دور المنبر في المجتمع الشيعي
يشبه دور الخطيب في إرشاده وتعليمه وتوجيهه، دور الرسل ـ مع حفظ الفرق ـ.
فدور المرسلين كان يبدأ بأمر الله سبحانه لهم (قل) و (بلغ) مختصرا ما الذي يمكن للرسول أن يصنعه بالنسبة للمجتمع الذي بعث إليه، ويبين الأنبياء﵈ وظيفتهم كما في القرآن الكريم أنهم يدعون منطلقين من رؤية البصيرة التي هم عليها {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}300. وفي آية أخرى أنه يبلغ وينصح من موقع العلم والمعرفة الإلهية {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ}301.
وهم في ذلك لا يملكون طريقا لإجبار الخلق على الإيمان مع أن الإيمان في صالحهم وأن الجهد الذي يبذل هو من أجلهم، لكنهم لا يستطيعون شيئا، أكثر من الإقناع (بالحكمة والموعظة الحسنة) والخطاب العقلي مقرونا بشيء كثير من الشفقة والنصح والإخلاص {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}302.
ولأن الأمر كذلك فالتأثير ليس حتميا ولا شاملا، فقد يكون وقد لا يكون، وحيث يكون قد يؤمن به البعض ويكفر به الكثير، وليس هذا بسبب تقاعس الرسل عن الدعوة فإنهم {يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ}، ولا هو في ضعف المفاهيم والتوجيهات التي يأتي بها الأنبياء {وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ}303. ولهذا فقد جاءت الآيات البينات تعزي المرسلين، وتواسيهم متوقعة عدم إيمان قسم من الناس برسالاتهم، وأنهم لو صنعوا ذلك فلا يضير الرسولَ توليهم وعنادُهم، وأن الأجيال الآتية هي التي ستؤمن بالرسالة {فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ}304. وما ذلك إلا لأن مهمة الرسل هي مهمة البلاغ المبين والبلاغ بمثابة البذرة التي قد تجد أرضا صالحة فتنتج وقد تصادف السبخة أو الصفا فلا تزرع. وحينئذ {فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ}؟305
وفي حدود هذا المقدار نعتقد أن المنبر الحسيني قد أدى دورا طيبا في المجتمع الشيعي منذ أن تبلور كوسيلة من الوسائل التبليغية، انحصر فيها التبليغ في بعض الفترات، وبعض الأماكن.
وذلك أن المجتمع الشيعي ظل لفترات طويلة في التاريخ، وفي أنحاء كثيرة من الأرض، محكوما وربما ينظر إليه بنظرة عدائية من قبل الحكومات، فكان أن فقد وسائل التأثير والخطاب العام، مثلما كان في تلك الأزمنة، (كخطب المساجد والجمعة والأعياد، بل وحتى مثل حلقات الدروس الرئيسة في المدارس الدينية وغيرها)، وكانت هذه المواقع تبين وجهات النظر غير المتفقة مع منهج أهل البيت﵈ لو لم تكن في أحيان كثيرة تهاجم التشيع والفكر التابع لأهل البيت.
ووُجد المنبر الحسيني ضمن توجيه أئمة أهل البيت﵈ مصداقاً من مصاديق إحياء أمرهم، ونشر أفكارهم، وتبليغ معارفهم ومحاسن كلامهم لشيعتهم ولغيرهم، فإن في تلك المعارف والثقافة ما لو اطلع عليه عامة المسلمين لآمنوا بمنهج أهل البيت وطريقتهم306.
نعم ربما يوجه لبعض المنابر في الفترة الأخيرة ملاحظات:
1. الإغراق في الغيبي:
منها: إغراق البعض في الجوانب المرتبطة بما هو غير مشهود.
بل ربما تم التطرف في ذلك فأصبح من الأدلة على ما يورده الخطيب من قضايا ثقافية أو عقائدية، عدد من المنامات التي رآها العالم الفلاني، والزاهد الفلاني. أو بعض المكاشفات العرفانية التي تحصل للبعض!!