وربما يكون قد اختلط على بعضهم الأمر في تقدير أنه كم يقطع الإنسان من المسافة في كل يوم، إذ توجد روايات تفيد بأنه بريدان وبأنه إذا قطع ذلك فقد شغل يومه، أو تعبير بياض يوم وقدروا مشيه في اليوم نحو ثمانية فراسخ والتي تعادل ٤٤ كيلو متراً. لكن هذا التقدير صادق في المشي دون الانتقال على ظهور الجمال، والتي -هي مثلما تقدم- يصل ما تقطعه إلى حوالي 160 كيلومتراً. (كمعدل متوسط).
ويترتب على هذا أنه لو فرضنا أن الطريق السلطاني الذي اختاره الأمويون في طريق الذهاب يصل إلى 2100 كيلومترا، فإنه بتقسيمه على ما ذكر من معدل ما تقطعه النياق من مسافة وهو 160 كيلومترا أو تزيد قليلاً، فسيكون الناتج أنه يمكن قطع هذه المسافة في 13 يوماً وهو يتفق مع المعطيات التي تذكر تاريخيا من أنهم وصلوا إلى دمشق أول صفر، لأنه عندما يضاف 13 يوماً إلى اليوم 19 من محرم حيث خرجوا من الكوفة ستكون النتيجة منسجمة.
ونفس الكلام حينما نطبقه على طريق العودة الذي نفترض أنه كان عبر بادية الشام وهو ما تكلم عنه السيد الأمين فإنه مع افتراض كونه بحدود الالف كيلومتراً أو تزيد، مع ملاحظة ما تقطعه النياق في اليوم 160 كيلومتراً، يتناسب مع المذكور من أنهم خرجوا يوم 11 صفر سنة 61هـ ووصلوا يوم العشرين من نفس الشهر وهو الموافق لمرور أربعين يوماً على شهادة الإمام﵇.
الرابع: أن طريق الذهاب وهو كما افاده المحقق الكرباسي يمر بحوالي 37 منزلاً وقرية ومحلاً، لم يكن استقبال الناس فيه على منهج واحد فإن المؤرخين كما ينقلون أن بعض المدن والمناطق قد رحبت بالجند الأموي واحتفت بوصولهم، وزودتهم بالميرة والماء وما يحتاجون إليه فإن هناك من القرى والبلدات ما كان على عكس ذلك، إذ أبدى أهلها تعاطفاً مع السبايا والأسارى، وشتموا الجنود ورموهم بالأحجار وأزعجوهم عن البقاء في مناطقهم، وبطبيعة الحال هذا سوف يسرع في عملية طي الطريق، لا سيما إذا كان الموقف السلبي في تلك القرى والبلدات تجاه الجند الأموي يشكل نسبة عالية قد تصل إلى أربعين في المائة من مجموع تلك البلدات والقرى.
الخامس: إن هناك من المؤرخين والفلكيين من سجل وصول ركب الأسارى إلى الشام على أنه في أول شهر صفر سنة 61هـ، ومع وجود هذه الشهادة المثبتة لا معنى لنفيها لجهة الاستبعاد.
فمن الأشخاص الذين ذكروا ذلك أبو الريحان البيروني344 المتوفى سنة 440هـ وتبرز أهمية شهادته في أنه مؤرخ وفلكي وجغرافي، فقد قال في كتابه الآثار الباقية345: في اليوم الأوّل من صفر أُدخل رأس الحسين﵇ مدينة دمشق، كما أن الشيخ عبّاس القمّي قد نقل عن الشيخ الكفعمي،346 والشيخ البهائي347 في كتابه توضيح المقاصد حيث قال فيه: الأول فيه كانت وقصة صفين بين أمير المؤمنين﵇ وبين معاوية وفيه حل رأس أبي عبد الله الحسين﵇ إلى دمشق وجعلوه بنو أمية عيداً348، والمحدّث الكاشاني:349 «في أوّل صفر أُدخل رأس الحسين﵇ إلى دمشق، وهو عيد عند بني أميّة، وهو يوم تتجدّد فيه الأحزان:
كانت مآتم بالعراق تعدّها
أمويّة بالشام من أعيادها350
ويظهر من السيد الأمين في الأعيان قبول هذا حيث قال في كتابه «.. والمشهور أنّهم وصلوا إلى كربلاء في العشرين من صفر، ومنه زيارة الأربعين الواردة عن أئمّة أهل البيت﵈ للحسين﵇.