١١ المجتمع بين الرحمة الذاهبة والقسوة الغالبة

١١ المجتمع بين الرحمة الذاهبة والقسوة الغالبة
00:00 --:--

بعض التفاسير وبعض الآراء في الاختلاف بين الأمرين قالوا أن الثانية من قوله أعلى وأرقى لكن بناءًا على التوجيه الذي ذكرناه يتساوى الأمران . فعلك رحمة قولك رحمة تشريعك رحمة وجودك رحمة حنانك رحمة كل شيءٌ فيك رحمة بل أنت الرحمة مجسدة . هذا نفسه يساوي إنما أنا رحمةٌ مهداة وأنا لست إلا هذه الرحمة فإنما هي أداة حصر كما يقول علماء اللغة العربية .

وهذا التوجيه أقوى مما قيل وما أرسلناك إلا رحمة مرتبة وإنما أنا رحمةٌ مهداة مرتبةٌ أعلى . 

فالنبي (ص) كل فعلٍ منه ( فبما رحمةٍ من الله لنت لهم ) فنفس لينك هو رحمة من رحمات الله عز وجل التي عبأها في وجودك وجعلها في شخصيتك وهذا من آثار هذا المفهوم وعظمة هذا المفهوم 

وحين تذهب للمجتمع المسلم تجد أن أهم صفاته أنهم ( رحماء بينهم ) أشداء على الكفار رحماء بينهم ، والكفار لها معنى سنتعرض له فيما بعد في قضية قسوة القلب أحيانا 

وهذا المجتمع من صفاته أيضا أنهم  يتواصون بالصبر ويتواصون بالمرحمة وهذا الإنسان بعدما يقتحم العقبة إلى أن يصل إلى مرتبة ( ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) فيصفهم بأن هؤلاء هم أصحاب الميمنة . 

   والرحم أيضًا جاءت من هذا الباب في اللغة فهو العضو الخاص في المرأة على شكل كمثرى مقلوبة في الحالة العادية يكون وزنه حوالي خمسين غرام ثم بقدرة الله سبحانه وتعالى إذا حصل حمل يتمدد لكي يتسع لأكثر من كيلوين بحسب حجم الجنين والرحم نفسه أيضًا يزداد وزنه ، فهذا الرحم لشدة التصاقه داخل تجويف المرأة سمي بالرحم من باب هذه الرحمة وكأن ما كان في داخل الإنسان ومختلطًا بأحشائه ومتغذيا عليه ومحميًا به من أوضح أشكال الرحمة تغذية وحفاظ ورعاية وعناية ورتب على هذا الأمر أيضًا أمورشرعية ومنها قضية الميراث فالميراث قائم على أساس ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) وبقية المناهج في قضية الميراث لا تعتمد اعتمادا نهائيا على الرحم فبعض المناهج تعتمد على أساس الولد الذكر القادر على الدفع والأخذ والبسط كما كان في زمان الجاهلية وبعض المبادئ الوضعية بل حتى بعض الطرق اليهودية في صورتها غير الصحيحة أيضًا تنتهج هذا النهج أن الولد الذكر هو الذي يرث وكلاهما خرجا من نفس الرحم . وحين جاء الإسلام جعل أولوا الأرحام عنوانا للميراث ثم التوجيهات الأخلاقية أيضًا في قضية الصلة والرعاية جعل الرحم محلًا لمبادىء أخلاقية في صلة الأرحام وفي عدم قطيعتها . فهناك مبادئ شرعية لازمة وهناك أمورأخلاقية محبذةٌ وفي بعض الحالات تصل إلى مستوى الإلزام . مقابل كل هذا التراث من الرحمة يأتي قضية القسوة نعوذ بالله من القسوة وقد تكون قسوة القلب وهي منبع كل القساوات وقد تكون قسوة اللسان وقد تكون قسوة الفعل وعلى الإنسان المؤمن أن يقطع السبيل من البداية فلا تكون قسوة القلب عند الإنسان ولاحظوا أن القرآن الكريم يتحدث عن القسوة ليس باعتبارها ضرب ولا قتل ولا جرح بل باعتبارها فعلٌ قلبيٌ فيقول ( فويلٌ للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) فهؤلاء قلبهم قاسٍ عن ذكر الله وبعيد عن ذكر الله ولذلك يكون قاسيًا ويتحدث في موقف آخر ويقول   ( ثم قست قلوبكم فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) والإنسان من هذه النقطة عليه أن يسعى كي يكون قلبه رحيمًا رفيقًا رقيقًا بعيدًا عن القسوة لأنه لو انتهى من هذه المرحلة فإن ما بعدها من قسوة اللسان لن تكون ، وأيضا قسوة الجوارح لن تكون . 

ما يدعو الإنسان لكي يسعى كثيرًا ليكون قاسي القلب أول شيء وأهم شيء أن حسابه يوم القيامة سيكون على أساس قسوة قلبه أو رحمة قلبه ، والعاقل الحكيم من يختار طريقة حسابه من الآن . فحين تذهب للمطار يقال لك هذا مسار أخضر لايوجد به تفتيش ولا غيره وهناك مسار أحمر به تفتيش ، فأنت من البداية تبحث عن المسار الأخضر وتعد نفسك حتى لا تحمل شيئًا لا يناسب هذا المسار فتمشي بشكل سلس وعادي ، أما حين تحمل أشياء مثلًا ممنوعة ثم تسلك المسار الأحمر ومع ذلك تطمح أن تمشي بسلاسة وبشكل طبيعي هذا لن يكون أبدًا . أنا الآن أستطيع أن أنتخب طريقة حسابي يوم القيامة وأستطيع أن أعرف كيف سأحاسب وكيف سأعامل من خلال ما أسلكه الآن . أنا رحيم أو قاسي  أحد الأمرين نفسه هذا سيأتي لي يوم القيامة في صورةٍ أخرى . ومخطئ جدًا هذا الإنسان الذي يتعامل مع زوجته ، مع أبنائه ، مع موظفيه ، مع إخوانه ‘ مع أصدقائه بقسوة قلب وجرح لسان وعنف يد ثم يتصور أنه يوم القيامة سوف يعامله الله سبحانه وتعالى معاملة الراحمين ويجعله من المرحومين فهذا يخدع نفسه إذا كان يفعل هذا الفعل . 

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٨٧

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة