السيرة الحسينية وضرورة تنقيحها

5. الزيارات: مثل الزيارة المنسوبة للناحية المقدسة10 والتي تعرضت في تفصيل جميل لمقدمات الثورة ووضع المجتمع الإسلامي في تلك الفترة، والدوافع التي حركت الإمام الحسين﵇ للثورة، وكيف كان مسير المعركة، وأخيرا فيها تفصيل للمقتل مما صار على ألسنة الخطباء نصا ثابتا (.. فلما رأوك ثابت الجأش، غير خائف ولا خاش، نصبوا لك غوائل مكرهم، وقاتلوك بكيدهم وشرهم، وأمر اللعين جنوده، فمنعوك الماء ووروده، وناجزوك القتال، وعاجلوك النزال، ورشقوك بالسهام والنبال، وبسطوا إليك أكف الاصطلام ولم يرعوا لك ذماما، ولا راقبوا فيك آثاما، في قتلهم أولياءك، ونهبهم رحالك، وأنت مقدم في الهبوات، ومحتمل للأذيات، وقد عجبت من صبرك ملائكة السماوات. وأحدقوا بك من كل الجهات، واثخنوك بالجراح، وحالوا بينك وبين الرواح، ولم يبق لك ناصر، وأنت محتسب صابر، تذب عن نسوتك وأولادك. حتى نكسوك عن جوادك، فهويت إلى الأرض جريحا، تطؤوك الخيول بحوافرها، وتعلوك الطغاة ببواترها، قد رشح للموت جبينك، واختلفت بالانقباض والانبساط شمالك ويمينك، تدير طرفا خفيا إلى رحلك وبيتك، وقد شغلت بنفسك عن ولدك وأهلك، وأسرع فرسك شاردا، وإلى خيامك قاصدا، محمحما باكيا. فلما رأين النساء جوادك مخزيا، ونظرن سرجك عليه ملويا، برزن من الخدور، ناشرات الشعور11 على الخدود لاطمات وبالعويل داعيات، وبعد العز مذللات، وإلى مصرعك مبادرات والشمر جالس على صدرك، مولع سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده، قد سكنت حواسك، وخفيت أنفاسك، ورفع على القنا رأسك، وسبي أهلك كالعبيد، وصفدوا في الحديد، فوق أقتاب المطيات، تلفح وجوههم حر الهاجرات، يساقون في البراري والفلوات، أيديهم مغلولة إلى الأعناق، يطاف بهم في الأسواق. فالويل للعصاة الفساق، لقد قتلوا بقتلك الإسلام، وعطلوا الصلاة والصيام، ونقضوا السنن والأحكام، وهدموا قواعد الإيمان، وحرفوا آيات القران، وهملجوا في البغي والعدوان..)12، وزيارة الإمام الحجة للحسين﵉ والتي فيها أسماء الشهداء مع الحسين مع أسماء قاتليهم وستأتي في قسم الملحقات.

تنقيح السيرة الحسينية:

جرت العادة في المجتمعات الشيعية على قراءة السيرة الحسينية لا سيما أيام العشرة الأولى من محرم الحرام في كل عام، وحيث أنها تتكرر كذلك، فإنها تتحول إلى جزء من الموروث الثقافي لأبناء المجتمع، وتؤثر في فكرهم وسلوكهم من حيث يشعرون أو لا يشعرون. ولذا كان أمر تصحيح السيرة وتنقيحها، وعدم ذكر المستهجن أو غير المقبول في العقول إلا مع التوضيح فضلا عن غير الصحيح أمراً مهماً.

وينبغي أن يشار إلى قضية مهمة وهي أنه لا يصح أن يشكَّك في المسائل الثابتة بزعم أننا نقوم بتنقيح السيرة، أو أننا لا نحب هذه الجملة أو تلك الواقعة فنقوم بحذفها من السيرة فهذا عمل خاطئ، بل هو خيانة للتاريخ لو كانت الجملة ثابتة والنص صحيحا.وكذلك الحال عندما يستطرق من بعض الأمور التاريخية غير الثابتة إلى التشكيك في جملة السيرة وأحداثها، فإن ذلك أمر خطر.

نعم، ما كتب عن السيرة هو كسائر القضايا التاريخية فيه الصحيح وفيه غير ذلك ولكن بحمد الله لم يتطرق الخلل إلى أصل السيرة، ولا إلى أحداثها الأساسية التي تنفع في الإقتداء والتأسي. ومع ذلك نحن نحتاج إلى تنقية ما علق بها، وهذا الأمر لا لجهة أن الآخرين ينتقدوننا وإنما لجهة أن بقاء مثل هذه الشوائب يشوه الصورة الحقيقية لصاحب السيرة العظيم.