يعتبر موقف أهل الكوفة أوضح المواقف في مناصرة الإمام الحسين﵇، ولو من الناحية النظرية، فإن إظهار أهل الكوفة خلاف بني أمية، وإبداء بعض أنحاء ودرجات العصيان المدني فيما أخبروا عنه من أنهم لا يشهدون مع الوالي الأموي (النعمان بن بشير الأنصاري) جمعة ولا جماعة وأنهم ليس لهم إمام، وبالتالي لا يعترفون ببيعة بني أمية230.. كان مما حفلت به الكتب والرسائل القادمة منهم إلى الحسين﵇، والتي وإن اختلفت231 أرقامها وعدد كتابها والموقعين فيها إلا أنها كانت بالمئات.
وإذا تم ما ذكره بعض المؤرخين من أن وصول أوائل تلك الكتب كان في أواخر شهر شعبان فإنه يعني سرعة مبادرة أصحابها لإعلان موقفهم تجاه حركة الإمام﵇، ومتابعتهم خروجه من المدينة، ثم تكاثرت تلك الكتب حتى وصلت ذروتها في شهر رمضان، وربما ساعد على ذلك ما يفترض من كثرة مجيء المعتمرين -قبيل شهر رمضان- إلى مكة لأداء العمرة، فمن السهل إذن إيصال رسائل للإمام مع هؤلاء المنطلقين، فضلا عمن كان يأتي بغرض إيصال الرسائل كما هو الحال في سعيد بن عبد الله الحنفي الذي التحق بالحسين فيما بعد وأصبح من شهداء كربلاء مدافعا عن إمامه حال صلاته.
بالطبع لم تكن تلك الكتب والرسائل هي العامل الاساس في نهضة الإمام الحسين﵇232، ولكن كان لها أثر في أن تكون الكوفة الوجهة المختارة ليرسل لها الإمام﵇ ابن عمه مسلم بن عقيل يوم الخامس عشر من شهر رمضان ومعه قيس بن مسهر الصيداوي ضمن مهمة أعرب عنها في رسالته عندما قال: «أمّا بعد فقد فهمت كلّ الّذي اقتصصتم وقد بعثت إليكم أخي وابن عمّي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل وأمرته أن يكتب إليّ بحالكم وأمركم ورأيكم، فإن كتب إليّ أنّه قد اجتمع رأي ملئكم وذوي الحجى منكم على مثل ما قدمت به رسلكم أقدم إليكم وشيكًا إن شاء اللَّه، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب والقائم بالقسط والدائن بدين الحقّ، والسلام »، فتوجه مسلم بن عقيل إلى الكوفة.
ومع إقبال أهل الكوفة الكبير على بيعة مسلم بن عقيل والالتفاف حوله إلا أن ما يثير التعجب هو سرعة الانفضاض عنه، بمجيء ابن زياد إلى الكوفة وخلعه النعمان بن بشير واعادة تشكيل القوة الهجومية الأموية، بلملمة التيار الأموي وفرض الأحكام العرفية، وتنشيط نظام العرفاء، وارهاب شيوخ القبائل ورؤسائها، وبالرغم من تقديم تفسيرات233 كثيرة لهذه النتيجة إلا أنها تبقى مثيرة للتعجب.