مختصر مقتل الإمام الحسين﵇

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

الهدى في كلِّ القضايا، في داخل النفس، وفي السياسة وفي الأخلاق وفي الاجتماع وفي الثقافة، تحتاج فيها إلى مصباحٍ وإلى إضاءة، ولن تجد كالحسين ﵇ مصباحاً، وفي تلاطم هذه البحار، بحار الأهواء والظلمات الفكرية سوفَ تجدُ سفينةً منجية هي سفينة النجاة الحسينية صلوات الله وسلامه على صاحبها.

الحسين فاتحٌ والحسين منتصرٌ والحسين باقٍ وفي ذلك عظة.

أرادوا وأراد الله ولم يكن إلا ما أراد ولن يكون إلا ما يريد

لقد رأت زينب﵍ عليها مستقبل الأيام، وقالت ليزيد ولكل اليزيديينَ الطواغيت: فَكِدْ كَيْدَكَ وَاسْعَ سَعْيَكَ وَنَاصِبْ جُهْدَك289.

دمِّر القبر إن استطعت، وزِّع أشلاء الحسين، هم أرادوا هكذا، أرادوا أن يبقوا الحسين أولاً بلا رأس ثم يرضُّوا جسده الشريف بحوافر الخيل؛ لكي يتحطَّم ثم بعد ذلك يُتركُ هكذا، لكي تأتيَ الوحوشُ والطيورُ الجارحة فتأكلُ من جسده ويتوزَّعُ هنا وهناك، فلا يبقى له أثرٌ ولا يبقى له ذكرٌ وينتهي الحسين بدناً ورمزاً واسماً، حتى يستطيعَ أولئك الطواغيت بأن يتمتَّعوا بدنياهم.

فالحسين الذي يملكُ كلَّ هذا التأثير هو باقٍ وخالدٌ وهذه عِظةٌ كبرى من عِظاتِ الواقعة، أنَّ ما كان لله يبقى وينمو ويباركُ الله فيه.

فاسعَ إذا سعيت أن يكون عملُك لله، ومالك وجهدك وفكرك كلُّه لله؛ لأنَّ هذا هو الذي يبقى وغيره يتبخَّر وينتهي بانتهاء أمده الزمني290.

لن يجد العالم أنقى من راية الحسين﵇

(الحسين) نقدمُه لعالم المسلمين مشروعَ وحدة ومشروع إصلاح، ألم يقل الحسين لجيش أمية: انسبوني من أنا؟ ألستُ أنا ابن بنت نبيكم وابن وصيِّه؟ أليس حمزة سيد الشهداء عمَّ أبي؟ أليس جعفر الطيار عمي؟291.

لماذا كان يقول هكذا؟

لكي يقول لهؤلاء: إنني في موقعي ينبغي أن أكون محوراً يلتف حوله المسلمون جميعاً، فأنا نقطة اشتراك، وأنا نقطةٌ لا ينبغي أن يختلف عنها أحد، لا هذه الطائفة ولا تلك الطائفة، فإنني أنا ابن رسول الله، أنا ابن مؤسس هذه الدولة وهذه الديانة، وهذه الدعوة، ولذلك فإنني مرشَّحٌ لأنْ أكونَ محورا يلتفُّ حولي جميعُ الناس.

في زماننا هذا العالم الإسلامي كلُّه ينادي بالإصلاح ويريده، الإصلاح في السياسة وفي الثقافة الدينية وفي الوضع الاجتماعي.

لن يجد العالم الإسلامي رايةَ إصلاح أنقى وأصفى وأولى بالاتباع من راية الحسين﵇ الذي يقول: إنما خرجت لطلب الإصلاح292، إنما هنا للتحديد وللقصر، يعني لا يوجدُ أيُّ غرضٍ عندي إلا غرضَ الإصلاح.

وإذا خُضتُ صِراعاً مع يزيد فأنا لم أكن راغباً في القتال ولم أكن راغباً ولا مبادراً في المواجهة.

وهكذا كان حالُ رسول الله فإنه لم يبدأ بالمواجهة حتى مع كفار قريش، كان يوجِّه ويرشد ويدعو، وكانوا في المقابل يحاربون ويؤذون أتباعه ويهجِّرونهم، حتى إذا ذهب رسول الله إلى المدينة ذهبوا خلفه لكي يقاتلوه في مكانٍ بعيدٍ، آنئذٍ لم يجد بُدَّاً من مواجهتهم.

إني أكره أن أبدأهم بقتال

الحسين﵇ سار على نفس المنهج، شعارُه كما كان شعار جدِّه، فكان شعار جدِّه عندما يقول له بعضُ المسلمين: هلا ندافعُ عن أنفسِنا لأن عندنا سلاحاً ونستطيع أن نقاوم، قال: لم أؤمر بقتال.

والحسين﵇ يكررُ هذا الشعار، فيقول: إِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِقِتَال293.

كان بإمكان الحسين أن يقومَ بمواجهةٍ عسكريةٍ في المدينةِ وأن يحتلَّ مثلاً قصر الإمارة، وأن يقاتل الوليد بن عتبة، لكنه لم يكنِ المبادر للقتال، ولا الراغبَ في المشكلة، وإنما كان يريد الإصلاح، خرج من المدينة لعله يتيسر له أن يغير وضع الأمة بطريقةٍ أخرى.