المنبر الحسيني: بين التطوير والتكلس

الأولى: سهولة تناوله من قبل جميع الطبقات الاجتماعية، بخلاف تلك الوسائل التي لا تتمكن منها سوى طبقة معينة من الناس سواء لجهة عدم توفر أدواتها، أو التزامها بنحو معين من الخطاب لا يستقطب جميع الشرائح. مثلا من لا يعرف الانترنت ولا يستخدمها لا يمكن له أن يستفيد من إمكاناتها، ولا تستطيع هذه المواقع الموجودة فيها مخاطبته. وهكذا الحال في أمر الفضائيات، بخلاف المنبر الحسيني الذي يتوفر للجميع وليس على المرء سوى أن ينقل قدمه إلى المكان المعين.

الثانية: أن الكثير من الباحثين يذكرون التوافق الجمعي، والحضور في ضمن مجموع كبير كواحد من الجهات المؤثرة في المتلقي، بخلاف ما لو كان يتلقى هذا الأمر بمفرده أو ضمن مجموعة محدودة، ولا شك أن المنابر الحسينية يتوفر فيها هذا الجو العام.

الثالثة: أن المنبر الحسيني وما يحتويه من توجيه (ولائي أو أخلاقي، أو ثقافي) خط ممتد مع عمر الإنسان المتلقي، فلو فرضنا أن شخصا من أتباع أهل البيت كان يحضر في المنابر كما هي عادة كثير منهم في موسم محرم ورمضان مجلسا واحدا في كل ليلة، فإن معنى ذلك أنه عندما يكون في السبعين من العمر يكون قد استمع إلى أكثر من ألفي محاضرة، بما تحتوي عليه من قضايا تأريخية وأدبية وثقافية عامة، والمتعرض لهذا المقدار من المحاضرات والأحاديث لا شك سيكون ذا ثقافة مناسبة. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل مستوى الكثير من هؤلاء برغم أمية بعضهم، أعلى من غيرهم وأفضل.

2. إن هذه الوسيلة (المنبر) كان لها دور عظيم في الحفاظ على تراث أهل البيت وفكرهم، إضافة إلى دورها المحوري داخل المجتمع الشيعي، ولا تزال تمتلك المقومات الكافية، للإستمرار في هذا الدور، بل يمكن دعوى دور أكبر لها، عن طريق الاستفادة من الوسائل المتقدمة كالانترنت والفضائيات.

لقد كان المنبر في الأزمنة السابقة يمارس تأثيره في حدود منطقة القريبين منه، بينما هو اليوم بفضل تقدم الوسائل قادر على مخاطبة البعيدين، مما يعني أن بإمكانه أن يقوم بدور أكبر في استقطاب الجمهور والتأثير عليهم.

3. إننا نعتقد أن هذه الوسيلة القوية، يمكن لها أن تكون أقوى وأفضل مما هي عليه الآن عندما تتعرض إلى عملية تطوير، وتحديث شاملة، تأخذ بعين الاعتبار خصوصياتها الذاتية (كونها حسينية وتخدم غرضا معينا) وأيضا الأوضاع القائمة بما فيها من مشاكل فكرية، وتستفيد من تقنيات الاتصال والتخاطب والإقناع، حيث أن الخطابة والتأثير على المستمع أصبح علما كاملا ومتطورا، يدرس كاختصاص في الجامعات.

وإن البقاء في الحالة التقليدية، التي تُتوارث من قِبل اللاحقين عن السابقين، في الكيفيات والأساليب يعرض هذه الوسيلة إلى التراجع والاضمحلال.

هذا مع إصرارنا على أن لا يفقد المنبر، كما سيأتي، مقوماته الأساسية ومن أهمها القضية الحسينية، والجانب الرثائي بما فيه من حرارة المصيبة، ولوعة المأساة.

ولهذا نقول: إن كلتا الدعويين اللتين ذكرتا أول الحديث غير صحيحة، لا يزال المنبر قادرا وفاعلا في حدوده الطبيعية144 التي تنتظر منه بل ربما يكون أقدر من الماضي على التأثير بما توفر له من الوسائل التي تساهم في نقله هنا وهناك.

ونقول أيضاً: أن المنبر كسائر الأشياء ما لم يستجب للتغيير في وسائله، والتطوير في آلياته سينتهي به الحال إلى التراجع والاضمحلال، وسينهزم في معركة وسائلها عند الآخرين مطورة ومجددة، هذا مع الحفاظ على أساسياته.. كما سيتبين في الكلمات القادمة.