ثمَّ التفتَ إلى الخيام فنادى: يا سكينةُ يا فاطمةُ (يا زينب)319 يا أمَّ كُلْثُومٍ عليكنَّ منِّي السلامُ، فهذا آخر الاجتماعُ، وقد قَرُبَ منكنَّ الافتجاعُ، فَعَلَتْ أصواتُهنَّ بالبكاءِ والعويل، وصِحنَ: الوَداعَ الوَداعَ، الفِراقَ الفِراقَ320.
نعي نصاري321:
رد واعياله امن العطش يومن
أو صاح ابصوت للتوديع گومن
مثل سرب الگطا گامن يحومن
تطيح اعليه وحدتهن أو تعثر
اجت زينب أو باجي الحرم يمه
أو صارت للوداع اعليه حنه
يشم سكنه وهي گامت تشمه
يحبها والدمع ليلو ايتنثر
يبوي ايطول من بعدي ونينچ
أو مثل النيب چن اسمع حنينچ
يبوي لا تشوفيني ابعينچ
اخافن ينخطف لونچ أو يصفر
فأحطْنَ به منْ كلِّ جانبٍ، وتعلقن بأذياله، هذهِ تقبِّلُ رأسَه، وتلكَ تُقبِّلُ وجههُ، وأخرى تقبِّلُ يديهِ ورِجليه، وتلك تقول: إلى أينَ يا حِمانا؟ إلى أينَ يا رجانا، إلى أين يا نعم الخلف، إلى أين يا بقية السلف.
وبينما الحسينُ﵇ في ذلك الحال وإذا بمنادٍ ينادي: يا حسين قعدتَ عن الحرب، وجلستَ في خيمةِ النساء؟
امسح على رأسي كاليتامى
فقامَ الحسين﵇ وركب جوادَه وانحدر نحو القوم، فبينما هو يسير وإذا بصوتٍ من خلفه: أبه يا حسين لي إليك حاجة.
فالتفت الحسين، وإذا بها ابنته سكينة، فقال لها بنية ما حاجتك؟ قالت: أبه حاجتي أن تنزل عن ظهر جوادك، أودِّعُك وداع اليتامى، تجلسني في حجرك وتمسح على رأسي كما يُمسح على رؤوس الأيتام.
فنزل الحسين عن ظهر جواده، أجلسها في حجره ودموعها تتحادرُ على خديها، قالت: يَا أَبَهْ (أراك قد) اسْتَسْلَمْتَ لِلْمَوْتِ؟ فَقَالَ: كَيْفَ لَا يَسْتَسْلِمُ (للموت) مَنْ لَا نَاصِرَ لَهُ وَلَا مُعِينَ! فَقَالَتْ: (إذن) يَا أَبَهْ رُدَّنَا إِلَى حَرَمِ جَدِّنَا فَقَالَ هَيْهَاتَ لَوْ تُرِكَ الْقَطَا (ليلاً) لَنَام322. (يعني بنية: هذا خارجٌ عن إرادتنا، فإن القوم قد أكرهونا وألجأونا وسدوا علينا الطرق، كما تكره طيور القطا على الطيران ليلاً وتثار في أماكنها)323.
فصبرها الحسين﵇ وودَّعها بقوله:
سيطولُ بعدي يا سكينةُ فاعلمي
منكِ البُّكاءُ إذا الحِمامُ دَهاني
لا تُحرقي قَلبي بدمعِكِ حَسـرةً
مادام منِّي الرُّوحُ في جُثماني
فإذا أنَا قُتِلتُ فأَنتِ أولى بالَّذي
تأتينَهُ يَا خِيرةَ النِّسوانِ
نصاري
يبويه انروح كل احنا فداياك
اخذني للقبر يحسين وياك
اهي غيبة يبوي واگعد اتناك
وگولن سافر أو يومين يسدر
يبويه گول لا تخفي عليه
هذي روحتك يو بعد جيه
يبوي انچان رايح هاي هيها
خذني اوياك عنك مقدر اصبر
أماه يا فاطمة قد أديت الأمانة
ودعها الحسين﵇، بعد أن صبَّرها وسلاها، وامتطى صهوة جواده، وإذا بصوت الحوراء زينب﵍ يملأُ سمعَه: أخي حسين قف لي هنيئة، انزل من على ظهر جوادك، فنزل الحسين، قالت: أخي اكشف لي عن صدرك، وعن نحرك، فكشف الحسين عن صدره وعن نحره، فشمّته في نحره، وقبلته في صدره، ثم حوَّلت وجهها نحو المدينة، وصاحت: أُماه يا فاطمة قد استرجعت الوديعة وأُديتِ الأمانة.
فقال لها: أخية وما الأمانة؟
قالت: اعلم يا بن والدي، أنه لما دنت من أمنا فاطمة الوفاة، قربتني إليها، شمتني في نحري، وقبلتني في صدري، وقالت لي: بنية هذه وديعتي عندك، فإذا رأيت أخاك الحسين وحيداً فريداً، شميه في نحره وقبليه في صدره.
ولا أدري هل أخبرتها الزهراء﵍ عن السبب، وهل سألتها العقيلة؟
ولكنها العالمة غير المعلمة، فتعلم بأن الزهراء أرادت منها أن تقبله في نحره لأنه موضع السيوف، وتريدها أن تقبله في صدره لأنه موضع حوافر الخيول.
من شعر الحسين﵇ يوم عاشوراء
امتطى صهوةَ فرسِه324 وتقدَّمَ نحوَ القومِ مُصلِتَاً سيفَهُ، آيِسَاً منَ الحَياةِ، عازِمَاً عَلى الموتِ.
أَنَا ابْنُ عَلِيِّ الطُّهْرِ مِنْ آلِ هَاشِمٍ
كَفَانِي بِهَذَا مَفْخَراً حِينَ أَفْخَرُ
وَجَدِّي رَسُولُ اللهِ أَكْرَمُ مَنْ مَضَـى