ماذا فعل الحسين﵇ في مكة؟

نجد إشارات مختلفة فيما يرتبط بموقف البصريين من النهضة الحسينية، فمن جهة لا ينقل المؤرخون أن أهل البصرة قد امتنعوا من بيعة يزيد بن معاوية بعد موت أبيه، كما لم يذكروا أن أحداً من أهلها بادر إلى مراسلة الإمام الحسين﵇ قبل وصول رسائله لرؤسائهم، وربما يعزو البعض هذا إلى كون الوالي على البصرة عبيد الله بن زياد الذي كان معروفا بالفتك والبطش، فلم يكن يسمح لأي نطفة معارضة أن تصبح جنينًا، أو إلى أن البصرة تاريخياً لم تكن (علوية) الموقف من أيام حرب الجمل، وبالقياس فإن الكوفة في الجهتين المذكورتين تعتبر في وضع مثالي، فإن واليها النعمان بن بشير الأنصاري كان هادئًا إلى حد كبير226 كما أن قاعدتها الشعبية كانت محبة للعلويين وبني هاشم ولو على المستوى النفسي.

نعم قد ذكر الطبري ناقلاً عن أبي مخنف أن « جماعة من الشيعة» كانوا يجتمعون في منزل امرأة منهم هي مارية بنت منقذ العبدي ويتداولون الأمور بينهم، وأن في ذلك المنزل قد وصل إليهم خبر الحسين﵇ وعلى أثره انطلق عدة منهم لنصر الحسين وفازوا بالشهادة بين يديه، فهل هذا النص يشير إلى أن (الشيعة) في البصرة جماعة قليلة ولها ما يشبه التجمعات السرية الخاصة بها؟ أو أن هؤلاء الذين اجتمعوا كانوا فئة من المجموع الأكبر، وأن الشيعة كانوا كثيرين لكن هؤلاء كانوا (جماعة) منهم؟ وأن هؤلاء بدأوا بالتحرك بعد ما غادر ابن زياد إلى الكوفة للقضاء على مسلم بن عقيل، بعد وصوله إليها في شهر شوال، وهذا مكّن هؤلاء الشيعة من أن يتحركوا بشكل أفضل، فانظر إلى النص:

«اجتمع ناس من الشيعة بالبصرة في منزل امرأة من عبد القيس يقال لها مارية ابنة سعد أو منقذ أيامًا وكانت تشيّع وكان منزلها لهم مألَفًا يتحدثون فيه وقد بلغ ابن زياد إقبال الحسين فكتب إلى عامله بالبصرة ان يضع المناظر ويأخذ بالطريق. قال فأجمع يزيد بن ثبيط الخروج وهو من عبد القيس إلى الحسين، وكان له بنون عشرة فقال: أيكم يخرج معي؟ فانتدب معه ابنان له عبد الله وعبيد الله. فقال لأصحابه في بيت تلك المرأة: إني قد أزمعت على الخروج وأنا خارج، فقالوا له: إنا نخاف عليك أصحاب ابن زياد، فقال: إني والله لو قد استوت أخفافهما بالجدد لهان عليَّ طلب من طلبني. قال(الراوي): ثم خرج فقوى في الطريق حتى انتهى إلى حسين﵇ فدخل في رحله بالأبطح. وبلغ الحسين مجيئه فجعل يطلبه وجاء الرجل إلى رحل الحسين فقيل له: قد خرج إلى منزلك، فأقبل في أثره ولما لم يجده الحسين جلس في رحله ينتظره وجاء البصري فوجده في رحله جالساً فقال بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا قال فسلم عليه وجلس إليه فخبره الذي جاء له فدعا له بخير ثم أقبل معه حتى أتى فقاتل معه فقتل معه هو وابناه.»227

كانت نتيجة رسائل الإمام الحسين الخمس إلى زعماء الأحياء والقبائل الخمس في البصرة، سلبية في الاجمال باستثناء استجابة يزيد بن مسعود النهشلي التميمي الذي جمع قبيلته (تميم)228 وأمرهم بالتجهز لنصر الحسين﵇، وأرسل على الفور رسولاً للحسين﵇ يخبره باستجابته، وقبوله دعوته، وقد فاز هذا الرسول وهو الحجاج السعدي، ومعه قعنب بن عمر النمري بشرف الشهادة بين يدي الحسين، بينما لم يدرك يزيد النهشلي ولا الجمع الذي كان قد جهزه لنصر الحسين المعركة، حيث وصلهم خبر شهادة الإمام قبل أن يتوجهوا.