لكن الطرف الآخر كان يريد القتال على كلِّ حال، فأرسل مقاتلين إلى داخل الحرم المكي لكي يقتلوا الحسين، فخرج -بأبي هو وأمي- من ذلك المكان لم يكن خوفاً ولا جبناً، فإنَّ هذا نفس أبيه بين جنبيه.
والفضل ما شهدت به الأعداء
رجلٌ يتحدث عن أنه: لو اجتمعتِ العرب على قتالي لما ولَّيتُ عنها294، هذا أمير المؤمنين﵇، وهذا ابنه يقول فيه بعض من حضر: فو الله ما رأيت مكثوراً قط295، والمكثور هو من أحاطت به الكثرة296، واحد في الوسط والجيش قد دار عليه من كل جانب، محاصر من كل الجهات، لو أراد أن يقاتل الذي أمامه فالذي خلفه يستطيع أن يقتله، والذي على جانبيه يستطيع أن يرميه، (مَا رَأَيْتُ مَكْثُوراً قَطُّ، أَرْبَطَ جَأْشاً وَلَا أَمْضَى جَنَاناً297-قلباً من الحسين بن علي).
هل يخاف الموت؟
إنما يخاف أن تهتك حرمة الكعبة، يخاف أن تلقى الأمة في معركةٍ في بداية الأمر مع أنه لم يستنفدْ وسائلَهُ في إصلاحها إلى آخر لحظاتِ حياتِهِ، إلى مثل صبيحة ذلك اليوم، عندما بدأ يومَه بموعظتِهِم وخطابتِهِ فيهم، وكلامِه معهم وتحذيرهم من الدنيا وغرورها وخداعها، ومحاولة إيقاظهم إلى الفترة الأخيرة، إلى أن أُغلقت كلُّ الطرق، وجاء عمرُ بن سعد ورمى سهماً وبدأ القتال، فجاءت السهام، على أثر ذلك قال الحسين: قوموا إلى الموت الذي لابد منه فهذه رسُلُ القوم إليكم298.
الحسين﵇ أراد أن يحيي القيم والأخلاق في النفوس
الحسين يوجِّه صراعَه إلى جهة القيَم والأخلاق، فهو يقول لهؤلاء الذين يتصارعون في كلِّ بلاد المسلمين لا تتسابقوا إلى القتال، فبدءُ القتال لا يشكل حلاً للمشكلة، القتال هو آخر المطاف.
ولو فهم المسلمون هذا المعنى لما وجدنا هذه المشكلةَ في العراق ولا في أفغانستان ولا في فلسطين ولا في سائر الأماكن الأخرى، ليكن القتال آخر شيء بعد أن تستنفَد الوسائلُ كلُّها، لا أولَ شيء لكي يوجَّه الناسَ إلى هذا المعنى.
يقول لهم: أن الصراع أيضاً فيه أخلاق وقيَم، أنا الذي أقاتلكم وتقاتلوني والنساء ليس عليهن جُناح، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد فكونوا أحراراً في دنياكم299، ارجعوا إلى القيم الإنسانية إذا لم تكن الأحكام الشرعية تضبطكم وتقيد من حركتكم، ارجعوا إلى أخلاقكم وإلى أصولكم وتاريخكم، وانظروا... هل يصح أن تضربَ النساءُ وأن تقتل؟! وأن يقتل الأبرياء ويفجَّر الأطفال؟! ارجعوا إلى هذه القيم لو لم يكن لكم دينٌ أيضاً.
حاجتنا إلى الحسين﵇ لا تنحصر في زمن أو مكان
فالحسين تزداد الحاجةُ إليه في كلِّ زمنٍ ولا سيما في زماننا، ومن المؤسف أنَّ فريقاً من أبناء الأمة لا يتعرَّضُ لعطاء الحسين،كان من الحرمان أن جعل الحسين مقصوراً وحكراً على فئةٍ من المسلمين واعتبرَ قسمٌ آخر من المسلمين أنَّ الحسين وقضيتَه لا تهمهم من قريبٍ ولا من بعيد، فتمرُّ ذكراه ولا أثر في هذه الأجهزة الإعلامية!!!
لقد كان طاغيةٌ جلَّادٌ شغلَ الناس في مقتله على مدِّةِ شهرٍ من الزمان300، بينما سبط رسول الله وابن بنت رسول الله، هذا الثائر الإسلامي الأول، يُستشهد فلا يُذكرُ إلا لُماماً وبصورةٍ ضئيلة، بينما لو تعرَّض الناس لعطائه لفازوا ونجحوا.
نسأل الله أن يجعلنا في جملةِ أنصار الحسين، وأن يكتبنا من أحباب الحسين، وأن يحشرنا معه ومع آبائه الطاهرين، إنه على كلِّ شيء قدير.