ومع أنه تم الاختلاف في عدد الخارجين إلى قتال الإمام الحسين﵇ إلا أنه قد ورد في روايتين عن الإمام زين العابدين﵇ أن عددهم كان ثلاثين ألف رجل، ونتعجب كيف أن هاتين الروايتين لم تكونا تحت نظر الشيخ الطريحي وهو من هو في علمه وأحاطته كما يلحظ الناظر هذه الإحاطة في كتبه لا سيما في مجمع البحرين.
فقد روى الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في الأمالي بسنده إلى زين العابدين﵇: «أن الحسين بن علي بن أبي طالب﵉ دخل يوما إلى الحسن﵇، فلما نظر إليه بكى، فقال له: ما يبكيك يا أبا عبد الله؟ قال: أبكى لما يصنع بك. فقال له الحسن﵇: إن الذي يؤتى إلي سم يدس إلي فاقتل به، ولكن لا يوم كيومك يا أبا عبد الله، يزدلف إليك ثلاثون ألف رجل، يدعون أنهم من أمة جدنا محمد﵌، وينتحلون دين الإسلام، فيجتمعون على قتلك، وسفك دمك، وانتهاك حرمتك، وسبي ذراريك ونسائك، وانتهاب ثقلك..»470.
كما أورد في الأمالي أيضاً رواية أخرى فيها ذلك العدد، فقال في صفحة 547:
«نظر سيد العابدين علي بن الحسين﵉ إلى عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب﵇ فاستعبر، ثم قال: ما من يوم أشد على رسول الله﵌ من يوم أحد، قتل فيه عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله، وبعده يوم مؤتة قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب، ثم قال﵇: ولا يوم كيوم الحسين﵇ ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل، يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه، وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون، حتى قتلوه بغيا وظلماً وعدواناً»471.
كما أن العلامة المجلسي رضوان الله عليه قد نقل رواية في البحار من غير إسناد تفيد نفس العدد، فقال في الجزء 45 ص4: «وفي رواية عن الصادق﵇ (كانوا) ثلاثين ألفاً».
كما أنه قد ذُكر في المنتخب أن عدد الذين قتلهم الحسين﵇ ما يزيد على 10000 عشرة آلاف فارس472، ولا يبين فيهم لكثرتهم؟؟
أقول: لو كانوا ثلاثين ألفا، فهو الثلث ـ بناء على هذه الروايات ـ فكيف لا يبين فيهم؟ بل حتى لو كانوا سبعين ألفا فإن معنى ذلك أن سبعهم قد قتل!!
وربما يغفر في قصائد الحماسة والشعر، التهاون بالأعداد، مثل قوله:
جاؤوا بسبعين ألفاً سل بقيتهم
هل قابلونا وقد جئنا بسبعينا؟
أو مثل قول السيد حيدر في تصوير كثرة الجيش:
بجمع من الناس سد الفرو
ج وغطى الجبال وغيطانها
وطا الوحش إذ لم يجد مهرباً
وغادرت الطير أوكانها
أو قول الآخر:
بجحافل بالطف أولها
وأخيرها بالشام متصل
فهذه طبيعة الشعر القائم على مخاطبة الخيال، والذي يتعمد فيه المبالغة والإكثار، حتى لقد قالوا: «أعذب الشعر أكذبه»، فأنت ترى الصورة الخارجية الحقيقية بنحو، حتى إذا قرأتها في قصيدة وصفية وجدت عالما آخر أكبر عشرات أو مئات المرات من الواقع..
إلا أنه لا ينبغي يكون هذا في الكتب التاريخية، ولاسيما لو كانت منسوبة إلى علماء محققين، وأفاضل كالشيخ فخر الدين.
مشكلة الأعمار في المنتخب: يلاحظ المتتبع في المنتخب، أن أعمار أهل البيت﵈ لم يقل بها أحد من المؤرخين ولا الناقلين. فهو يذكر أن عمر علي الأكبر كان 17 سنة وأنه بقي بعد أبي الفضل العباس لكي يأتي بالماء للطفل بعد شهادة العباس! فراجع صفحة 443.