ومثله ما نقل عن الإمام السجاد﵇: «ما من يوم أشد على رسول الله﵌ من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ثم قال﵇: ولا يوم كيوم الحسين﵇ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا»281.
التمنيات الكاذبة
نلتقي في أحداث كربلاء بشخصيات متعددة، ومن تلك الشخصيات أصحاب التمنيات الكاذبة، الذين يتمنون دائماً ولا يعملون لتحقيق تلك التمنيات ما تستحق من جهد وعمل وموقف، ويذكرنا موقفهم هذا بقول الشاعر:
أتمنى في الثريا مجلسي
والتمني رأس مال المفلس!
قرة بن قيس الحنظلي أحد هذه النماذج فإنه جاء برسالة من عمر بن سعد إلى الإمام الحسين﵇، فلما أداها وأراد الانصراف، وكان يعرفه حبيب بن مظاهر الأسدي، فدعاه للبقاء معهم، وقال له: ويحك يا قرة بن قيس أنّى ترجع إلى القوم الظالمين انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك الله بالكرامة وإيانا معك فقال له قرة أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي282قال فانصرف إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.. وبالطبع لم يرجع.
وحصلت له فرصة أخرى في موقف آخر يوم عاشوراء، إذ كان بجنب الحر بن يزيد الرياحي، والحر يفكر، ثم أخذه مثل الإفكل (الرعدة)، ورآه يتحرك قليلاً، وقال له: يا قرة هل سقيت فرسك اليوم؟ قال: لا، قال: إنما تريد أن تسقيه قال فظننت والله أنه يريد أن يتنحى فلا يشهد القتال وكره أن أراه حين يصنع ذلك فيخاف أن أرفعه عليه، فقلت له: لم أسقه وأنا منطلق فساقيه، قال: فاعتزلت ذلك المكان الذي كان فيه، قال: فو الله لو أنه أطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين.283
أقول: لا ريب أنه كان كاذباً، فقد تواردت عليه الفرص واحدة بعد أخرى ومع ذلك كان يعرض عنها. ثم لقد رآه قد انضم إلى معسكر الحسين وبين انضمامه ومقتله حوالي نصف نهار، ألم تكن هذه كافية له لكي ينسل وينضم إلى المعسكر الحسيني؟ لكنه التمني الكاذب.
نقل أيضاً أنه في مساء يوم السادس استأذن حبيب بن مظاهر الإمام الحسين لدعوة حي من بني أسد لما فيه خير آخرتهم لنصرة الحسين فأذن الحسين له، ولما وصل إليهم قال: إني أدعوكم إلى شرف الآخرة وفضائلها وجسيم ثوابها أنا أدعوكم إلى نصرة ابن بنت رسول اللّه نبيكم﵌ فقد أصبح مظلوماً، دعاه أهل الكوفة لينصروه فلما أتاهم خذلوه وعمدوا عليه ليقتلوه.
فاستجاب له سبعون شخصاً وكان من بينهم عبد اللّه بن بشر الأسدي، فقال: أنا أول من يجيب هذه الدعوى ثم جعل يرتجز.
قد علم القوم إذا تواكلوا
وأحجم الفرسان أو تثاقلوا
إنّي شجاع بطل مقاتل
كأنني ليث عرين باسل
وخفوا إلى نصرة الإمام الا انه كان في المجالس عين لابن سعد فأسرع إليه وأخبره بذلك، فجهز مفرزة من جيشه بقيادة جبلة بن عمر فحالوا بينهم وبين الالتحاق بالحسين.284