المبدأ الثاني هو العدل والإنصاف، فالعدل هو اسم الله وصفته ونحن نقرأ في الدعاء: ( وأنك الحكم العدل الذي لا يجور )، فمن أسماء الله عز وجل وصفاته الحسنى وفعله وأمره هو العدل كما قال في كتابه الكريم: (( إن الله يأمر بالعدل والإحسان ))، ولا سيما في مدرسة الإمامية فإن مبدأ العدل يحتل موقعاً متميزاً حيث أنه يقرن بالتوحيد كأصل من أصول المذهب، أي إذا كانت أصول الدين ثلاثة وهي التوحيد والنبوة والمعاد فإن أصول المذهب عندنا أن العدل مقروناً إلى جانب التوحيد والإمامة مقرونة إلى جانب النبوة، فنجد أن العدل شيء عظيم ويدخل في باب العقائد ويتفرع عليه أبواب كثيرة في قضية الإختيار والجبر، القضاء والقدر، العقوبات في يوم القيامة، فجملة من المسائل الإعتقادية ترتبط بأمر العدل ونسبته لله، ويرتبط به جملة عظيمة أيضاً من الأحكام الفقهية في الفقه فأي حكم كان فيه ظلم لا يمكن أن يكون مشروعاً لأن الله عز وجل يأمر بالعدل ولا يمكن أن يأمر بالظلم أبداً لأن الظلم قبيح لا يمكن أن يأمر به الله عز وجل، كذلك على المستوى السياسي فإن الحاكم الذي لا يحكم بالعدل هو منعزل إلهياً وحكمه غير نافذ، والقاضي الذي لا يقضي بالعدل فهذا قاضٍ في النار وحكمه غير نافذ وهو منعزل أيضاً لأنه أُخذ عليه شرط أن يحكم بالعدل فإذا زال هذا الشرط زال المشروط معه.
إذاً فإن العدل والإنصاف من الأمور التي جُعلت مبدأً من المبادئ المهمة ضمن الرسالة الدينية إلى درجة أن العدل في الحاكم الكافر أفضل من الظلم في الحاكم المسلم وقد سُئِل علمائنا ومنهم علي بن طاووس رضوان الله تعالى عليه وهو أستاذ العلامة الحلي في قضية هولاكو عندما جاء إلى بغداد سنة ٦٥٦ للهجرة وجمع العلماء وسألهم فيما إذا كان الحاكم المسلم الجائر أفضل أم أن الحاكم الكافر العادل أفضل؟ فلم يتوقف السيد ابن طاووس عن الجواب بأن الحاكم الكافر العادل أفضل من الحاكم الجائر المسلم، فالناس في الحكومة لا يحتاجون إلى صلاة الليل من الجائر بل يحتاجون إلى عدله وإنصافه والحكم لا يبقى مع الظلم وإن كان الحاكم مسلماً، ويبقى مع الكفر إن كان الحاكم عادلاً وهذه قاعدة متسالم عليها، فالعدل والإنصاف مطلوب في كل حاكم مسلم كان أو غير مسلم.
المبدأ الثالث هو الحرية، نلاحظ أن أعظم شيء هو حق الله على عباده فلا يوجد حق أعظم من ذلك ولا يوجد واجب أكبر من واجب العباد تجاه ربهم، ومع ذلك لم يرد الله عز وجل من الناس عبادة بدون حرية ولم يرد منهم ديناً بالإكراه ولم يرد منهم صلاة بالجر وقال كشعار عام: ((لا إكراه في الدين))، بناء على أن أحد تفاسيرها هو لا إكراه على الدين وأن الله لا يقبل بالإكراه على الدين، فأساساً لا يمكن أن يكون هناك دين بالإكراه، فإذا كان الله لا يقبل الإكراه في عبادته وهو صاحب الحق الأعظم والواجب الأكبر فكيف يقبل إكراه الناس بعضهم لبعض في القضايا الإجتماعية أو السياسية أو الدينية، فالله سبحانه وتعالى خلق هؤلاء الناس أحراراً كما يقول أمير المؤمنين عليه السلام: ( لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً )، فالإنسان وُجِد في هذا الوجود ووجدت معه حريته كجزء من ذاته ومقوم له ولا يستطيع احد أن يسلبه هذا الحق الإلهي، فكما أنه لا يمكن لأحد أن يسلب روحه فأيضاً لا يستطيع أن يسلبه خاصيته التي خلقه الله بها.
هذه هي المبادئ الثلاثة، هلم لنرى كيف كانت في حكم أمير المؤمنين عليه السلام خصوصاً أن الأوضاع في بلاد المسلمين تتحرك ضمن ما يسمى بالربيع العربي أو الصحوة العربية أو غير ذلك، ولنرى الفرق في يومنا هذا كيف أن الناس على أثر المواقف السياسية يتواجهون بالقمع والسجن والقتل والقصف بالدبابات والطائرات وبكل ما اوتي بعض الحاكمين من قوة، فلنتعلم الفرق كيف كان في عهد أمير المؤمنين حتى يتعلم من يريد أن يتعلم طريق الهداية.