يأتي السؤال هنا بأنه لماذا كان التوجيه إلى التحكيم الاسري وليس التحكيم الخارجي؟ الجواب هو لأن إمكانيات الإصلاح والتوافق في التحكيم الاهلي أكثر من إمكانيات التوافق والإصلاح في التحكيم الخارجي، فلو جاء الزوجان إلى أحد المحاكم فسيقوم الزوج بذم الزوجة لدى القاضي وكذلك الزوجة وسينشر كل منهما أسرار الآخر على المستوى العام، وقد تكون بعض القضايا خاصة جداً لا ينبغي التكلم بها على المستوى العام في المحكمة، وكذلك قد يهاجم الزوجان بعضهما بكلام بذيء أمام الناس في المحكمة وعندها ستكون إمكانية الرجوع إلى بعضها أمراً صعباً، لذلك وجه الشرع إلى التحكيم الأهلي اولاً لما فيه من عاطفة وقرابة وحرص من الحكمين على الستر، وهذا فرض شرعي لا ينبغي أن يعترض عليه الزوجان.
الفرض الآخر الذي أخبرت به الآيات المباركات هو أنه لو كانت المشكلة والنشوز من طرف الزوج فما الذي يجب فعله، قال الله عز وجل: (( وإن امرأة خافت من زوجها نشوزاً أو إعراضاً فلا جناح عليهما ان يصلحا بينهما صلحاً والصلح خير وأحضرت الأنفس الشح وإن تحصنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيراً ))، سبب نزول هذه الآية المباركة هو أن رجل من المسلمين يسمى رافع بن جريح عندما كبرت زوجته قليلاً ذهب وتزوج امرأة أخرى شابة وترك الأولى وأعرض عنها، فراجعته الاولى في أمره فقال لها بأن الأخرى الشابة أحب إلي وأريد أن أطلقك، فحدث بينهما مشكلة وأنتهى الامر بينهما إلى الطلاق، ثم جاءا بحكمان من أحلهما وأرجعها ثم طلقها مرة أخرى عندما طالب بحقوقها، وبعد ذلك أرجعها فتنازلت عن ليلتها حفاظاً على تلك الأسرة، فالشرع الذي حلل له الزواج من أخرى لم يقول له أن ينسى سنين الخدمة والتاريخ الممتد الذي عاشه معها، فلو أصبحت لديه ثروة فقد كانت من أثر الإستقرار الذي وفرته له تلك الزوجة بإهتمامها ورعايتها لأبنائه فقد حملت له ووضعت عنه، فإعراضه عنها يعتبر إنكار للمعروف وقد يتعرض إلى من يعامله كذلك في المستقبل من قبل عمله أو أولاده لأنه بذلك يسن سنة لو سار عليها غيره فلا ينبغي أن يبتأس.
فهنا يبين الشرع للمرأة التي تخاف من بعلها نشوزاً أو إعراضاً بأن تتدارك الأمر حتى لا يقدم زوجها على ما هو الأسوأ وهو الطلاق، فيتم التصالح بينهما وفي التصالح يوجد معنى التنازل سواء التنازل عن نفقتها أو عن ليلتها أو غير ذلك وهذا يعتبر أهون الضررين حتى تصون هذه المؤسسة الزوجية، لكن نجد أن المشكلة هنا في قوله تعالى: (( وأحضرت الانفس الشح ))، والشحيح هو البخيل فشح النفس ليس كشح اليد فقد يكون لدى الإنسان أموالاً طائلة ولكن نفسه شحيحة فيبخل على زوجته حتى بالكلمات الطيبات أو النظرة الطيبة، ولو عرض الإنسان عمل الطلاق على تقوى الله والخوف منه وعرضه على الإحسان الذي قامت به الزوجة في حقه لوجد أن تلك الزوجة تستحق الإحسان وليس الطلاق.
بطبيعة الحال لا يمكن أن يُقرر على الزوج أن يحب الزوجة الأولى كالزوجة الثانية لأن أمر القلوب لا يمكن أن يتعامل معه بالإيجاب الشرعي، فقد يكون لدى الإنسان ولدان من صلبه ويكون أحدهما مطيع مؤمن وجاد في حياته، اما الثاني فقد يكون متمرد، فبطبيعة الحال سيميل قلب الأب إلى الولد الاول حتى وإن لم يظهر ذلك، فهذا الرجل لا يستطيع أن يقسم بين ولديه الحب السوي فكيف يستطيع ذلك بالنسبة للنساء، ولذلك يقول القرآن الكريم: (( ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتهم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة ))، أي ان المساواة في المحبة القلبية غير ممكنة ولكن هناك تكليف شرعي وهو ( لا تميلوا كل الميل )، أي لا مانع من بعض الميل القلبي ولكن الله نهاهم عن الميل الذي يجعل المرأة كالمعلقة وكأن لا زوجاً لها، وهنا أرشد الإمام الصادق عليه السلام في الجمع بين الآيات، بين آية (( انكحوا ما طالب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع )) وبقرينتها (( فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة )).