أمير المؤمنين عليه السلام الذي قال: ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً)، لم يقسر أحداً على موقف سياسي أو ديني ولم يقيد حرية أحد في التنقل والسفر ولم يحبس أحد حبساً إحترازياً ولم يسجن أحد بإعتبار أنه كان صاحب رأي مخالف له، فأول ما بدأ في الخلافة كانت بيعته كما قال في رسالة إلى معاوية: ( وبلغ من فرح الناس ببيعتي واستبشارهم بها أن هشّ إليها الصغير وهدج إليها الكبير وخفّت إليها النساء )، حتى لقد وُطئ الحسنان وشق عطفاه مجتمعين حوله يقولون البيعة البيعة، فقد كان بالمقابل قسم من الناس لم يقبلوا ببيعة أمير المؤمنين ووقفوا في وجهه وعارضوه معارضة سياسية كعبد الله بن عمر الذي رفض بيعة الإمام وقال لأمير المؤمنين: يا علي اتق الله ولا تنزون على أمر الأمة بغير مشورة منها، فأمير المؤمنين عليه السلام اعتبر هذا الشخص مخالفاً لحكمه السياسي ومعارضاً معه ولكنه لم يسجنه بعكس الحال في يومنا هذا، فلو جاء شخصاً معارضاً لحاكم من الحكام في أول يوم من جمهوريته وسلطنته فماذا سيصنعون به؟.
سعد بن أبي وقاص أيضاً كان مخالفاً لأمير المؤمنين وقال له إن أعطيتني سيفاً فيه عينان تقول لهذا كافر اقتله وذاك مسلم لا تقتله حينها سأبايعك، لكن الإمام عليه السلام لم يصنع به شيء، فتندم فيما بعد على ذلك ووقف في وجه معاوية عندما قام يشتم امير المؤمنين عليه السلام، وغيرهم من المعارضين الذين كانوا مخالفين لبيعة أمير المؤمنين عليه السلام، بل الأكثر من ذلك أنه عندما خرجت جماعة للتآمر عليه كالزبير وطلحة الذين جاءا يستأذنان الإمام علي في الخروج للعمرة كما زعما ولكن الإمام علي عليه السلام يعلم ما يخفيان وقال لهما بأنهما يريدان البصرة والغدر به ومع ذلك سمح لهما بالذهاب، ولم يسجن هؤلاء ولو صنع ذلك لكن حاله كحال غيره الذي تمتد فترة حكمه أربعين وخمسين عاماً ولا يخلف إلا المثل السيء، لكن علي عليه السلام استطاع في خمس سنوات أن يخلف ضياء إلى البشرية في مستقبل زمانها إلى يوم القيامة.
أكثر من ذلك أيضاً عندما حدثت مظاهرة جماعية ضد أمير المؤمنين في مسجده في يوم الجمعة وهو يخطب، فقد توافق عدد من الخوارج وقام أحدهم ورفع يده وقال: يا علي لا حكم إلا لله ثم قام شخص آخر وقال: يا علي لا حكم إلا لله وقام جماعة أخرى أيضاً وقالوا نفس الكلام، ومعنى ذلك عند الخوارج أنه يحّكم في أمر الله وبالتالي أصبح كافراً، فأشار إليهم أمير المؤمنين عليه السلام بأن يسكتوا وقال لهم: (بلى لا حكم إلا لله كلمة حق يراد بها باطل، حكم الله أنتظر فيكم، ألا إن لكم علينا ثلاث امور: ألاّ نمنعكم مساجد الله وألا نحرمكم من فيئكم ما دامت يدكم معنا وألا نقاتلكم ما لم تقاتلونا)، وبالفعل هكذا صنع أمير المؤمنين، فأي مستوى إنساني وأي قمة سامية يشير إليها أمير المؤمنين عليه السلام.
أبو العيزار الطائي وهو من جماعة الخوارج كان يستعرض الناس بعد النهروان ويقول هل ترى أن علياً آثم أو كافر؟ فخاف منه جماعة من أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام لأنه رجل شرس وأمسكوا به وذهبوا لأمير المؤمنين وقال لهم: فما؟، قالوا له: نرى أن تقتله، فقال أمير المؤمنين: أقتل رجلاً مسلماً من غير جناية؟، قالوا له: إذاً اسجنه، قال عليه السلام: كيف أسجنه ولم يرتكب جناية، قالوا: فماذا نصنع به، قال لهم أمير المؤمنين: خلّوا سبيل الرجل.
هذا أمير المؤمنين سلام الله عليه الذي يوفر لمعرضه حرية الكلام وحرية السفر ولا يسمح بإعتقاله، ولننظر إلى ما نجده الآن من صور يندى لها الجبين خجلاً وندماً، فماذا نقول عن حاكم يملك المليارات بينما أبناء شعبه ينامون في المقابر لعدم وجود مكان لهم، ولننظر إلى أمير المؤمنين عليه السلام عندما جاء له جماعة ليتوسطوا للإمام الحسن والإمام الحسين وجعفر بحكم أنهم أصبحوا أبناء الخليفة وليعطيهم أموالاً يحسن وضعهم، فالتفت أمير المؤمنين للرجل وقال له: أعد ما قلت، فأعاد الرجل الكلام، فقال له عليه السلام: أهما قالا لك هذا؟، قال الرجل: لا والله، فقال عليه السلام: والله لو قالا لك لما كان لهما عندي هوادة ولا ظفرة مني بإرادة وأما أنت فأعزب عن هذا، فكيف يعطي الإمام من بيت المال المسلمين شيئاً في غير استحقاقه.