخر من ارتضى من رسول يطلعه عليه . فما كان في طاقة البشر من تحمل العلم فالله سبحانه وتعالى يهبه للنبي وللإمام عبر النبي لأن الله كما يقول الإمام الصادق ( أحكم من أن يفترض طاعة شخصٍ على العباد ولا يكون عنده كل ما يريدون ) كأن يسألون مسألة في الفقه فيراجع ويسأل أستاذه ونفس الكلام لو سألوه في القرآن أو التاريخ وفي المستقبل أو في العقليات ! فلا بد أن يكون الإمام حائزًا على كافة أنحاء العلوم والمعارف التي قد يحتاج إليها العباد ومن دون ذلك لا يكون إمامًا . ولهذا كان يتحدى أدعياء الإمامة بمثل هذه الأسئلة . فقد تحدث الإمام الصادق عليه السلام عن آخر الزمان وكان زرارة بن أعين جالسًا فقال إذا وجدنا أشخاص في آخر الزمان يدعون الإمامة فماذا نصنع ؟ قال : سلوهم عما لا يستطيع الإجابة عنه سوى الإمام . كالمغيبات مثلًا مما لا يطلع عليه من ليس له اتصالٌ بالله عز وجل فضلًا عن المسائل العلمية الدقيقة والمعقدة . وهذا واحد من الموارد التي بها أبطلت إمامة عبدالله بن موسى الكاظم أخو الإمام علي بن موسى فهو رجل كبير عم الإمام الجواد والإمام الجواد ولده أبوه متأخرًا وعمره ٤٢ سنة فإذا كان عمره تسع سنوات فعمر والده ذلك الوقت حدود الخمسين فعمه قريب من هذا العمر وكان الإمام الكاظم له أولاد كثيرون فلما جاءت الإمامة للجواد عليه السلام وكان صغير العمر ادعى الإمامة عبدالله بن موسى فبعض أبناء الأئمة قد لا تكون معارفهم حول الإمامة كاملةً فيتصور أن الإمام مثل الشيخ الذي يتقدم الجماعة وشيئًا فشيئًا تكبر ثقتهم فيه ، وأولاد الأئمة يتفاوتون مثلهم كمثل بقية البشر ، أو أن بعضهم يطمع في الرئاسة وحب الزعامة . فعبدالله بن موسى بعد شهادة الإمام تصدر المجلس وبعض الناس تصور أنه هو الإمام مع أن عند الإمامية لا تكون الإمامة في أخوين بعد الحسن والحسين وهذا من علامات الإمامة وهو متسالم عليه عند الإمامة . فأقبلوا عليه يسألونه فأجاب بأجوبة مشرقًا تارةً ومغربًا أخرى حتى بعض الحاضرين من كبار الرواة وأصحاب الأئمة استغربوا من أجوبته فهي تختلف عن العلم الذي حدثنا به أئمة أهل البيت ، فاستنجدوا بالإمام الجواد وقالوا له : يا أبا جعفر هذا عمك أدرك شيعة أبيك . فأتاه الإمام وكان عمره ثمان سنوات فقال له الإمام : يا عم إنه لكبيرٌ أن تقف يوم القيامة بين يدي الله عز وجل وقد أفتيت بأحكامه بما يخالف الحق . فقال له : وما ذاك ؟ فبين له أخطاءه . فساله وما الصحيح فأجاب الإمام على مسألة مسألة بشكلٍ دقيقٍ وواضح . فقال الناس نعم هكذا سمعنا من أئمة أهل البيت . فهذا العلم علمٌ إلهيٌ مفاض وأحيانًا ليس فقط مربوط بالفقه والتفسير وهذا كان من أحد أسباب هشام بن الحكم هذا العالم الجليل يبدو أنه كان نبوغه مبكرًا لأنه حين جاء إلى الإمام الصادق عليه السلام كان من أبناء ١٨ سنة وذلك الوقت كان يعد من الفلاسفة فأحد أصحاب الإمام الصادق عليه السلام قال له : إذا ترغب في الذهاب إلى جعفر بن محمد؟ فقال : نعم أنا عندي أسئلة . فاستأذن من الإمام فأذن له . وهذا الرجل البسيط من أصحاب الإمام صاحب عقلية عظيمة وهو على صغر سنة لا يصمد أمامه أحد فهذا الرجل يقول : رجعت إلى الإمام الصادق وقلت : يا أبا عبدالله إنه هشام بن الحكم . فضحك الإمام عليه السلام وعلمت أنني قد أخطأت . فقال : أدخله علي . فدخل هشام وأجابه الإمام عن خمسين مسألة فلسفية معقدة مثلما يشرب جرعة الماء . وهو مدهوش ‘ ثم قال له الإمام : أنا أسألك سؤال واضطرب في طلبه أسبوعًا . وفعلًا سأله سؤال وهشام بحث عن إجابة هذا السؤال فلم يجدها ، فرجع إليه بعد أربعة أو خمسة أيام فقال : ما وجدت جوابًا فأجابه الإمام في اللحظة . فقال له هشام : يا أبا عبدالله هذا القرآن واضح كيف تعرفه والحديث والأحكام كذلك وهذا ( يعني علم الفلسفة ) من أين علمته ؟ فقال له : يا هشام إن الله أحكم من أن يفترض طاعة رجلٍ على الخلق ثم لا يكون عنده كل ما يحتاجون إليه . فقال هشام عندئذٍ : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وأنك ولي الله وحجته على خلقه . وهكذا سائر العلوم وقد ذكرنا أن الإمام الباقر عليه السلام دخل على هشام بن عبدالملك الخليفة الأموي الظالم وكان يريد أن يحرج الإمام فقال له : ارمِ الغرض يعني هدف بالقوس والسهم على نقطة المركز وكان غرضه من ذلك أن يحرج الإمام لأنه في ذلك الوقت عمره فوق الخمسين وكان بادٍ أن الإمام حمل اللحم كما يقولون وآتٍ من سفر من المدينة إلى الشام . فكان غرض هشام بن عبد الملك أنه لما الإمام يرمي هذا الغرض إما أن لا يصل لضعفه أو أن يصل لكنه يضرب يمينًا أو شمالًا فيصير مضحكة ، فقام الإمام بالاعتذار عن ذلك ، فقال : لا أعفيك لا بد من ذلك . فأخذ القوس ورمى في نقطة المركز بالضبط فدهش هشام بن عبدالملك ، فقال ارمِ ثانية ، فرمى ثانيًا فشق السهم الأول إلى نصفيه ، فدهش هشام وقال : والله ما رأيت مثل هذا الرمي في العرب أبدًا . من أين تعلمت الرمي يا أبا جعفر ؟ ألم تقل أنك لا تستطيع ؟ فقال : عرفته قبل هذا . فقال له : فهل يتقن جعفر ما تتقن ؟ فقال : نعم ، نحن أهل البيت نتوارث الكمال واحدًا بعد الآخر . فعلمهم علمٌ إلهيٌ هو أقصى ما يستطيع البشر أن يصل إليه وكله إفاضةٌ من عند الله عز وجل . والأمر الثالث : الكمالات الأخلاقية والكمالات الخلقية وقد أشرنا إليها ، فالخلقية في البدن لا يكون فيه شيء منفر للعباد ولا يكون فيه شيء قبيح وليس معنى ذلك أن يكون ملك جمال الكون ، هذا ليس مطلوبًا ولكن لا يكون فيه شيء مشوه ولا منفر . وفي الجانب الأخلاقي أيضًا الكلام هو نفس الكلام فهو واحد دهره كما يقول الرضا عليه السلام لا مثيل له ولا نضير ولا عديل له في زمانه بل هو الأول في كل هذه الأمور . هذه جملة من الصفات ومنها أنه مزودٌ بكراماتٍ إلهيةٍ يستعملها وقت الحاجة إليها فبعض الناس يقول لم لا يعمل الإمام هذه المعجزة ؟ فهل الإمام يمشي حسب اقتراحاتي ؟ بل حتى النبي لم يكن يصنع هكذا فقد قالوا له : يا رسول الله اعمل لنا عمل نستطيع به أن نذهب إلى الشام في ليلة ونغدو في ليلةٍ أخرى ، والنبي رفض هذه الاقتراحات ، فهو عنده معجزة معينة الله يعينني عليها وهي دلالة صدق ولا أعمل حسب ما يرغب إليه الآخرون وحسب مشتهياتهم فهذا ليس شأن الإمام . فالأئمة عليهم السلام قد يزودون بكرامات هي أشبه بالمعجزات عند الأنبياء فالمعجزة تعريفها الواضح هي : خرق الطبيعة مع ادعاء النبوة وهنا لا يوجد ادعاء النبوة ولكن تأييد إلهي لموقع هذا المعصوم ويذكرون كثيرٌ من الأمور في كتب المعاجز ، فمثلًا عن الإمام الهادي عليه السلام أن خليفة الوقت غي زمانه أراد أن يعبث بالإمام وأن يسخر منه فدعاه على مائدة طعام وجاء بساحرٍ من سحرة الهند فلما جلسوا على المائدة عمد المتوكل إلى الساحر أنه كلما يتناول الإمام شيء يعمل سحر بحيث يقفز هذا الشيء منه ( هل للسحر حقائق أو لا هذا ليس بحثنا ) وبالفعل حين أراد الإمام أن يتناول شيئًا من المائدة عمل ذلك الساحر شعبذة ولم يستطع الإمام وأراد أن يتناول شيئًا آخر نفس الكلام والثالث نفس الشيء والإمام عليه السلام ينظر إليه بغضب فطال الأمر وكان على الجدار ستار عليه صورة أسد فأشار الإمام الهادي عليه السلام للأسد وقال : خذ عدو الله من مكانه ، فتحول ذلك الرسم إلى أسدٍ وابتلع هذا الساحر وانتهى أمره فتعجب الجميع . ونحن أيضًا نتعجب في بادئ الأمر ولكن إذا عرفنا أن لأهل البيت عليهم السلام مقامًا تكوينيًا من عند الله عز وجل وكراماتٍ إلهيةٍ يستعملونها عند الحاجة الملحة إليها فلا غرابة في ذلك كما كان أكثر من أربعة آلاف معجزة لرسول الله ( ص ) وقلنا هذه ليست بحسب الاقتراح ولا العبث وإنما عندما يكون هناك مبررٌ واضحٌ تتدخل القدرة الإلهية في نصر أوليائه وأولياء أنبيائه وهذا حصل مرارًا وتكرارًا منهم صلوات الله عليهم والكتب التي ألفت في معاجز وكرامات الأئمة أكثر من أن تحصى بحيث يستطيع الإنسان الاطمئنان التام إلى حصول هذه الأمور في الجملة . فإذن الإمام هو مزودٌ بالكرامات من الله عز وجل ومنصوص على إمامته بمختلف الوسائل فمرةً يقول قوله قولي وأمره أمري فينزل التالي منزلته ومرةً يقول صاحبكم من بعدي فلان وهكذا مختلف النصوص بمختلف العبارات التي يستفيد منها السامع أن هذا موقعه كموقع أبيه الإمام السابق وهو لاحقًا له وأحيانًا نفس الإمام تتضافر إليه عشرات الطرق والوسائل والعلامات والتي من خلالها يعرف هذا الإمام التالي له . ومن طرق النص على إمامة الإمام المجتبى عليه السلام أن أبيه الإمام علي كان يحيل إليه الأسئلة الصعبة كأسئلة الخضر التي أحالها إليه فأجابها بتمامها وهكذا في موارد كثيرة كالرسول الذي جاء من معاوية إلى الكوفة وعنده مسائل من ملك الروم وعجز هو ومن معه أن يجيبه عليها فجاء رسولٌ متخفٍ للإمام علي وقال أنا من شيعتك وعندي مسائل فقال له : لست من شيعتي ولكن ماهي مسائلك ؟ فأدلاها إليه فأحالها إلى الإمام الحسن عليه السلام وقال له : أجبه يا أبا محمد . فإجابة الإمام عن مسائل خاصة لا يجيب عليها إلا من كان عنده علم الإمامة مع وجود الإمام الحسين لكنه لم يحله عليه ولو أحالها عليه فلا مشكلة ولكن الإمام هو في صدد أن يبين مكانة الإمام الحسن وإمامته من بعده .