يحرص القرآن الكريم في إيراده لقصص الأقوام على التركيز على عواقب الأمور، فيؤكد دائما أن {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}132، ولكي لا يعمي الواقع الراهن أبصار الناس بزخارف أصحاب المال ومظاهر قوة ذوي السلطان، فإنه يأمر الناس بأن يسيروا في الأرض فينظروا لا إلى الآثار وإنما إلى العاقبة والنهايات {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ}133.

ذلك أن المشكلة التي تعترض الكثير من الناس هو أنهم يريدون أن يروا النتائج عاجلة، فييأسوا مع تأخرها من نصر الله، بينما ينصحهم القرآن بأن ينظروا إلى سنن الله في الذين خلوا من قبل، وهذه السنة لن تخطئ من يعاصرونهم من الظالمين والمجرمين.

وفي قضية كربلاء شاهد صدق على سنة الله في الظالمين، وبرهان حق على أن (العاقبة للتقوى). انظر إلى تأريخ القتلة والمشاركين في الظلم، لم يمر عقد من الزمان إلا وقد تنشبت بهم أنياب أعمالهم فأصبحوا في وهق خطاياهم السابقة. وهلكوا غير مأسوف عليهم من أحد.

وهذه النتائج لأولئك الأشخاص الذين قاموا بالجرائم حرصا على دنياهم ورغبة في بقائهم، فلا متع الدنيا حصلوا عليها ولا البقاء أتيح لهم، فكما قلنا ما مر عقد من الزمان إلا وقد ابتلعت الأرض أجسادهم، وفرقت عن الأجسام رؤسهم. بل ربما لو لم يرتكبوا تلك الجرائم لحصلوا على متع من الدنيا كثيرة، ولعمروا أكثر مما صاروا إليه.

يزيد بن معاوية بن أبي سفيان: المسؤول الأول عن قتل الامام الحسين﵇..عجيب أن كتب التاريخ قد أغفلت كيفية هلاكه، وكأن ذلك كان عقاب التاريخ لمن قام بما قام به من أجل أن يبقى فإذا به في بدايات عمره من حيث السن (38 سنة) يهلك بنحو يُختلف فيه حتى عاد أمر هلاكه مجهولا. فقد نقل في ترجمة اللهوف (باللغة الفارسية) ما حاصله: أنه قد خرج للصيد فاعترضه غزال وظل يطارده إلى أن انفرد عن عسكره وحرسه، ووصل إلى خباء واستسقى صاحبه ماء فسقاه وعرفه على اسمه، فلما عرفه قام إليه الأعرابي ليقتله انتقاماً للحسين﵇، فهرب يزيد وتعلق في هذه الأثناء بالركاب ولم يستطع الاستواء على فرسه فظل هذا الفرس وهو مسرع يضرب به كل حجر ومدر حتى هلك إلى لعنة الله.134 ومر غيره على مصرعه لاعناً إياه، فـأكثر من تعرض لحديث رسول الله القائل بأن من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله (البعض قال: إنه في الدنيا، وقال آخرون إنه إذابته في النار، وجمع قسم ثالث بين الأمرين) ذكره في هذا الموضع مع مسلم بن عقبة المري.. هل مجهولية مصرعه جزء من الإذابة؟ فقد ذكر في فيض القدير بعد أن تعرض لشرح الحديث قال: قال القاضي عياض: وهذا حكمه في الآخرة بدليل رواية مسلم أذابه الله في النار أو يكون ذلك لمن أرادهم بسوء في الدنيا فلا يمهله الله ولا يمكن له سلطاناً بل يذهبه عن قرب كما انقضى شأن من حاربهم أيام بني أمية كعقبة بن مسلم فإنه هلك في منصرفه عنها ثم هلك يزيد بن معاوية مرسله على أثر ذلك135.