التعبير عن الرأي هو مرحلة تالية لتكوينه ولا بد في بادئ الأمر أن يكون التفكير ، وتكوين الرأي متسالما عليه حتى يُتحدث عن مدى حرية التعبير عنه وإبدائه .. وربما يكون هناك خلط بين الأمرين أحيانا لكنهما متمايزان كما هو واضح . هل يمكن تشريع حرية تكوين الرأي ؟ جاء في مفردات غريب القرآن: رأى : الرؤية هي إدراك المرئي ، وذلك بحسب أضرب قوى النفس فقد تكون بالحاسة وما يجري مجراها مثل ( فإما ترين من البشر أحدا ) والثاني : بالوهم والتخيل نحو أرى أن زيدا منطلق ونحو قوله تعالى: ( ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا ). والثالث : بالتفكر نحو ( إني أرى ما لا ترون ) . والرابع : بالعقل وعلى ذلك قوله ( ما
كذب الفؤاد ما رأى ) وعلى ذلك حمل قوله : ( ولقد رآه نزلة أخرى ) . ورأى إذا عدى إلى مفعولين اقتضى معنى العلم نحو ( ويرى الذين أوتوا العلم ) ، والرأي اعتقاد النفس أحد النقيضين عن غلبة الظن وعلى هذا قوله : ( يرونهم مثليهم رأي العين ) أي يظنونهم بحسب مقتضى مشاهدة العين مثليهم وما يرتبط بحديثنا هو ما عدى الأول الذي هو إدراك المرئي بالحاسة .. أما الادراك للمرئي من خلال عملية ذهنية فهو الذي يرتبط بما نحن فيه . ويبدو أنه بهذا المعنى لا يمكن تشريعه بمعنى الأمر به أو النهي عنه ، فهو أمر خارج عن التكليف لأنه ليس تحت الاختيار . فلا يمكن أن توجب على شخص ولا أن تنهاه عن أن
تأتي الأسئلة إلى ذهنه من خلال ملاحظته الخارجية لأشياء ، وتكوين انطباع عنها ، مهما كانت درجة صحة أو سقم ذلك الانطباع . لا يمكن منع الإنسان من تكوين صور ذهنية عن الأشياء ، ولا يمكن إيجاب ذلك عليه . نعم يمكن أن يقال له : إذا أردت تكوين رأي صحيح فاتبع الطريق الكذائي . كما أنه يمكن أن يقال له إذا أردت التعبير عن الرأي الذي تكون لديك فينبغي أن يكون بهذه الضوابط أو في الزمان أو المكان المعين . خلفيات حرية الرأي والتعبير عنه : لمعرفة آفاق حرية الرأي ، لا بد من الاشارة إلى بعض الجهات التي تعد بمثابة تأصيل لهذه الفكرة : ١/ العقل وحرية الرأي خلق الله الإنسان في أحسن تقويم ، وكلفه بعبادة خالقه
بعد معرفته وعمارة الأرض بعد أن استخلفه فيها ( اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا ) ، وجعل العقل في كل هذه الأمور قائدا ودليلا . وفي النتيجة على وفقه يكون الثواب والعقاب ) بك أثيب وبك أعاقب ) . ولأجل ذلك فقد مكّن الله العقل الإنساني من اقتحام كثير من المجهولات ، وجعل فيه صلاحية الكشف عنها . فبدءا من الاعتقاد بالله والإيمان به وهو غيب الغيوب ، جعل العقل طريقا إلى ذلك ، وأمر باتباع ما يهدي إليه ( وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) . ( قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) . وبعد أن منح الله الإنسان ذلك العقل ، وزوده بتلك القدرة
الهائلة ، لا يعقل في تفاصيل الحياة ـ أن ينهاه عن استعماله ، وعن تكوين رأي في ما يصادفه من قضايا ! ٢/ الحرية الإنسانية والرأي : كما تميز الإنسان في خلقته بالعقل المدرك ، كان من الطبيعي أن يُخلق حرا مختارا ، وإلا فما نفع عقله آنئذ ؟ خلق الله الإنسان حرا ، ورفع عنه العبودية لكل أحد إلا لله سبحانه ، وعبودية الإنسان لخالقه وإن كانت قسرية في المجال التكويني ، إلا أنها في المجال التشريعي باختياره هو .. بل جُعل عزه وحريته في أن لا يكون عبدا إلا لخالقه كما في كلام للإمام علي ( إلهي كفى بي عزا أن أكون لك عبدا ..) وبعث إليه الأنبياء والرسل لتكريس هذه الحرية ، وإزالة كل ما يحجز الإنسان