من هنا نفهم لماذا كانت كلمات الامام الحسين﵇ حول أهداف نهضته وبواعثها كثيرة ومتعددة الأساليب وفي مختلف المناطق (المدينة، مكة، الطريق إلى كربلاء، في كربلاء) حتى لو فات البعض في مكان يسمعونها في مكان آخر ولو لم تُنقَل في مكان أو بواسطة أشخاص تنقل في مكان آخر بواسطة آخرين وهكذا مثل قوله ﵇ في المدينة (إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق ومن رد عليّ أصبر). و-إنما- هي أداة حصر كما يقول علماء اللغة العربية، بمعنى لهذا السبب ليس إلا، وتراه في كربلاء يقول (اللهم إنك تعلم أنه لم يكن ما كان منا تنافساً في سلطان ولا التماساً من فصول الخصام ولكن لنري المعالم من دينك ويظهر الإصلاح في بلادك ويأمن المظلومون من عبادك ويعمل بفرائضك وسننك وأحكامك)،71 فليست القضية لأجل السيطرة على الحكم والرئاسة أو في طلب الامارة!
وقد يكون تفسير النهضة الحسينية بهذا النحو المادي والسياسي الدنيوي مفهوماً إذا جاء من دراسات المستشرقين الذين تناولوا هذه الفترة التاريخية بالبحث والدراسة، فإنهم يتعاملون مع كل هذه القضايا بعيدًا عن دائرة المقدس ومنطلقات القيم الروحية.. لكننا لا نستطيع تفهم أن يقوم بهذا مؤرخون مسلمون هم أنفسهم يقدمون قبل مقتل الحسين عشرات الأحاديث عن رسول الله﵌ في حق الحسين ﵇ وأنه سيد شباب أهل الجنة وأن رسول الله رُؤي في المنام باكيًا وأنّ جبرئيل أو ملك القطر قد نعيا الحسين لرسول الله وأتيا له بتربة من قبره وأن النبي بكى على إثر ذلك! بل وقد نقلوا من الروايات ما نقلوا في الأمور الكونية التي حصلت بعد شهادة الحسين من الدم العبيط في الأرض وأمثال ذلك.
ما الذي يجعل الكون يتفاعل لأجل مقتل شخص خرج للسيطرة على الحكم والتمتع بميزات الرئاسة ثم لم يستطع ذلك؟ هل يستحق مثل هذا بكاء من النبي أو نعياً من ملائكة السماء أو تفاعلاً من الكون؟
كأحد الشواهد على هذا الاتجاه فإن العنوان الذي جعله ابن كثير الدمشقي لتاريخ مقتل الحسين في كتابه البداية والنهاية كان بهذا النحو: قصة الحسين بن علي وسبب خروجه من مكة في طلب الامارة وكيفية مقتله.
الأسوأ من فكرة أن خروج الحسين وبالتالي مقتله كان في طلب الامارة والرئاسة والصراع على السلطة ما سيأتي من ترقّي (ولا رقي في ذلك) بعض أتباع الاتجاه الأموي في المسلمين ليشير بالصراحة أو بالمواربة إلى أن:
2. خروج الحسين كان خروج بغي على إمام للمسلمين!
والذي قال هذه الفكرة بالصراحة كان ابن العربي المالكي72في كتابه العواصم من القواصم، فإنه رأى أن الذين خرجوا لقتاله قد خرجوا لذلك بفكرة واجتهاد في الدين ومعرفة بالأدلة الشرعية! ومنها أن خروجه كان فتنة على الأمة - في نظر ابن العربي وابن زياد ويزيد - وتفرقة لوحدتها وأن ذلك يدخل تحت كلام النبي في أن من يفعل ذلك يجب أن يقتل بالسيف كائنا من كان! وهكذا الجيش الذي خرج لقتاله، فلم يخرج أولئك الناس إلا بمثل هذا، ولم يقتلوا الحسين لأنهم طامعون في المال أو خائفون من عقوبة ابن زياد وإنما لأنهم كانوا مجتهدين ولهم أدلتهم في لزوم الوحدة!