لا نطيل الحديثَ كثيراً، فإنَّ المصيبةَ تسيطر على النفوس وتتغلغل إلى داخل القلوب، كأنَّ في قلبك مأتماً، وكأنَّ في عينِك عَبرةً، وكأنَّ في داخلِكَ أسىً وشجى، أطلقه هذا اليوم لا تتحفَّظ، فإنَّ هذا الوقت بالضبط بعد صلاة العصر، يعني حوالي الساعة الرابعة أو قريب منها الحسين﵇، قد صُرع على الرمضاء.
تصوَّر بقلبِك كربلاء، تصوَّر بقلبك الواقعة، ارجع بنفسك إلى ذلك الزمان؛ لكي تتصوَّر الحدثَ كما جرى لحظةً بلحظة حتى تصلَ إلى هذا الوقت من النهار وتجد الحسين عفيراً، متى عايَنَتْهُ الكماةُ يختطف الرعبُ ألوانَها.
أقول301: الأحداث التي جرت في يوم عاشوراء كثيرة ومتعددة، والكلمات والمواقف التي أطلقت في تلك الساعات سواء الخطب أو الأشعار أو غيرها، من إمامنا الحسين﵇ وأصحابه وأهل بيته مهمة وعظيمة، فهي تشكل لنا دروساً عالية المضامين، وتربي أنفسنا تربيةً يرضاها الله ويريدها لنا، فلا ينبغي أن نغفل عنها ونتجاوزها وإن تجاوزناها في قراءة اليوم العاشر من محرم الحرام، فليكن ما نقرأه محفِّزاً للتعرف على باقي المواقف بدقة وتأمل.
الحسين﵇ يعظ القوم ويحذرهم... بعض كلامه﵇ يوم عاشوراء
بدأ الحسين يومَه بخُطبةٍ أمامَ القوم فقال302:
الْـحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَزَوَالٍ مُتَصَرِّفَةً بِأَهْلِهَا حَالاً بَعْدَ حَالٍ، فَالْـمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ وَالشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَكِنَ إِلَيْهَا وَتُخَيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمِعَ فِيهَا، وَأَرَاكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسْخَطْتُمُ اللهَ فِيهِ عَلَيْكُمْ وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَنْكُمْ وَأَحَلَّ بِكُمْ نَقِمَتَهُ وَجَنَّبَكُمْ رَحْمَتَهُ، فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا وَبِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ؛ أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ وَآمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ،303 ثُمَّ إِنَّكُمْ زَحَفْتُمْ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَعِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ، لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللهِ الْعَظِيمِ، فَتَبّاً لَكُمْ وَلِمَا تُرِيدُونَ إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِين...304
أَمَّا بَعْدُ فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ وَعَاتِبُوهُمْ، فَانْظُرُوا هَلْ يَصْلُحُ لَكُمْ قَتْلِي وَانْتِهَاكُ حُرْمَتِي؟! أَلَسْتُ ابْنَ بنت نَبِيِّكُمْ وَابْنَ وَصِيِّهِ وَابْنِ عَمِّهِ وَأَوَّلِ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ لِرَسُولِ اللهِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، أَوَلَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي، أَوَلَيْسَ جَعْفَرٌ الطَّيَّارُ فِي الْـجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ عَمِّي، أَوَلَم يَبْلُغْكُمْ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ لِي وَلِأَخِي: هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْـجَنَّةِ؟
فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَهُوَ الْـحَقُّ، وَاللهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ، وَإِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ، اسْأَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الْأَنْصَارِيَّ وَأَبَا سَعِيدٍ الْـخُدْرِيَّ وَسَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَزَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَأَنَسَ بْنَ مَالِكٍ، يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذِهِ الْـمَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اللهِ لِي وَلِأَخِي أَمَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي (وَانْتِهَاكِ حُرْمَتِي)305؟!. فقال306:
(أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ السَّلَّةِ(307) وَالذِّلَّةِ وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ يَأْبَى اللهُ ذَلِكَ لَنَا وَرَسُولُهُ وَالْـمُؤْمِنُونَ وَحُجُورٌ طَابَتْ وَطَهُرَتْ وَأُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَنُفُوسٌ أَبِيَّةٌ مِنْ أَنْ نُؤْثِرَ طَاعَةَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ أَلَا وَإِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ مَعَ قِلَّةِ الْعَدَدِ وَخِذْلَةِ النَّاصِر)ِ...
فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْما
وَإِنْ نُغْلَبْ فَغَيْرُ مُغَلَّبِينَا
وَمَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ
مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا
إِذَا مَا الْـمَوْتُ رَفَّعَ عَنْ أُنَاسٍ
كَلَاكِلَهُ أَنَاخَ بِآخَرِينَا
فَأَفْنَى ذَلِكُمْ (سَرَوَاتِ) قَوْمِي
كَمَا أَفْنَى الْقُرُونَ الْأَوَّلِينَا
فَلَوْ خَلَدَ الْـمُلُوكُ إِذاً خَلَدْنَا
وَلَوْ بَقِيَ الْكِرَامُ إِذاً بَقِينَا
فَقُلْ لِلشَّامِتِينَ بِنَا أَفِيقُوا
سَيَلْقَى الشَّامِتُونَ كَمَا لَقِينَا
قام غيرُه وخطب، قام زهير وقام بُرير، وقام غيرُهم وخطبوا، لكن:
قَسَتِ القلوبُ وَلَـمْ تَـمِـلْ لِـهِدايَةٍ
تَبَّاً لِـهَاتِيكَ القُلوبِ القَاسيه