بعض الحوادث حدودها من الزمان، مدتها فقط فلا تشغل أكثر من دقائق مثل طعامك قبل شهر، استغرق عشر دقائق، ثم إنك نسيته أنت فضلا عن سائر الناس ثم انتهى، نعم لو كان فيه جهة محرمة كأن يكون غصبا أو حراما فإن تبعته تبقى وأثره الوضعي يستمر، وهكذا لو كان فيه جهة خيرة.
وهناك بعض الحوادث طبيعتها أن تبقى وتؤرخ لما فيها من الجهة العامة التي ترتبط بالآخرين كما هو الحال في المعارك العقائدية والمناظرات الفكرية، بل الأحداث السياسية.
وقضية الإمام الحسين﵇ تحتوي على كل عناصر البقاء والاستمرار في التاريخ، بل في وعي الأمة الإسلامية.. وذلك لارتباطها بكل التيارات من جهات مختلفة فإن أتباع الخط الأموي كان عليهم أن يجيبوا على أصل موقف السلطة التي اتخذته من الإمام﵇ ومن أهل بيته وأنصاره، ثم تفاصيل الممارسة، وفي المقابل كان أتباع أهل البيت﵈ ينشرونها، والمحايدون يحاولون التفتيش عن جواب مقنع لن يكون موجودا، إلا بمعرفة بني أمية على حقيقتهم.
لقد انتقلت الحادثة بتفاصيلها الكثيرة، بمواقف أبطالها، وكلمات شجعانها، ورجز مقاتليها من جهة، وانتقلت بعمق مأساتها، بجروح الضرب والتنكيل، والسلب والتشهير، وبغربة النساء، (تحدو بهن الأعداء من بلد إلى بلد ويستشرفهن أهل المناهل والمناقل ليس لهن من ولاتهن ولي ولا من حماتهن حمي..)2 وبلوعة الأطفال واليتامى. انتقلت من الأفئدة المكلومة والعيون الباكية إلى صدور الناقلين ثم إلى كتب التاريخ، ولقد حاول الكثيرون تزييف الحادثة، أو إسدال ستار النسيان على أحداثها، لكن خابوا فما زالت أحداث الواقعة حية ساخنة وكأنها قد حدثت ليوم خلا.
ويتعجب الناظر إلى تلك التفاصيل الدقيقة التي ترصد كل حركة وكلمة، فهذا نافع بن هلال في جوف الليل يحرس الحسين من دون أن يشعر وعندما يراه﵇ يشجعه على الفرار والنجاة بنفسه، فيقول ما هو أهله، وما يخلده. وهذه زينب وهي تحدث أخاها الحسين في ليلة عاشوراء وتسأله عن وضع المخيم والأنصار و..
من الذي نقل كل هذه التفاصيل، وما هي مصادرها؟
يمكن أن نوجز في ما يلي مصادر الواقعة:
1. التاريخ العام مثل تاريخ الطبري وابن الأثير، والمسعودي،..وغيرهم. فقد اعتمد هؤلاء المتأخرون على المؤرخ المعروف لوط بن مخنف الأزدي3، بل قد يمكن القول أن ما جاء في الطبري هو خلاصة لما كتبه أبو مخنف المذكور، وكان في ذلك أكثر من جهة فائدة، فقد فُقد كتاب مقتل الحسين للأزدي، وتم استخراج ما نقله عنه الطبري باعتباره المقتل، بينما لم يكن كل المقتل وما جرى فيه. وهو يروي عمن شهد الواقعة كحميد بن مسلم بواسطة،والضحاك المشرقي.
2. وشهود عيان في المعسكر الأموي، فإن بعضهم كان بمثابة المؤرخ، والناقل للأخبار مثل حميد بن مسلم4، أو غيرهم ممن نقل (بطولاته !): مثل كعب بن جابر لما قتل برير بن خضير عتبت عليه زوجته وقالت أنها لن تكلمه، فقال أبياتا منها:
ولم تر عيني مثلـهم في زمانهم
ولا قبلـهم في الناس إذ أنا يافع
أشد قراعا بالسيوف لدى الوغى
ألا كل من يحمي الذمار مقارع
وذلك الذي قال:
ثارت علينا عصابة أيديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية تحطم الفرسان يمينا وشمالا، وتلقي أنفسها على الموت لا تقبل الأمان، ولا ترغب في المال، ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية أو الاستيلاء على الملك، فلو كففنا عنها رويدا لأتت على العسكر بكامله، فما كنا فاعلين لا أم لك5.