السيرة الحسينية بين الإحياء والتغييب

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

السيرة الحسينية بين الإحياء والتغييب

أصل إحياء ذكر أهل البيت﵈، والاحتفاء بمناسباتهم والحديث عن تاريخهم وفضائلهم ليس تقليداً اجتماعياً ابتكره الناس، ولا فلكلوراً شعبياً وإنما هو مستنبط ومستوحى من كلام أهل البيت﵈. والذي ورد عن عدة أئمة منهم. فمن ذلك ما روي عن الإمام الصادق﵇، أنه قال للفضيل بن يسار: تجلسون وتتحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك، قال: إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل فرحم الله من أحيا أمرنا1. ومن ذلك ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا﵇: (من جلس مجلساً يحيي فيه أمرنا لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)2.

ولعل هذا هو أحد الأسباب التي جعلت هذه المراسم تبقى صامدة في طول الزمان، بالرغم من الصعوبات التي اكتنفت إقامتها وحجم العداوات التي واجهتها سواءً من الحكومات التي قاومت بما تستطيع إحياء الموسم الحسيني، أو الفئات الاجتماعية والمذهبية المتعصبة والمتطرفة التي كانت في بعض الحالات أشد وأقسى على موالي الإمام الحسين﵇ من الحكومات المتسلطة!

والحقيقة أن إحياء الموسم الحسيني هو حياة لمن يحييه! وبه يحيون ويعيشون، ولذلك فقد يتحفظ البعض على استعمال هذا التعبير: إحياء المؤمنين للقضية الحسينية أو موسم الحسين، فإن هؤلاء يقولون الصحيح أن نقول إننا نحيا بالموسم الحسيني وذكر الحسين لا أننا نحييه. نحيا به، فهو أشبه بالأكسجين الذي نتنفسه.

وهذا هو السبب الآخر الذي يجعل هذه المواسم باقية، ومستمرة، فكل جيل يرى أن حياته الدينية والأخلاقية مرتبطة بهذا الموسم، وما يجري فيها من الذكر والمعرفة يشحن «بطاريته» الإيمانية لمدة سنة كاملة حتى يحل الموسم الآخر وهكذا!

ولأنه كذلك فإن المؤمنين يرون -مع عظم فائدته ونتائجه- أنّ ما ينفقون فيه من الوقت والمال والجهد هو شيء زهيد وبسيط، فضلاً عن أن الإمام الحسين﵇ بتضحيته وعطائه للإسلام والأمة يستحق ذلك وأكثر منه!

ثالث تلك الأسباب، أن إحياء القضية الحسينية هو أفضل تعبير سلمي عن الهوية الدينية، فإذا كانت مشكلة الهوية والتعبير عنها في العالم هو من المشاكل الكبيرة التي قد تجر إلى صراعات سياسية وربما عسكرية.

الآن في هذا العالم يتحدثون عن أحد اهم المشاكل التي تعيشها المجتمعات الإنسانية ما يسمى بتحدي الهوية.

ولكي يتضح الأمر نقول بأن الهويّة تُعرفُ في اللّغة: بأنّها مُصطلحٌ مُشتقٌّ من الضّمير هو؛ ومعناها صفات الإنسان وحقيقته، وأيضاً تُستخدمُ للإشارةِ إلى المَعالم والخصائص التي تتميّزُ بها الشخصيّة الفرديّة.

وربما عرفت أيضا بالنسبة للأمم والمجتمعات، بأنها مجموع الأفكار والعقائد التي يحملها المجتمع والمميزات (من لغة، وشخصية تاريخية، وثقافة دينية أو مذهبية) وبها يتميز عن سائر المجتمعات وهي التي تعطيه صورته الخاصة بالقياس إلى غيره.

وتحديد الهوية معناه:

أنّ هذا المذهب يريد أن يبين عقائده وشرائعه والمذهب الاخر لا يقبل فيبدأ الصراع بينهما. أصحاب هذا الدين يريدون ان يعبدوا ربهم بما يحبون، والفئة التي بيدها الأمر والنهي لا تسمح لهم بذلك فيحدث اضطراب.

فئة من الناس لديهم لغة خاصة وثقافة خاصة وتاريخ خاص أنا عربي وأنت كردي وذاك فارسي وهذا تركي، كل واحد يريد ثقافته ولغته تكون المسيطرة أنا مسلم وذاك مسيحي وهذا يهودي كل واحد يريد ان يعبر عن ثقافته ومذهبه ودينه فيحدث هذا الاصطدام.

عندما يكون التعبير عن الهويات سلمياً لا تحدث هذه المشاكل.

وفي الاسلام وجدنا أنّ العبادات والممارسات الدينية هي تعبير عن هوية المسلمين. فالحج تعبير عن الأمة الواحدة والصلاة تعبير فردي وشخصي عن هوية المسلم.

والموسم الحسيني أفضل تعبير سلمي عن الهوية الامامية الشيعية، أنا أبكي ولا أعتدي على أحد، أنا أحزن لكني لا أعتدي على أحد، أنا ألبس السواد، أضرب نفسي وألطم على صدري وأقيم المأتم وأتكلم عن فضائل أهل البيت وتاريخ الإمام الحسين أنا أبكي لأن عندي شحنة عاطفية على ما جرى على آل محمد وما أصابهم فيفيض ذلك الحزن في قلبي فيتحول إلى دمعة ساخنة.

هذا التعبير عن هذه الهوية أكبر من تعبير آخر ذلك أنه في خلال عشرة أيام تتحول الدنيا في كل مكان يوجد فيه شيعة اهل البيت﵈ إلى اعلان عن قضية الامام الحسين. وهو في نفس الوقت اعلان عن ذواتهم ووجودهم.

السبب الرابع الداعي لإحياء هذا الموسم والسيرة أنه موسم للتغيير الذاتي ومناسبة للمراجعة، ينبغي ألّا نتصور أنّ الذين يحضرون المناسبة هم احجار. إن الذين يجلسون تحت منبر ويستمعون إلى خطيب إذا لم يتأثر جميعهم فعلى الأقل سيتأثر 10% منهم! وقد وجدنا نماذج في ذلك قد تحولوا إلى الاسلام أو إلى مذهب آل محمد على أثر سماعه لقصة أو معرفته بموقف من مواقف الامام الحسين وقضية عاشوراء.

فتصور أنّ هذا الموسم الذي يحضره في كل العالم الاسلامي من الإمامية عشرات الملايين في كل سنة ويتعرضون لمدة لا تقل عن عشرة أيام من تلقي المعارف التاريخية والفقهية والعقائدية وغيرهما وهذا يحصل في كل سنة، لا ريب أنه بالحساب سيكون شيئا عظيماً جداً.

هل الموسم يصنع شحناً طائفياً؟

هناك من المدرسة المقابلة من يعارض إحياء الشيعة الإمامية الموسم الحسيني بمبرر أن إحياء هذا الموسم يساهم في الشحن الطائفي ضد الطوائف الأخرى!

لكننا نجيب عن ذلك بطريقتين، نقضية وحلّيّة.

أما النقض:

فإن قضية الحسين والحديث عنها ليس شيئا جديدا فأول من بدأها نبينا محمد ﵌، وبعده كان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب﵇، فلو كان في ذكر هذه القضية تعبئة وشحن طائفي فقد فعله رسول الله وهذا غير معقول!

وقد نقل في كتب الأحاديث -وسيأتي ذكر نصوصها ومصادرها- ما كان يصنعه النبي من تذكير بقضية الحسين والبكاء على ما سيجري على سبطه الحسين﵇، وفي ذلك دعوة للمسلمين إلى القيام بنفس ما قام به النبي باعتبار أنهم مطالبون بالتأسي به ولو على مستوى الندب والاستحباب.

وأما الحل:

فأولًا:

هنا محل تساؤل: أنه لماذا يعتقد البعض في أن الحديث عن جرائم بني أمية شحن طائفي؟! هل يعتبر هؤلاء أنفسهم أحفاداً لهم؟ أو ورثة خطهم؟ فيغيظهم الحديث عن جرائم بني أمية؟ ويعتبرون الكلام موجهاً لهم؟ وإلا فإن الحديث عن مجموعة تاريخية ارتكبت جريمة بحق ذرية النبي﵌ لا ينبغي أن يغيظ أحداً من المسلمين!

وثانيًا:

فأين هذا الشحن الطائفي الحاصل في الموسم الحسيني؟

هل رأيتم في مكان ما أن خرج جماعة من حسينية على أثر خطاب حسيني أن خرج المستمعون وهاجموا من يختلف معهم في الفكرة والمذهب؟ أو اعتدوا على غيرهم؟ هل أطلقوا الرصاص أو فجروا غيرهم؟ إن العكس هو الذي حدث ويحدث في كل موسم! فهم الذين كان يقع عليهم الاعتداء اللفظي بالتهجم عليهم ومنعهم من إقامة هذه المراسم! وهم الذين يقع عليهم الاعتداءـ قديماً وحديثاً ـ حتى لقد وصل الامر إلى تفجير الحسينيات ومواقع إقامة المناسبة، والهجوم بالرصاص على المجتمعين.. وما عليك عزيزي القارئ إلا الرجوع لأخبار أيام عاشوراء في أكثر من بلد مسلم لترى الاحصاءات والأعداد.

نعم هناك إشكال آخر قد يطرحه بعضهم وهو:

أنّ الحسين لا يحتاج إلى البكاء، إنما يحتاج إلى أن يفرح به باعتبار أنه في الجنة. فماذا يعني أن تبكي بحرقة وتتألم وتلطم صدرك بينما يكون الحسين﵇ منعما سعيدا في الجنة؟!

وجواب ذلك:

أننا نعتقد بلا شك ولا ريب أن الحسين﵇ هو في الجنة بل هو سيد شبابها! لكن هذا لا ينفي استحباب البكاء عليه، والا لزم توجيه الاشكال إلى نبي الله آدم. وإلى نوح وإلى رسول الله وإلى غيرهم من الأنبياء؟

فقد ورد في الروايات أن آدم النبي قد بكى على ابنه هابيل لمدة طويلة من الزمان.. فيأتي نفس الاشكال عليه لماذا يبكي عليه والحال أنه في الجنة منعم وسعيد؟

بل يستفاد من بعض الروايات أنه منذ مقتل هابيل على يد قابيل فقد أصبح البكاء سنة على هابيل إلى زمان نوح أي الى سبعة أجيال وسبعة أنبياء من آدم إلى نوح﵈. بل لقد فسرت بعض الروايات سبب تسمية نوح بذلك لكثره نوحه وبكائه. فيقال هنا نفس الكلام: لماذا تبكي وتامر بالبكاء على الحمزة3؟! والحال أن حمزة في الجنة منعم وسعيد في علية الشهداء؟

وبالتالي ففي الجواب عن الإشكال أننا نعلم أن الحسين في الجنة، ولكن ذلك لا يمنع ذلك من البكاء عليه لاسيما أن النبي امر بذلك، ولاسيما أهل البيت أمروا بذلك أيضاً. بل كان البكاء والحزن عليه -بالإضافة إلى سائر الأمور- مما يوجب الوصول إلى الجنة والكون معه.

إننا نعتقد أنه كان هناك توجهان في الأمة: توجه يسعى لإبقاء سيرة الحسين﵇ وقضيته حاضرة في الذاكرة وقريبة من التأثير في الأمة، ويندب إلى تذكرها باستمرار والقرب منها دائما ويرى فيها من مواضع التأسي والاقتداء شيئاً كثيراً نافعاً للأفراد والأمة وهذا ما كان يوجه إليه ويصر عليه أئمة أهل البيت﵈ وعلماء مذهبهم.

بينما كان هناك توجه آخر سعى بمختلف الوسائل والطرق لتغييب القضية والسيرة الحسينية عن الأذهان، وإبعادها عن الحضور وقد نجح في ذلك بدرجة أو أخرى، وفي الصفحات القادمة ستجد عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، كيف عمل هذا الخط والتوجه على إبعاد وتغييب السيرة والقضية الحسينية وما هي الوسائل التي استخدموها في ذلك، كما ستجدان في القسم الآخر شيئاً عن السيرة الحسينية نفسها وبعض الدروس المستفادة منها.

الهوامش

  1. 1. الحر العاملي، وسائل الشيعة ١٤/٥٠١.
  2. 2. المصدر ١٤/٥٠٢.
  3. 3. ابن سعد، الطبقات الكبرى:«وسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ﵌ البُكاءَ فِي بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ عَلى قَتْلاهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ﵌: «لَكِنَّ حَمْزَةَ لا بَواكِيَ لَهُ»، فَسَمِعَ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَرَجَعَ إلى نِساءِ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ فَساقَهُنَّ إلى بابِ رَسُولِ اللَّهِ﵌ فَبَكَيْنَ عَلى حَمْزَةَ، فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ﵌ فَدَعا لَهُنَّ، ورَدَّهُنَّ، فَلَمْ تَبْكِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ بَعْدَ ذَلِكَ إلى اليَوْمِ عَلى مَيِّتٍ إلّا بَدَأتْ بِالبُكاءِ عَلى حَمْزَةَ ثُمَّ بَكَتْ عَلى مَيِّتِها.وفي مغازي الواقدي ١/٢٩٠: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ جاءَتْ صَفِيّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطّلِبِ تَطْلُبُهُ، فَحالَتْ بَيْنَها وبَيْنَهُ الأنْصارُ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ﵌: دَعُوها! فَجَلَسَتْ عِنْدَهُ فَجَعَلَتْ إذا بَكَتْ بَكى رَسُولُ اللهِ ﵌، وإذا نَشَجَتْ يَنْشِجُ رَسُولُ اللهِ﵌. وكانَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ النّبِيّ﵌ تَبْكِي، وجَعَلَ رسول الله ﵌ إذا بَكَتْ بَكى..