الأسارى في دمشق

نوع الخط
حجم الخط
تباعد الأسطر

الأسارى في دمشق

خطبة العقيلة زينب﵍

في يوم الجمعة الأول من شهر صفر سنة 61 هـ،391مع حوالي الضحى وصل ركب الأسارى إلى أطراف دمشق، ولعله في مثل هذا الوقت كان ينشد يزيد392شعره المعروف:

لما بدت تلك الحمول وأشرقت

تلك الشموس على ربى جيرون393

نعب الغراب فقلت صح أو لا تصح

فقد اقتضيت من النبي ديوني

ولأن الأمر مطلوب فيه حالة احتفالية وعرض انتصار، وذلك اليوم يوم جمعة فقد رتب الأمر حتى من السابق بحيث يكون دخولهم في ذلك اليوم متوافقاً مع اجتماع الناس لصلاة الظهر يوم الجمعة، فهو أفضل مناسبة لهم لإشهار انتصارهم، ولذلك قيل إنه تم إيقاف ركب الأسارى على بوابة دمشق المعروفة بباب توما، إلى أن اجتمع الناس وانتهت صلاتهم حتى يستعرضوا هذا الركب الأسير.

لا نعلم إن كانت تسمية باب الساعات الواردة394 في بعض النصوص التاريخية المرتبطة بالواقعة الحسينية، هي من ذلك الوقت أو أنها ترتبط بمناسبة إيقاف ركب الأسارى على ذلك الباب وهو باب توما، عدة ساعات لانتظار المتفرجين الخارجين من صلاة الجمعة أو ليست كذلك.

ولكن من الواضح أن استعدادات مهمة كانت قد اتخذتها السلطة الأموية لاستثمار (الانتصار) على الإمام الحسين﵇ وتثبيت العرش الأموي وإظهاره مظهر القوة والاقتدار.

وإذا كان ابن زياد في الكوفة قد استثمر ما سبق بالنحو الأنفع له كشخص وكوال لإبراز حزمه وقدرته، فإن من الطبيعي أن يفعل يزيد وأركان حكمه نفس العمل أو أكثر، ولهذا نعتقد أن ركب الأسارى ظل في مشهد الناظرين والمتفرجين من الخارجين من صلاة الجمعة في ذلك اليوم، حتى إذا تم ذلك أخذوا أيضا في جولة في الشوارع الرئيسية في المدينة (يطاف بهن في الأسواق)، ولم تنته تلك إلا بالتوقف على بوابة قصر يزيد الذي كان قد جمع جمعاً غير عادي في مجلسه لاستقبال واستعراض ركب الأسارى.

ويعتقد أن اللقاء والعرض لم يكن وحيداً، وإنما تكرر في أيام تالية وشهد أحداثاً متعددة، لكن العرض الأول كان يجري بهذا النحو فيما نعتقد:

في مبالغة من جهة الشرطة المكلفة بالحراسة، وهذا يحصل أحياناً لبيان حرصهم وإخلاصهم في تنفيذ أوامر الحاكم، فإنه تم تقييد النساء والأطفال ومعهم الإمام السجاد علي بن الحسين﵈ بالحبال، لكي يدخلوا على يزيد وهم مقيدون لما ذكرنا، فلما أدخلوا بهذه الحالة سأل الإمام السجاد﵇ يزيد بن معاوية: ما ظنك برسول الله﵌ لو يرانا ونحن بهذه الحالة؟ وبطبيعة الحال كان السؤال مفاجئاً بل صاعقاً، أدى بيزيد إلى أن يأمر بالحبال فقطعت؟

مناقشات في مجلس يزيد

كان من الطبيعي أن يقدم يزيد رؤيته فيما حدث و(يفلسف) ما جرى وذلك لأن الاستفادة من الحدث إنما يتم بهذه الصورة، فالحدث يراه الجميع وهو قابل للتفسير والتوجيه بأنحاء مختلفة، لذلك يسعى الظلمة والحاكمون لإعطاء رؤية وفكرة تخدم ما يريدونه، وقد سبق أن رأينا في الكوفة كيف أن ابن زياد خاض مناقشات مع الإمام السجاد ومع العقيلة زينب واستكثر عليهما أن يردا عليه أفكاره، لأنه يعلم أن من المهم عنده أن يعتقد الناس بما يفكر فيه لا بما يقوله مخالفوه.

ونفس الكلام هنا أراده يزيد بن معاوية -الغريب أنهم لا يلتفتون إلى أن منطقهم منطق سقيم ومع ذلك يريدون من الآخرين أن يقبلوه منهم على طريقة ما أريكم إلا ما أرى-.

مجلس أو مجالس؟