(ملحق) عدد الأصحاب
يختلف عدد الشهداء الذي يذكره المؤرخون عما يوجد في كلمات المعاصرين، فبينما تتحدث بعض الروايات التاريخية عن ما يقل عن الخمسة والسبعين مثل رواية أبي مخنف عن الضحاك المشرقي (.. وعبأ الحسين أصحابه وصلى بهم صلاة الغداة وكان معه اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا..)274، تجد بعض المؤلفين المعاصرين يذكر رقما يصل إلى 138 شهيدا275.ولعله يعتمد في ذلك على رواية نقلها الطبري276 عن عمار الدهني عن الباقر﵇ وفيها يقول أن الحسين نزل كربلاء وضرب أبنيته وكان معه مائة راجل وخمسة وأربعون فارسا، ويتوسط بينهما العلامة شمس الدين فيفترض أن العدد هو في حوالي المئة، قال277: وتقديرنا الخاص نتيجة لما انتهى بنا إليه البحث هو أن أصحاب الحسين الذين نقدر أنهم استشهدوا معه في كربلاء من العرب والموالي يقاربون مئة رجل أو يبلغونها وربما زادوا قليلا على المئة.
وربما يمكن تأييد ما توصل إليه شمس الدين278 بما ورد في نص تأريخي قديم يسبق كتب التاريخ التي تنقل عن ابي مخنف، وهو كتاب: (تسمية من قتل مع الحسين﵇)279 للفضيل بن الزبير الأسدي وهو من أصحاب الباقر والصادق﵉، أنهم مئة وسبعة (107) وقد ذكر أسماءهم.
ويمكن تقريب العدد أيضاً من خلال حساب الرؤوس التي وزعها عمر بن سعد على القبائل المشاركة فقد ذكر أنه أعطى كندة 13 رأسا، وهوازن 20، وتميم 17 رأسا وبني أسد 6 رؤوس، ومذحج 7 وأعطى باقي الناس 13.. ومجموع هذه الرؤوس يكون 76 رأسا، فإذا فرض أن بعض الرؤوس لم توزع مثلما نقل أن عشيرة الحر الرياحي قد أبعدت جنازته وربما جنازة ابنه عن ميدان المعركة، وأيضا كان رأس الحسين﵇ قد أُرسل إلى الكوفة عصر عاشوراء بيد خولى بن يزيد الأصبحي، فيكون العدد من هذه الناحية قريب الثمانين.
فإذا فرض كما يحتمل بعض، أن رؤوس الموالي لم تكن في هذه المجموعات لجهة أن أخذ الرؤوس كان لأجل الافتخار بين القبائل، ولم يكن القضاء على الموالي عامل فخر عند القبائل العربية.. لو صح هذا فإنه يرفع العدد إلى ما يقرب من المئة، نظرا لعدد الموالي الموجودين بين أنصار الحسين ﵇.
وهناك نقطة جديرة بالاهتمام ذكرها في (أنصار الحسين) وحاصلها أن من أسباب الاختلاف في تعداد الشهداء رضوان الله عليهم، إضافة إلى تداخل بعض الأسماء مع بعضها الآخر، وسقوط بعضها، أن شهود العيان الذين نقل عنهم المؤرخون غالبا ما كان يستخدمون التقدير بالرؤية البصرية من غير أن يقوموا بحساب الرجال وإحصائهم إحصاء دقيقا، مما يجعل إمكانية الاشتباه في التقدير كبيرة.
وكذلك فإن المؤرخين ربما تحدثوا عن حالات مختلفة، فبعضهم يتكلم عن أصحاب الحسين الذين خرجوا معه من المدينة، وآخرون عن أصحابه الخارجين معه من مكة، وربما تحدثوا عن بداية نزوله إلى كربلاء في عدد كذا، والواضح أن هذه المراحل كانت تتغير فيها الأعداد، بحسب التطورات، إلى أن جاء خبر مسلم بن عقيل، وأخبر الحسين﵇ الأصحاب بما سيصير إليه أمرهم، واستقر هؤلاء على الشهادة انتهت حالات التغير في العدد (لجهة النقص) ولكن حصل متغير آخر وهو أن قسما من الجيش الأموي قد صاروا إلى جهة الحسين﵇، وقد سبق الحديث عنهم في أحد الأجوبة الماضية.
الهوامش
- 274. تاريخ الطبري 4/ 346.
- 275. قال في اللهوف: (.. وجعل ينوء ويكبو فطعنه سنان ابن أنس النخعي في ترقوته ثم أنتزع الرمح فطعنه في بوانى صدره ثم رماه سنان أيضاً بسهم فوقع السهم في نحره فسقط﵇ وجلس قاعدا فنزع السهم من نحره وقرن كفيه جميعا فكلما امتلاتا من دمائه خضب بهما رأسه ولحيته وهو يقول هكذا القى الله مخضبا بدمى مغصوبا علي حقي، فقال عمر بن سعد لرجل عن يمينه: إنزل ويحك إلى الحسين فأرحه قال فبدر إليه خولى ابن يزيد الأصبحي ليحتز رأسه فأرعد فنزل إليه سنان بن أنس النخعي (لع) فضرب بالسيف في حلقه الشريف وهو يقول والله إنى لأجتز رأسك وأعلم إنك ابن رسول الله صلى الله عليه واله وسلم وخير الناس أبا وأما، ثم أجتز رأسه المقدس المعظم وفى ذلك يقول الشاعر: فأى رزية عدلت حسينا * غداة تبيره كفا سنان.
- 276. محمد بن علي بن الحسين ابن موسى بن بابويه قال حدثنا محمد بن عمر البغدادي الحافظ (رحمه الله)، قال: حدثنا أبو سعيد الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه، قال: حدثنا إبراهيم بن عبيد الله بن موسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ، قال: حدثتني مريسة بنت موسى بن يونس بن أبي إسحاق وكانت عمتي، قالت: حدثتني صفية بنت يونس بن أبي إسحاق الهمدانية وكانت عمتي، قالت: حدثتني بهجة بنت الحارث بن عبد الله التغلبي، عن خالها عبد الله بن منصور وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي﵇، قال: سألت جعفر بن محمد بن علي بن الحسين﵈، فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول.
- 277. البداية والنهاية ج 8 لابن كثير: نقول ذلك على نحو الاحتمال، لإنه يمكن أن تكون الرواية على فرض صدورها ناظرة إلى القتل، بمعنى ازهاق الروح، دون احتزاز الرأس، هذا إضافة إلى أنهم نقلوا أيضاً أن سنان بن أنس كان أيضاً أبرس وشبيها بشمر بن ذي الجوشن.
- 278. يلاحظ في هذه الزيارة التطابق بين (مولغ سيفه على نحرك) وبين ما نقل عن الرسول قبله: (كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي).. هذا بناء على أن ما في الزيارة هو (مولغ) بالمعجمة لا (مولع) بالمهملة.
- 279. العجيب أن القندوزي يروي عن أبي مخنف ما ينتهي إلى أن القاتل هو شمر بن ذي الجوشن، بينما ينقل الطبري أيضاً عن أبي مخنف نفسه (عن الصقعب بن زهير عن حميد بن مسلم) أن القاتل هو سنان بن أنس. مع بُعد الواسطة بين القندوزي الذي توفي في 1294هـ وبين أبي مخنف. وهذه الرواية بهذا النحو مع أنها الأشهر بين قراء التعزية إلا أنها لم تذكر في مصدر من المصادر الأساسية عند الطائفة حتى مثل بحار الأنوار الذي دأب صاحبه على جمع الأخبار مع غض النظر عن قيمتها السندية. نعم ذكرها فخر الدين الطريحي (ت 1085هـ) في المنتخب ولعل القندوزي نقل الحادثة منه.