أنّ الحسين لا يحتاج إلى البكاء، إنما يحتاج إلى أن يفرح به باعتبار أنه في الجنة. فماذا يعني أن تبكي بحرقة وتتألم وتلطم صدرك بينما يكون الحسين﵇ منعما سعيدا في الجنة؟!
وجواب ذلك:
أننا نعتقد بلا شك ولا ريب أن الحسين﵇ هو في الجنة بل هو سيد شبابها! لكن هذا لا ينفي استحباب البكاء عليه، والا لزم توجيه الاشكال إلى نبي الله آدم. وإلى نوح وإلى رسول الله وإلى غيرهم من الأنبياء؟
فقد ورد في الروايات أن آدم النبي قد بكى على ابنه هابيل لمدة طويلة من الزمان.. فيأتي نفس الاشكال عليه لماذا يبكي عليه والحال أنه في الجنة منعم وسعيد؟
بل يستفاد من بعض الروايات أنه منذ مقتل هابيل على يد قابيل فقد أصبح البكاء سنة على هابيل إلى زمان نوح أي الى سبعة أجيال وسبعة أنبياء من آدم إلى نوح﵈. بل لقد فسرت بعض الروايات سبب تسمية نوح بذلك لكثره نوحه وبكائه. فيقال هنا نفس الكلام: لماذا تبكي وتامر بالبكاء على الحمزة3؟! والحال أن حمزة في الجنة منعم وسعيد في علية الشهداء؟
وبالتالي ففي الجواب عن الإشكال أننا نعلم أن الحسين في الجنة، ولكن ذلك لا يمنع ذلك من البكاء عليه لاسيما أن النبي امر بذلك، ولاسيما أهل البيت أمروا بذلك أيضاً. بل كان البكاء والحزن عليه -بالإضافة إلى سائر الأمور- مما يوجب الوصول إلى الجنة والكون معه.
إننا نعتقد أنه كان هناك توجهان في الأمة: توجه يسعى لإبقاء سيرة الحسين﵇ وقضيته حاضرة في الذاكرة وقريبة من التأثير في الأمة، ويندب إلى تذكرها باستمرار والقرب منها دائما ويرى فيها من مواضع التأسي والاقتداء شيئاً كثيراً نافعاً للأفراد والأمة وهذا ما كان يوجه إليه ويصر عليه أئمة أهل البيت﵈ وعلماء مذهبهم.
بينما كان هناك توجه آخر سعى بمختلف الوسائل والطرق لتغييب القضية والسيرة الحسينية عن الأذهان، وإبعادها عن الحضور وقد نجح في ذلك بدرجة أو أخرى، وفي الصفحات القادمة ستجد عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، كيف عمل هذا الخط والتوجه على إبعاد وتغييب السيرة والقضية الحسينية وما هي الوسائل التي استخدموها في ذلك، كما ستجدان في القسم الآخر شيئاً عن السيرة الحسينية نفسها وبعض الدروس المستفادة منها.
الهوامش
- 1. الحر العاملي، وسائل الشيعة ١٤/٥٠١.
- 2. المصدر ١٤/٥٠٢.
- 3. ابن سعد، الطبقات الكبرى:«وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ﵌ البُكاءَ فِي بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ عَلى قَتْلاهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ﵌: «لَكِنَّ حَمْزَةَ لا بَواكِيَ لَهُ»، فَسَمِعَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَرَجَعَ إلى نِساءِ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَساقَهُنَّ إلى بابِ رَسُولِ اللَّهِ﵌ فَبَكَيْنَ عَلى حَمْزَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ﵌ فَدَعا لَهُنَّ، ورَدَّهُنَّ، فَلَمْ تَبْكِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ عَلى مَيِّتٍ إلّا بَدَأتْ بِالبُكاءِ عَلى حَمْزَةَ ثُمَّ بَكَتْ عَلى مَيِّتِها.وفي مغازي الواقدي ١/٢٩٠: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ جاءَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطّلِبِ تَطْلُبُهُ، فَحالَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ الأنْصارُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ﵌: دَعُوها! فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَجَعَلَتْ إذا بَكَتْ بَكى رَسُولُ اللهِ ﵌، وإذا نَشَجَتْ يَنْشِجُ رَسُولُ اللهِ﵌. وكانَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ النّبِيّ﵌ تَبْكِي، وجَعَلَ رسول الله ﵌ إذا بَكَتْ بَكى..