ثم إنه بمراجعة كتابه الآخر (العباس) يتبين أن السيد المقرم رحمه الله يخالف نظريته في كتاب مقتل الحسين في أكثر من موضع ويبني على أساس أن أم البنين كانت موجودة إلى ما بعد زمان واقعة كربلاء، فقد ذكر في صفحة (133) أن السيدة زينب قد زارت أم البنين بعد وصولهم إلى المدينة تعزيها بأولادها كما كانت تزورها أيام العيد. وتعزية زينب﵍ وزيارتها لأم البنين بعد وصولهم إلى المدينة يشير بوضوح إلى حياتها إلى ذلك الوقت. بل أن ما نفاه هناك، أثبته هنا في مواضع متعددة منها في صفحة 398 حيث قال: وأول من رثاه أي العباس أمه أم البنين كما في مقاتل الطالبيين فإنها كانت تخرج إلى البقيع تندب أولادها اشجى ندبة وأحرقها فيجتمع الناس لسماع ندبتها ... ويستدل على خطأ ما نقله أبو الفرج والطبري من أنه أبا الفضل قدم إخوته ليقتلوا أمامه لكي يرثهم (!!) يقول في صفحة 203: وما أدري كيف خفي عليهما أي المؤرخين المذكورين (عدم إمكان) حيازة العباس ميراث إخوته مع وجود أمهم أم البنين وهي من الطبقة المتقدمة على الأخ، ولم يجهل العباس شريعة تربى في خلالها..
كما يقول مثبتاً وجود أم البنين حتى يوم الطف، في صفحة 206: وهناك مانع آخر من ميراث العباس لهم وحده حتى لو قلنا على بُعد ومنع بوفاة أم البنين يوم الطف لوجود الأطرف وعبيد الله بن النهشلية..كما يشاركهم سيد شباب الجنة وزينب وأم كلثوم وغيرهن من بنات أمير المؤمنين ...هذا إن قلنا بوفاة أم البنين يوم الطف، ولكن التاريح يثبت حياته يومئذ وأنها بقيت بالمدينة وهي التي كانت ترثي أولادها الأربعة..
ولا نعلم عن تأريخ كتابته الكتابين وأيهما المتقدم ليكون المتأخر هو الناسخ، والرأي الأخير للمؤلف، فإن كان العباس هو الكتاب الأخير يكون ما ورد فيه عدولاً عن ما ورد في كتاب مقتل الحسين، وإن كان العكس فيلزم أن يشير إلى ما سبق أن شيّده وأكّده في كتاب العباس؟
وعلى كل حال فإن ما بذله المحقق المقرم رضوان الله عليه من جهد في كتاب مقتل الحسين في نفي حياتها أخيرا مع أنه كان في بداية حديثه مقتصرا على عدم العثور على نص يوثق حياتها، لا يمكن المساعدة عليه أو قبوله. ونفس الكلام الذي قاله بعدم وجود نص يوثق حياتها يعود في عدم وجود نص يوثق وفاتها، مع أن بقاءها إلى ما بعد مقتل الحسين﵇ أمر طبيعي، وهو مقتضى الأصل.