ماذا فعل الحسين﵇ في مكة؟

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

وصل مسلم بن عقيل إلى الكوفة في اليوم الخامس من شوال234أي أنه قطع المسافة من مكة المكرمة إلى الكوفة في عشرين يوماً وبعدما رأى إقبال الناس على مبايعته كتب رسالة مع قيس بن مسهر الصيداوي قال فيها: (أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألفًا فعجل الاقبال حين يأتيك كتابي فان الناس كلهم معك ليس لهم في آل معاوية رأي ولا هوى والسلام)235فكتب الحسين رسالة جوابية بعدما خرج من مكة مع قيس بن مسهر الصيداوي ولكنه قُبِض عليه قبل أن يصل إلى مبتغاه لأن عبيد الله بن زياد وصل إلى الكوفة وسيطر عليها، فقام قيس بن مسهر الصيداوي بتمزيق الكتاب عندما أعتُقِل ولما سأله عبيد الله بن زياد عن سبب تمزيقه للكتاب قال له: حتى لا تعرف ما فيه، فقال له: ابن زياد ممن هذا الكتاب؟ فقال قيس: من الحسين، قال ابن زياد: ولمن؟ قال له قيس: إلى شيعته في الكوفة، فسأله: من هم؟ قال له قيس: لا أعرفهم، فقال له عبيد الله بن زياد: إن لم تأتنا بالكتاب فاصعد على المنبر واشتم الحسين ووالده حتى نعفو عنك، فقال قيس بن مسهر الصيداوي وقد كان ذكياً: أفعل إن شاء الله، فصعد على المنبر واجتمع أهل الكوفة قال لهم: «أيها الناس إن هذا الحسين بن علي خير خلق الله ابن فاطمة بنت رسول الله وأنا رسوله إليكم وقد فارقته بالحاجر236فأجيبوه» ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه واستغفر لعلي بن أبي طالب قال فأمر به عبيد الله بن زياد أن يرمى به من فوق القصر فرُمي به فتقطع فمات.237

ومما يلفت النظر في رسالة الإمام الحسين﵇ ووصيته مسلماً هذه الجمل كما نقله ابن أعثم الكوفي أن الحسين بعدما ختم الكتاب قال له: إنّي موجّهك إلى أهل الكوفة، وسيقضي اللَّه من أمرك ما يحبّ ويرضى، وأنا أرجو أن أكون أنا وأنت في درجة الشهداء، فامضِ ببركة اللَّه وعونه حتى تدخل الكوفة، فإذا دخلتها فانزل عند أوثق أهلها، وادع الناس إلى طاعتي، فإن رأيتهم مجتمعين على بيعتي فعجّل عليّ بالخبر حتى أعمل على حساب ذلك إن شاء اللَّه تعالى. ثم عانقه الحسين﵇ وودّعه وبكيا جميعاً»،238 فإن الإشارة فيها إلى أنه يرجو أن يكون -هو ومسلم- في درجة الشهداء، فإن هذا يساعد القائلين بعلم الإمام﵇ بأن مصيرهما إلى الشهادة من قبل أن يصل مسلم إلى الكوفة وأنه﵇ لم يكن ينتظر أن يحدث تغير استثنائي في الكوفة، وأنه لما قتل مسلم تغيرت أهدافه، وإنما كانت منطلقاته الأساسية هي المسؤولية الدينية من أمر الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومن إبائه للضيم وما شابه ذلك، كما أن نزول مسلم بوصية الإمام الحسين (عند أوثق أهلها)، يفيد بوضوح في تمييز حال من نزل عندهم مسلم، حيث أنه نزل برهةً في دار مسلم بن عوسجة الأسدي ونزل أخرى في دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي وثالثة في دار هاني بن عروة المرادي، ومن خلال تلك الوصية، ثم تنفيذ مسلم لها يعلم أن هؤلاء الرجال كانوا -على الأقل- ضمن الوضع الموجود أكثر الأشخاص الذين يطمأن إليهم ويوثق بهم، مما يشكل قرينة إضافية في حسم الجدال بشأن هاني بن عروة المرادي، والذي كان رأي الرجاليين الشيعة فيه منقسما بين معظم له ومتأمل في شأنه.